إذا أردت تكوين صورة عن واقع الأبحاث الطبية الحيوية، فتخيّل حذاءً يطأ وجه عالم أحياء، لعقود طويلة. ويحمل هذا الحذاء عبارة «الكيمياء الدوائية». لا ينبغي أن يُفهم هذا التشبيه بوصفه إهانة للكيميائيين الدوائيين، فهم يعملون ببراعة في واحد من أصعب المجالات في الطب الحيوي على الأرجح. بل أقصد ما يلي: قد تكون لدى عالم الأحياء فرضية واضحة حول كيفية إيقاف مرض ما، مثل أن يؤدي حجب بروتين معين إلى خفض الكوليسترول في الدم وتقليل خطر الإصابة بأمراض القلب. ومن الطبيعي أن يرغب عالم الأحياء في اختبار هذه الفرضية. لكن لا يوجد زر سحري لإيقاف هذا البروتين؛ فلا بد من وجود شيء مادي يتولى حجبه. وغالبًا ما يكون هذا الشيء مركبًا كيميائيًا صغيرًا صُمم بعناية ليُعطى للجسم، ويرتبط بالبروتين ويحجبه، من دون أن يفعل أي شيء آخر. لكن الأمور في الواقع نادرًا ما تسير وفق الخطة، وهذا أحد الأسباب الرئيسية لفشل معظم الأدوية في التجارب السريرية.
والأمر أسوأ من ذلك؛ إذ يواجه الكيميائيون الدوائيون صعوبة في ابتكار طرق للتفاعل مع معظم البروتينات أصلًا. ويُعدّ معظم البروتينات البشرية «غير قابلة للاستهداف دوائيًا»، أي إن الجزيئات الصغيرة التي نستطيع تصنيعها حاليًا لا يمكنها الارتباط بهذه البروتينات بفاعلية، إما لأنها تفتقر إلى جيب مناسب تلتصق به الأدوية، أو لأنها «مضطربة بنيويًا بطبيعتها»، فلا تمتلك بنية متماسكة واضحة. ونتيجة لذلك، ينتهي اكتشاف الأدوية إلى التركيز على الأقلية من الأهداف التي يمكن استهدافها دوائيًا، مثل شخص ثمل يبحث عن مفاتيحه تحت مصباح الشارع لمجرد أن الضوء هناك.
وحتى بالنسبة إلى هذه الأهداف، فإن النجاح ليس مضمونًا على الإطلاق. فقد يتحلل دواء ينجح في المختبر داخل الجسم قبل أن يصل إلى البروتين المستهدف، أو يتداخل مع بروتينات أخرى ويسبب آثارًا جانبية سامة، أو يفشل في الامتصاص والانتقال إلى الأنسجة المناسبة. إن قدرتنا على التنبؤ بما ستفعله الأدوية المعتمدة على الجزيئات الصغيرة داخل الجسم ضعيفة للغاية، حتى إن الدواء قد ينجح بالفعل، ولكن لسبب مختلف عن السبب الذي افترضناه في البداية!
لكن ماذا لو أمكننا، بدلًا من إنفاق سنوات في تحسين كيمياء الجزيئات الصغيرة لعلاج مرض واحد فقط، ثم اكتشاف أن كل تلك الجهود لا تفعل سوى تذكيرنا الحاد بأن الخطط لا تصمد أمام أول مواجهة مع العدو، استخدام زر سحري يوقف أي جين نختاره؟ عندها لن نتمكن من علاج ارتفاع الكوليسترول فحسب، بل سنستطيع أيضًا معالجة عشرات الأمراض المميتة، من ألزهايمر إلى السكري ومرض هنتنغتون.
مرحبًا بكم في عالم العلاج بالحمض النووي الريبي المتداخل الصغير (siRNA).
