- يتطلب الذكاء الاصطناعي القابل للارتداء بناء الثقة على مستوى المنتج من خلال آليات اشتراك واختيار متعمدة، إلى جانب حماية الخصوصية عبر معالجة البيانات على الجهاز نفسه.
- الإشارات المرئية على الأجهزة الذكية القابلة للارتداء، مثل أضواء المؤشرات، ليست كافية لحماية الأشخاص المحيطين من عمليات الاستشعار المستمرة.
ينتقل الذكاء الاصطناعي من الشاشات إلى أجسامنا عبر الأجهزة القابلة للارتداء، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة للحياة اليومية والعمل الصناعي وإتاحة التكنولوجيا للأشخاص ذوي الاحتياجات المختلفة.
ويحدث هذا التحول في وقت لا تزال فيه ثقة الجمهور بالذكاء الاصطناعي في طور التشكل، ما يجعل التعامل معه بالشكل الصحيح أمراً بالغ الأهمية. ففي الأدوات التقليدية المعتمدة على الشاشات، يكون التفاعل عادةً محدوداً وواضحاً؛ إذ تفتح تطبيقاً، وتكتب طلباً، وتمنح إذناً معيناً، ثم تغلق التطبيق. أما الأنظمة التي يتم ارتداؤها على الجسم فهي مختلفة. فهي تعمل في بيئات مادية واجتماعية مشتركة، وقد تجمع بيانات تزداد حساسية وخصوصية، وتؤثر في طريقة تفكير المستخدمين وشعورهم وتصرفاتهم، كما قد تراقب أو تحلل أشخاصاً محيطين بها من دون علمهم.
لهذا السبب، يجب أن تُدمج الثقة في تصميم المنتج منذ البداية.
الشفافية لنوع جديد من التفاعل مع الذكاء الاصطناعي
تفرض متطلبات الشفافية الواردة في قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي، والتي دخلت حيز التنفيذ في أغسطس 2026، على مقدمي بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي إبلاغ الأشخاص عندما يتفاعلون مباشرة مع نظام ذكاء اصطناعي، كما تضع متطلبات للإفصاح عن بعض أنواع المحتوى الذي يتم إنشاؤه باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وواجهت نظارات Ray-Ban الذكية من Meta دعوى قضائية تتعلق ببيانات الكاميرات القابلة للارتداء، بعدما أفادت تقارير بأن بعض المقاطع المصورة تم إرسالها إلى متعاقدين في كينيا لمراجعتها يدوياً، ما أثار تساؤلات بشأن مدى التزام المنتج فعلياً بمبدأ إعطاء الأولوية للخصوصية.
وفي واقعة منفصلة، طوّر طالبان من جامعة هارفارد أداة تحمل اسم I-XRAY لإظهار كيف يمكن دمج النظارات الذكية مع تقنيات التعرف على الوجوه للكشف الفوري عن أسماء أشخاص غرباء وعناوينهم وأرقام هواتفهم، وهي حالة تم توثيقها لاحقاً ضمن نظام رصد حوادث الذكاء الاصطناعي التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ويُظهر هذان المثالان أن مشكلة الثقة لا تقتصر على الأشخاص المحيطين بمستخدمي الأجهزة فقط؛ فقد يتم التقاط صور أو بيانات لأشخاص بواسطة أنظمة لم يختاروا التفاعل معها من الأساس، في حين أن المستخدمين الذين يختارون ارتداء الجهاز طوعاً قد لا تكون لديهم سيطرة كافية على كيفية معالجة البيانات التي يتم جمعها أو مراجعتها أو مشاركتها لاحقاً.
ثلاثة مبادئ للذكاء الاصطناعي القابل للارتداء
مع توجه الذكاء الاصطناعي القابل للارتداء نحو الاعتماد على عمليات استشعار أكثر استمرارية، تبرز ثلاثة مبادئ أساسية:
1. تصميم الذكاء الاصطناعي لدعم الحكم البشري وليس لاستبداله
يمكن للذكاء الاصطناعي القابل للارتداء مساعدة الأشخاص على اتخاذ قرارات أفضل، لكنه لا ينبغي أن يتخذ القرارات نيابة عنهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بالصحة أو السلامة أو العمل أو المال. فعلى سبيل المثال، إذا اكتشف جهاز قابل للارتداء وجود اضطراب في ضربات القلب، فقد يكون من الأنسب أن ينبه المستخدم أولاً ويوصيه بطلب المشورة الطبية، وألا يتخذ إجراءات تصعيدية إضافية إلا إذا كان المستخدم قد فعّل هذا الخيار مسبقاً أو إذا اكتشف النظام مؤشرات واضحة على حالة طارئة، مثل فقدان الوعي أو التدهور السريع في الحالة الصحية.
ويجب أن يكون الأشخاص قادرين على فهم سبب تقديم توصية معينة، والتشكيك فيها أو رفضها، وإيقاف أي ميزة أو إلغاء إجراء محدد في أي وقت.