إسكات الجينات
تبدأ قصة الحمض النووي الريبي المتداخل الصغير (siRNA) عام 1990، عندما كان العلماء في شركة «دي إن إيه بلانت تكنولوجي» في كاليفورنيا يحاولون معرفة سبب تحوّل أزهار البتونيا التي يزرعونها إلى اللون الأبيض. فقد كانوا في الواقع يحاولون جعل أزهارهم أغمق لونًا، وذلك بإضافة نسخة إضافية من الجين المسؤول عن إنتاج إنزيم يصنع الصبغة. ومن المفترض أن تؤدي إضافة نسخة أخرى من جين مسؤول عن إنتاج إنزيم إلى زيادة كمية الإنزيم، ومن ثم زيادة الصبغة. لكن النسخة الإضافية، لسبب غير مفهوم، أوقفت إنتاج الإنزيم بدلًا من تعزيزه. وأطلق الباحثون على هذه الظاهرة المحيّرة اسم «الإسكات المشترك» (cosuppression). وكشفت أبحاث لاحقة أجراها باحثون آخرون عن سببها، وهو نوع خاص من جزيئات الحمض النووي الريبي يُعرف باسم siRNA، وقد تدخّل في إنتاج الإنزيم. وفاز أندرو فاير وكريغ ميلو لاحقًا بجائزة نوبل تقديرًا لهذا الاكتشاف.
كان علماء الأحياء يعرفون الحمض النووي الريبي (RNA) منذ عدة عقود. فهو، مثل الحمض النووي (DNA)، جزيء معقد يتكون من سلسلة من الوحدات البنائية الأصغر التي تحمل المعلومات الوراثية. لكنهما يختلفان في تفصيل مهم واحد: تحتوي الوحدات البنائية للحمض النووي الريبي على ذرة أكسجين إضافية مقارنة بالحمض النووي، ومن هنا جاء اسمه «الحمض النووي الريبي»، في مقابل اسم الحمض النووي «منقوص الأكسجين». وهذه الذرة الإضافية من الأكسجين تجعل الحمض النووي الريبي عرضة لتفاعلات كيميائية قد تؤدي إلى تحلله. أما الحمض النووي فهو أكثر استقرارًا، ولذلك يُستخدم لتخزين المعلومات الوراثية لدى جميع الكائنات متعددة الخلايا. وتميل جزيئات الحمض النووي الريبي إلى أن تكون قصيرة العمر، وتتخذ أشكالًا متنوعة داخل الخلايا؛ إذ تنقل التعليمات، وتساعد في تجميع البروتينات، وتنظم الجينات، وتحفز التفاعلات الكيميائية. وبينما يتكون الحمض النووي من سلسلتين مترابطتين من الوحدات البنائية تلتفان لتشكّلا بنيته الحلزونية الشهيرة، يوجد الحمض النووي الريبي غالبًا في صورة سلسلة واحدة.
يحتوي الحمض النووي على التعليمات اللازمة لصنع البروتينات، بدءًا من الإنزيمات التي تهضم الطعام، وصولًا إلى الكيراتين والكولاجين اللذين يكوّنان شعرنا وبشرتنا. لكن الانتقال من الحمض النووي إلى البروتين يتطلب أولًا نسخ الشفرة الوراثية إلى جزيء وسيط من الحمض النووي الريبي يُسمى «الحمض النووي الريبي المرسال» (mRNA)، ثم تُترجم هذه الشفرة إلى بروتين. وإذا دُمّر الحمض النووي الريبي المرسال، فلن يُصنع البروتين.
وهذا بالضبط ما يفعله الحمض النووي الريبي المتداخل الصغير، أو «الحمض النووي الريبي المتداخل الصغير» (siRNA)، فهو سلسلة قصيرة من الحمض النووي الريبي تتداخل مع إنتاج البروتين من خلال تدمير الحمض النووي الريبي المرسال. ويرتبط جزيء siRNA بجزء من الحمض النووي الريبي المرسال يحمل تسلسلًا مطابقًا له، يشبه الرمز الشريطي، ثم يوجّهه إلى آلية إسكات الجينات في الخلية كي تدمره، فتقطّع الحمض النووي الريبي المرسال إلى أجزاء.
ويفسر siRNA أيضًا ما حدث لأزهار البتونيا. فقد أدت إضافة نسخة إضافية من الجين المسؤول عن إنتاج الصبغة إلى تحفيز الأزهار على إنتاج siRNA يستهدف ذلك التسلسل الوراثي. ولأن الجين المُضاف حديثًا والجين الأصلي يشتركان في التسلسل نفسه، جرى إسكات كليهما، وفقدت الأزهار صبغتها وتحولت إلى اللون الأبيض. وهذه عملية تحدث طبيعيًا؛ إذ تستخدم الخلايا siRNA لإسكات الجينات غير المرغوب فيها، مثل جينات الفيروسات التي تدخل الخلية. لكن يمكننا أيضًا استخدام هذه الآلية بصورة اصطناعية لمنع إنتاج البروتينات المسببة للأمراض.
العلاج بالحمض النووي الريبي المتداخل الصغير
نجح إسكات الجينات بالفعل في علاج بعض الأمراض. ومن أمثلة ذلك الداء النشواني الوراثي الناجم عن الترانسثيريتين، وهو مرض تسببه طفرة في جين الترانسثيريتين، تؤدي إلى سوء طي البروتين الناتج عنه وتكتله في مجرى الدم والأعصاب والقلب. ومع مرور السنوات، تتراكم هذه الترسبات، فتُلحق الضرر بالأعصاب وتجعل عضلة القلب أكثر تيبسًا، وقد يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى فشل القلب. وحتى وقت قريب، كان المصابون بهذه الحالة يعيشون في المتوسط عمرًا يقل بنحو عشر سنوات عن متوسط العمر المتوقع عمومًا.
في عام 2018، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على أول دواء يعتمد على تداخل الحمض النووي الريبي، ويُسمى «باتيسيران» (patisiran)، لعلاج تلف الأعصاب الناجم عن هذا المرض. ثم اعتُمد في عام 2022 دواء أحدث يدوم مفعوله مدة أطول، يُسمى «فوتريسيـران» (vutrisiran). ويستخدم الدواءان تقنية siRNA لمنع إنتاج البروتين سيئ الطي، وبالتالي منع تشكّل التكتلات، ما يوقف تطور المرض أو يبطئه.
ويمكن تكييف هذا النهج لعلاج أمراض كثيرة ومختلفة، من ارتفاع الكوليسترول إلى ألزهايمر، إذ يعتمد تطور هذه الأمراض على عدد محدود من البروتينات المحورية. ويتيح تداخل الحمض النووي الريبي استهداف هذه البروتينات تحديدًا ومنع إنتاجها.
هل يوجد جين ترغب في إسكاتِه؟ حدّد التسلسل الوراثي للجين، وصنّع تسلسلًا قصيرًا من siRNA يطابقه، ثم أوصل جزيء siRNA إلى الخلايا المناسبة، وها قد انتهى الأمر: خفض فوري لمستوى التعبير الجيني. تبدو العملية بسيطة من الناحية النظرية، لكن الخطوة الأخيرة، أي إيصال siRNA إلى الخلايا الصحيحة، تبيّن أنها صعبة على نحو مدهش. ولم تُحل هذه المشكلة إلا بعد عقود من العمل المضني في الكيمياء العضوية.
مشكلة إيصال العلاج
لو حقنت siRNA مباشرة في أوردة المريض، فلن يحدث شيء مفيد. وهناك ثلاثة أسباب على الأقل لذلك. أولًا، يمتلئ الجسم بالإنزيمات التي تتعرف على الحمض النووي الريبي غير المحمي، بما في ذلك siRNA، وتعمل على تدميره. ثانيًا، حتى لو بقي جزيء siRNA سليمًا تمامًا، فلن يفعل شيئًا في مجرى الدم، لأنه يحتاج إلى الدخول إلى الخلية كي يصل إلى الحمض النووي الريبي المرسال المستهدف. ثالثًا، عندما يدخل الجزيء إلى الخلية، يُحاط بحويصلة صغيرة تُسمى «الإندوسوم»، حيث تتولى الإنزيمات الهاضمة تفكيكه. لذلك، يجب أن يحافظ جزيء siRNA على سلامته، ويدخل الخلايا المستهدفة، ثم يتمكن بطريقة ما من الخروج من الإندوسوم دون أن تهضمه الإنزيمات.