2. دمج الخصوصية في المنتج، وليس فقط في سياسة الخصوصية
قد يعرف جهاز الذكاء الاصطناعي القابل للارتداء ما الذي ينظر إليه الشخص، وأين يوجد، وما الذي يقوله، وكيف يتفاعل جسمه. وهذا يجعل الموافقة مهمة، لكن الموافقة وحدها ليست كافية. ويجب أن يكون السؤال الأول في عملية التصميم أبسط من ذلك: هل يحتاج المنتج بالفعل إلى هذه البيانات؟
وبالنسبة إلى جهاز قد يرافق الشخص طوال اليوم، تبدأ الخصوصية من مبدأ تقليل جمع البيانات إلى الحد الضروري؛ أي جمع البيانات الحساسة فقط عند الحاجة إليها، ومعالجتها على الجهاز نفسه كلما كان ذلك ممكناً، وتجنب تخزين البيانات الخام إلا عندما تكون هناك ضرورة فعلية لذلك.
وهناك أيضاً حافز عملي لمعالجة قضايا الخصوصية في وقت مبكر. ففي البلدان التي تطبق قوانين صارمة لحماية الخصوصية، قد لا يُسمح للجهاز بالعمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها في دول أخرى. وإذا انتظرت الشركات حتى موعد إطلاق المنتج لمعالجة هذه المتطلبات، فقد تضطر إلى إعادة بناء وظائف أساسية فيه بما يتناسب مع كل سوق على حدة. أما تصميم المنتجات منذ البداية بما يراعي هذه القيود، فيمكن أن يساعد على تجنب تعديلات مكلفة في وقت لاحق.
3. جعل عمليات الاستشعار مرئية وواضحة للأشخاص المحيطين بالجهاز
قد يكون الشخص الذي يرتدي الجهاز قد وافق على شروط الخدمة، لكن الأشخاص الموجودين من حوله لم يفعلوا ذلك. وفي الأماكن المشتركة، قد تتم رؤية الآخرين أو تسجيلهم أو التعرف على هويتهم أو تحليلهم من دون موافقتهم.
وجود إشارة مرئية أمر مهم، لكنه لا يمكن أن يكون الحل الوحيد. فقد لا يلاحظ الأشخاص ضوء المؤشر، أو قد يتجاهلونه، أو قد تتم تغطيته. وكلما كانت الوظيفة أكثر حساسية، مثل التعرف على وجه شخص أو عرض اسمه أو عنوانه أو تحليل شخص موجود بالقرب من الجهاز، كان من الضروري أن يكون النظام أكثر حذراً قبل تفعيلها. ويجب أن تتطلب هذه القدرات اشتراكاً واختياراً صريحين ومتعمدين بدلاً من تشغيلها بهدوء في الخلفية.
وأظهرت تجربة I-XRAY لماذا لا يكفي مجرد إبلاغ الشخص الذي يرتدي الجهاز. فلا ينبغي تحميل شخص غير مدرك لما يحدث من حوله مسؤولية ملاحظة إشارة ما، وفهم معناها، ثم التصرف بسرعة. بل يجب أن تكون حماية الأشخاص المحيطين جزءاً أساسياً من طريقة عمل النظام نفسه.
الاستخدام اليومي يتطلب مستوى أعلى من الثقة
يمكن للأجهزة القابلة للارتداء أن تجعل مراقبة الصحة أكثر استمرارية، وأن تجعل خدمات المساعدة وإتاحة التكنولوجيا أكثر استجابة، لأنها تبقى مع المستخدم طوال اليوم. ومع بدء هذه الأجهزة في التفاعل مع إشارات فسيولوجية أكثر حساسية، وربما مع البيانات العصبية مستقبلاً، سيحتاج الأشخاص إلى إجابات واضحة عن أسئلة أساسية: ماذا يفعل الجهاز؟ ما البيانات التي يستخدمها؟ ما الذي يمكن إيقافه؟ وماذا يحدث عندما يرتكب النظام خطأ؟
ويجب أن تأتي الإجابات عن هذه الأسئلة من المنتج نفسه، من خلال عناصر تحكم واضحة، وممارسات شفافة في التعامل مع البيانات، وسلوك متوقع ويمكن فهمه من النظام.
وقد بدأ صناع السياسات والمؤسسات العالمية في الاستجابة لهذه المخاوف المرتبطة بحساسية البيانات. ففي نوفمبر 2025، اعتمدت منظمة اليونسكو توصيتها بشأن أخلاقيات التكنولوجيا العصبية، بينما أدخلت تشيلي حماية دستورية لنشاط الدماغ وللمعلومات المستخرجة منه.
لا يمكن لمعايير الصناعة انتظار التشريعات
لن تتمكن السياسات والتشريعات دائماً من مواكبة كل مستشعر جديد أو شكل جديد للأجهزة أو نوع جديد من البيانات. لذلك، يمكن للمعايير الطوعية أن توفر إطاراً مرجعياً مشتركاً.
وقد وضع المجلس العالمي للمستقبل المعني بالتكنولوجيا العصبية، التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، مجموعة من التزامات أفضل الممارسات في الصناعة بهدف تعزيز الشفافية، وحماية الاستخدام المسؤول للبيانات العصبية، وتعزيز استقلالية الأفراد وسيطرتهم عليها. كما تعمل المنصة العالمية للابتكار التنظيمي التابعة للمنتدى على استكشاف السبل التي يمكن من خلالها للتنظيم مواكبة التقنيات الناشئة.
وينبغي أن توجه هذه المبادئ تطوير الذكاء الاصطناعي القابل للارتداء منذ المراحل المبكرة، بينما لا تزال المنتجات قيد التصميم. وستكون الشركات التي تجعل الثقة واضحة وملموسة داخل المنتج نفسه هي الشركات التي سيكون الناس أكثر استعداداً للاعتماد عليها في أكثر جوانب حياتهم خصوصية وأهمية.