تتمثل إحدى طرق حل هذه التحديات في الاستفادة من نظام التوصيل الذي تستخدمه الطبيعة نفسها، أي الفيروسات. فقد أمضت الفيروسات مليارات السنين في التطور لتجاوز دفاعات خلايانا، والعثور على طريقها إلى داخلها، وإطلاق بروتيناتها. فلماذا لا نستخدم الفيروسات لنقل siRNA إلى خلايانا؟ حاول الباحثون بالفعل تطبيق هذه الفكرة، من خلال هندسة فيروسات غير ضارة كي تحمل siRNA وتوصله إلى أنسجة محددة، بما في ذلك الدماغ. لكن للفيروسات عيبًا مهمًا؛ فمثلما تطورت لتتمكن من اختراق خلايانا، أمضت أجهزتنا المناعية مئات الملايين من السنين في تعلم كيفية التعرف عليها وتدميرها. وحتى أنظمة التوصيل الفيروسي المصممة بعناية قد تحفّز استجابات مناعية، خصوصًا عند استخدامها بصورة متكررة، وهو ما قد يشكل خطرًا على المرضى ويقلل فاعلية العلاج.
مغلّف ومحكم الإغلاق ويصل إلى وجهته
ركز نهج آخر على تغليف الحمض النووي الريبي داخل جسيمات دهنية صغيرة تُسمى «الليبوسومات» أو الحويصلات الشحمية، لحمايته ومساعدته على دخول الخلايا. وقد بدأ استكشاف الليبوسومات في ستينيات القرن العشرين، وكان بإمكانها حماية الحمض النووي الريبي من التحلل داخل الجسم إلى حد ما. لكنها كانت أقل نجاحًا بكثير في دخول الخلايا، لأنها لا ترتبط إلا ارتباطًا ضعيفًا بأغشيتها الخارجية، كما كانت أقل كفاءة في الخروج من الإندوسومات وإطلاق حمولتها من siRNA داخل الخلايا.
تمكن الباحثون من تجاوز هذا التحدي في ثمانينيات القرن العشرين، عندما عدّلوا الليبوسومات لجعلها ترتبط بقوة أكبر بأغشية الخلايا سالبة الشحنة، وذلك بإضافة دهون تحمل شحنة كهربائية موجبة. وعلى الرغم من أن هذا التعديل ساعد الحمض النووي الريبي على دخول الخلايا، فإنه جاء بتكلفة؛ إذ تسببت الشحنة الموجبة القوية في تفاعل الليبوسومات مع أغشية الخلايا بدرجة مفرطة، ما أدى إلى إتلافها.
أما الاختراق العلمي التالي، فكان أكثر دقة. فبدلًا من استخدام دهون تحمل شحنة ثابتة، أضاف الباحثون دهونًا يمكنها تغيير شحنتها بحسب درجة حموضة البيئة المحيطة بها، وتُسمى «الدهون القابلة للتأين». وتكون هذه الدهون متعادلة الشحنة في مجرى الدم، ما يقلل الضرر، لكنها تتحول إلى الشحنة الموجبة داخل الإندوسوم بسبب البيئة الحمضية فيه. ويؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار غشاء الإندوسوم، فتتحرر جزيئات siRNA وتدخل إلى الخلية.
لكن حتى بعد التوصل إلى هذه الفكرة الأساسية، لم تكن المشكلة قد حُلّت بالكامل. فقد استغرق الأمر أكثر من عقد من التجارب والتعديلات على كيمياء الدهون القابلة للتأين، ما أدى إلى تحسين فاعلية العلاج بمقدار ألف ضعف، قبل الوصول إلى جسيمات نانوية دهنية قادرة على تنفيذ الخطوات الثلاث اللازمة للتوصيل، وهي الحفاظ على استقرار الحمولة، وإدخالها إلى الخلايا، وتمكينها من الهروب من الإندوسومات، وذلك بأمان وكفاءة.
كان باتيسيران، أول دواء يعتمد على siRNA ويحصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، أول نجاح يطبق هذا النهج. فقد أوصل siRNA باستخدام جسيمات نانوية دهنية تحتوي على دهون قابلة للتأين، بهدف إسكات جين الترانسثيريتين المتحوّر في خلايا الكبد وإبطاء تطور الداء النشواني. وأثبت هذا الدواء إمكانية تحويل siRNA إلى علاج حقيقي. لكن المفارقة أنه ظهر في الوقت نفسه تقريبًا الذي بدأ فيه استخدام الجسيمات النانوية الدهنية لتوصيل siRNA يفقد مكانته لمصلحة طريقة أكثر كفاءة. فماذا لو لم يحتج siRNA إلى ناقل من الأساس؟
siRNA العاري
حتى ذلك الوقت، ركز الباحثون على حماية siRNA من التحلل داخل الجسم. لكنهم جرّبوا بعد ذلك نهجًا جديدًا، يتمثل في جعل جزيء siRNA نفسه أكثر متانة، بحيث يستطيع البقاء سليمًا دون غلاف واقٍ.
لفهم كيفية تحقيق ذلك، لنعد إلى الاختلاف بين الحمض النووي والحمض النووي الريبي. يحتوي الحمض النووي الريبي على ذرة أكسجين إضافية تجعله عرضة للتفاعلات التي تؤدي إلى تفككه. ومن خلال تعديل هذه الذرة كيميائيًا، مثل استبدالها بالفلور أو الهيدروجين الأقل تفاعلًا، أو ربط مجموعة ميثيل بها، وهي مجموعة مستقرة تتكون من ذرة كربون واحدة وثلاث ذرات هيدروجين، يمكن جعل جزيء الحمض النووي الريبي أكثر متانة بدرجة كبيرة. وقد مكّنت هذه التغييرات الكيميائية الصغيرة والدقيقة شركة «ألنايلم للأدوية» (Alnylam Pharmaceuticals)، التي طورت أيضًا دواء باتيسيران، من إنتاج جزيئات siRNA تتمتع بحماية شبه دائمة من التحلل عند حقنها دون غلاف واقٍ.
وبعد حل مشكلة الاستقرار، كان التحدي التالي هو توجيه siRNA العاري إلى هدفه. كانت أدوية siRNA المحمولة داخل الجسيمات النانوية الدهنية تتراكم طبيعيًا في الكبد، لأن هذه الجسيمات تحاكي الكوليسترول الذي تتم معالجته في الكبد. وهذا ما جعل الكبد هدفًا سهلًا لأدوية siRNA. لكن من دون الجسيمات النانوية الدهنية، لم تكن جزيئات siRNA العارية لتتركز في عضو مستهدف. لذلك، أضاف الباحثون إليها ما يشبه ملصق العنوان لتوجيهها إلى وجهتها، وهو ثلاث نسخ من جزيء سكري صغير يُسمى «غالناك» (GalNAc). وتوجد على أسطح خلايا الكبد مستقبلات تتعرف على هذا السكر، ثم تُدخله إلى الخلايا داخل الإندوسومات. وبهذه الطريقة، أمكن توجيه siRNA إلى المكان المقصود.
نجحت شركة ألنايلم في تجاوز أول عقبتين أمام توصيل أدوية siRNA العارية؛ فقد أنتجت جزيئات لا تتحلل فورًا في مجرى الدم، وتصل إلى الخلايا المطلوبة وتدخل إليها. وبقيت العقبة الأخيرة، وهي الخروج من الإندوسوم. فمن دون الدهون القابلة للتأين التي تعمل على تفكيك غشاء الإندوسوم، كيف يمكن لجزيئات siRNA العارية أن تخرج منه وتصل إلى داخل الخلية؟
اتضح أن الإجابة أبسط مما كان متوقعًا. فعلى الرغم من بقاء معظم جزيئات siRNA العارية محصورة داخل الإندوسومات، تتمكن نسبة صغيرة منها من التسرب إلى الخارج نتيجة أحداث عارضة، ويستمر تحرر المزيد منها بمرور الوقت. وقد تقل نسبة siRNA المتسربة من الإندوسومات عن واحد في المئة بكثير، لكن هذه الكمية غالبًا ما تكون كافية، لأن siRNA يتمتع بفاعلية عالية جدًا؛ إذ لا يحتاج إلى كمية كبيرة منه لإحداث تأثيره في إسكات الجينات.
وأدى ذلك إلى اختلاف هائل في مدة استمرار مفعول الدواء. فقد كان باتيسيران، الذي يُنقل باستخدام جسيمات نانوية دهنية، يتطلب جرعة كل ثلاثة أسابيع. أما دواء ألنايلم الأحدث، فوتريسيـران، فهو دواء siRNA عارٍ مرتبط بسكر غالناك، وقد اعتُمد لعلاج الحالة المرضية نفسها، لكنه لا يتطلب سوى جرعة واحدة كل ثلاثة أشهر. وتوجد الآن أدوية أخرى تعتمد على siRNA العاري وسكر غالناك، لا تحتاج إلى جرعات إضافية إلا كل ستة أشهر.
وتتمتع أدوية siRNA المرتبطة بغالناك بميزة أخرى أيضًا. فقد كان باتيسيران، بسبب احتوائه على جسيمات نانوية دهنية، ينطوي على خطر تحفيز استجابات مناعية، ولذلك كان المرضى يتلقون أدوية مثبطة للمناعة إلى جانبه. أما الأدوية المرتبطة بغالناك، فلا تستلزم هذا الإجراء الوقائي.
وباختصار، أصبحت لدينا الآن طريقة ناجحة لإيقاف نشاط جين محدد بصورة مؤقتة في الكبد، ويمكن تحقيق ذلك باستخدام أدوية لا تتطلب أكثر من أربع جرعات سنويًا. وقد اعتُمدت أدوية متعددة تعتمد على siRNA لعلاج أمراض الكبد النادرة والشائعة، بما في ذلك الداء النشواني الوراثي الناجم عن الترانسثيريتين، والهيموفيليا، وارتفاع الكوليسترول، والبورفيريا الكبدية الحادة، وهي حالة مزمنة مؤلمة تسبب نوبات من الألم والقيء وضيق التنفس نتيجة خلل في أحد الإنزيمات. كما توجد أدوية أخرى كثيرة تعتمد على siRNA في مراحل متقدمة من التجارب السريرية، وتشمل علاجات لارتفاع ضغط الدم والسكري ومرض الكبد الدهني.
ما وراء الكبد
حتى الآن، ارتبطت جميع قصص النجاح بالكبد. لكن الكبد، بالطبع، ليس العضو الوحيد في الجسم. ولا يرجع هيمنته على هذا المجال إلى أن siRNA لا يعمل إلا فيه، بل إلى أن الكبد كان نقطة البداية الأسهل. وبمجرد نجاح هذا النهج، ظهرت فكرة أوسع نطاقًا: إذا أمكن تثبيت siRNA وتوجيهه إلى وجهته من خلال ربطه بعلامة جزيئية تشبه «العنوان»، فمن الممكن من حيث المبدأ استخدام علامات مختلفة لتوجيهه إلى أعضاء أخرى.
وهذا بالضبط ما يحاول الباحثون تحقيقه الآن. فمن خلال استبدال السكر المستخدم لاستهداف الكبد بجزيئات أخرى، يطوّر الباحثون أدوية موجهة إلى أعضاء مختلفة، تشمل الكلى والرئتين والأنسجة الدهنية والعضلات والدماغ. والمنافسة في هذا المجال شديدة، وإذا تعثرت أي شركة، فستجد خلفها عددًا كبيرًا من الشركات الناشئة الطموحة التي تسعى إلى اقتناص الفرصة، مثل «مانيفولد بايو» (Manifold Bio) و«سوفليه ثيرابيوتكس» (Soufflé Therapeutics).
ومن بين هذه الجهود، تحظى التجارب الموجهة إلى الدماغ بأعلى درجات الأهمية والمخاطرة. فهي تستهدف أحد أبرز التحديات المستعصية في الطب الحديث، وهو مرض ألزهايمر. وتنص النظرية الأكثر تأثيرًا لتفسير المرض، رغم استمرار الجدل حولها، على أن ألزهايمر ينشأ بفعل بروتين سيئ الطي يُسمى «بيتا أميلويد»، وينتج من بروتين أكبر يُعرف باسم «بروتين طليعة الأميلويد». ووفقًا لهذه النظرية، تتراكم البروتينات سيئة الطي في صورة تكتلات تحفّز تراكم بروتين آخر يُسمى «تاو»، ما يؤدي إلى فقدان الخلايا العصبية وتراجع القدرات المعرفية.
وتشير هذه الفرضية بطبيعة الحال إلى نقطتين واضحتين يمكن التدخل عندهما؛ إما خفض إنتاج بروتين طليعة الأميلويد في مرحلة مبكرة من المسار، أو خفض إنتاج بروتين تاو في مرحلة لاحقة منه. ويستهدف برنامج شركة ألنايلم بروتين طليعة الأميلويد، بينما يستهدف برنامج شركة «أروهيد» (Arrowhead) بروتين تاو.
وستواجه هذه الأدوية تحديات تختلف عن تلك التي واجهتها أدوية siRNA السابقة الموجهة إلى الكبد. ويتمثل التحدي المباشر في الوصول إلى الدماغ، الذي يحميه الحاجز الدموي الدماغي، وهو طبقة محكمة تفصل الدماغ عن معظم الجزيئات الموجودة في مجرى الدم وتحميه منها.
وتتمثل الاستراتيجية الحالية لشركة ألنايلم في تجاوز هذا الحاجز من خلال حقن siRNA مباشرة في السائل الشوكي، باستخدام إجراء يُسمى «الحقن داخل القراب». وفي هذا الإجراء، تُدخل إبرة عبر العمود الفقري لإيصال الدواء مباشرة إلى السائل المحيط بالحبل الشوكي والدماغ، بطريقة تشبه الحقن فوق الجافية. كما ربطت الشركة جزيئات siRNA بسلسلة من الأحماض الدهنية، معتقدة أن ذلك سيساعد على إيصالها بنجاح إلى خلايا الدماغ المعنية. لكن على الرغم من احتمال فاعلية هذا النهج، فإنه غير مريح للمرضى، ولا يُعد خيارًا مثاليًا إذا كان العلاج يتطلب جرعات متكررة.
أما شركة أروهيد، فتحاول اتباع نهج أكثر جرأة، يتمثل في توصيل siRNA عن طريق الحقن تحت الجلد، باستخدام جزيء خاص طوّرته الشركة لاستهداف الجينات، ومن المفترض أن يتمكن من عبور الحاجز الدموي الدماغي بنفسه. وهناك سوابق تدعم إمكانية تطبيق هذا النهج، لكن نجاحه ليس مضمونًا.
وحتى لو كانت فرضية الأميلويد صحيحة ونجحت عملية إيصال الدواء إلى الدماغ، فقد تظل البيولوجيا نفسها عاملًا يحد من النتائج التي يستطيع siRNA تحقيقها. فمن المعروف أن الضرر الذي يلحق بالدماغ يكون واسعًا في كثير من الأحيان عند تشخيص مرض ألزهايمر، إلى درجة أن إزالة لويحات الأميلويد لا يكون لها تأثير يُذكر في إبطاء تقدم المرض. ولا تزال الإجابة عن سؤال ما إذا كان استهداف بروتين تاو أكثر فاعلية في المراحل المتأخرة مفتوحة.
ومع ذلك، تظل الفكرة الأوسع قائمة: إن إيصال siRNA إلى الأعضاء الأخرى غير الكبد مسألة وقت، لا مسألة إمكانية. فإذا تمكن علماء الأحياء من تحديد البروتينات الضرورية لتطور مرض ما، فقد يصبح بالإمكان علاج ذلك المرض أو الوقاية منه.
مستقبل الأدوية القابلة للبرمجة
يندرج siRNA ضمن فئة من العلاجات يمكن أن نطلق عليها اسم «الأدوية القابلة للبرمجة». فبعد أن يتوصل الكيميائيون الدوائيون إلى طريقة لإيصال دواء قابل للبرمجة إلى عضو معين، لا يتطلب علاج مرض جديد يصيب العضو نفسه سوى تحديد تسلسل جديد من الحمض النووي الريبي أو الحمض النووي، مع الإبقاء على التركيبة الكيميائية ذاتها. ولذلك، يعمل فوتريسيـران، وهو علاج siRNA للداء النشواني الوراثي الناجم عن الترانسثيريتين، وفق المبادئ نفسها تمامًا التي يعمل بها إنكليسيران (inclisiran)، وهو دواء siRNA يستهدف بروتين PCSK9 لخفض مستويات الكوليسترول.
ولا يُعد siRNA الدواء القابل للبرمجة الوحيد المستخدم حاليًا، فهناك منصات علاجية أخرى تتمتع بقدرات لا يوفرها siRNA. فعلى سبيل المثال، تُعد «قليلات النوكليوتيد المضادة للمعنى» (ASOs) سلاسل قصيرة من مواد وراثية اصطناعية يمكنها تعديل الحمض النووي الريبي، كما يمكن إيصالها بطرق مشابهة لتلك المستخدمة مع siRNA. وقد أظهر أحد هذه المركبات، الذي يستهدف بروتين تاو المرتبط بمرض ألزهايمر، نتائج واعدة في تجربة سريرية من المرحلة الثانية.
أما لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)، فيمكنها تحفيز خلايانا على إنتاج بروتينات معينة، وهي وسيلة فائقة السرعة لتطوير لقاحات فعالة ضد الفيروسات، كما شهدنا خلال جائحة كوفيد. وفي المقابل، يمكن لتحرير الجينات باستخدام تقنية كريسبر (CRISPR) إصلاح الجينات بصورة دائمة، بدلًا من إيقاف نشاطها مؤقتًا، وذلك من خلال تعديل الحمض النووي داخل الخلايا مباشرة.
والقاسم المشترك بين هذه الأساليب جميعًا هو أنها تربط الفهم البيولوجي بالعلاج الطبي بصورة مباشرة. وبمجرد حل مشكلة إيصال العلاج إلى وجهته، يزول الحذاء الذي كان يطأ وجه عالم الأحياء، ويصبح بإمكانه اختبار علاجات جديدة بمجرد تغيير التسلسل الوراثي المستهدف.
وقد أسفر كل نوع من هذه الأدوية القابلة للبرمجة بالفعل عن علاجات حصلت على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية. وحتى الآن، لم تتمكن هذه الأدوية من حل سوى فئة واحدة من المشكلات، وهي إسكات الجينات في الكبد باستخدام siRNA. لكن عاجلًا أم آجلًا، سيصبح الأمر كذلك في أعضاء أخرى أيضًا. ومع نجاح العلماء في حل مشكلات توصيل العلاج إلى كل عضو، سنشهد طفرة هائلة في تطوير علاجات آمنة وسهلة الاستخدام لمجموعة واسعة من الأمراض التي كان يُعتقد سابقًا أنها غير قابلة للعلاج. وقريبًا، لن يكون على هذه الأمراض سوى انتظار دورها.
