القائمة الرئيسية

مسؤولية الشركات عن أخطاء الذكاء الاصطناعي

مسؤولية الشركات عن أخطاء الذكاء الاصطناعي
ملخص المقال

أصبح الذكاء الاصطناعي أداة أساسية ومنتشرة بسرعة في بيئات العمل المهنية، مقدمًا فوائد كبيرة في تسريع البحث وتلخيص المعلومات وصياغة الاتصالات. إلا أن انتشاره السريع يخفي جانبًا سلبيًا خطيرًا: قدرته على إنتاج معلومات تبدو موثوقة لكنها خاطئة تمامًا، وهو ما يُعرف بـ "الهلوسات" أو "الاختلاقات المعرفية". وتكمن الخطورة في أن المسؤولية عن هذه الأخطاء تقع على عاتق المهنيين والمؤسسات المستخدمة، وليس على الشركات المطورة، مما أدى إلى دعاوى قضائية وغرامات وتبعات مالية وإحراج عام، كما حدث في قضايا مثل استخدام محامٍ لاستشهادات وهمية أمام المحكمة، أو تقارير استشارية تتضمن مراجع غير موجودة، أو روبوتات محادثة تقدم معلومات مضللة. نظرًا لصعوبة اكتشاف هذه الأخطاء، التي غالبًا ما تأتي بتفسيرات واستشهادات داعمة تجعلها تبدو صحيحة، بات من الضروري للمؤسسات وضع سياسات واضحة وتوفير تدريب كافٍ يحدد الاستخدام المناسب للذكاء الاصطناعي، ومتطلبات التحقق المستقل، وتحديد الجهة التي تتحمل المسؤولية النهائية. فالذكاء الاصطناعي قد يغير طريقة العمل، لكنه لا يعفي من المسؤولية المهنية النهائية.

انتقل الذكاء الاصطناعي بسرعة من كونه تقنية جديدة تُستخدم في العمل إلى أداة شائعة في بيئات العمل. فقد وجدت مؤسسة غالوب أن 52% من الموظفين في الولايات المتحدة و68% من العاملين في الخدمات المهنية كانوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي بحلول فبراير 2026. وبالمثل، أظهرت دراسة أجرتها مؤسسة تومسون رويترز في ربيع عام 2026 أن 74% من المهنيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي عدة مرات أسبوعيًا لأداء أعمالهم.

ولا ينبغي أن يثير هذا الانتشار الواسع الدهشة. فبالنسبة إلى المحاسبين والمحامين والاستشاريين وغيرهم من المهنيين، يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع عمليات البحث، وتلخيص المعلومات المعقدة، والمساعدة في الكتابة وغيرها من أشكال التواصل.

لكن الانتشار السريع لهذه التقنية ينطوي على جانب سلبي كبير، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاج معلومات تبدو موثوقة من حيث الأسلوب والصياغة، بينما تكون خاطئة تمامًا. وعندما ينتج الذكاء الاصطناعي معلومات غير صحيحة، فإن المسؤولية عن تلك الأخطاء تقع على عاتق المهني أو المؤسسة التي تعتمد على مخرجاته، وليس على الشركات المطورة لأنظمة الذكاء الاصطناعي.

وقد أدت أخطاء الذكاء الاصطناعي إلى دعاوى قضائية وغرامات تفرضها المحاكم وتبعات مالية ومواقف محرجة علنًا، بسبب الاستشهادات المختلقة والمصادر غير الموجودة والمعلومات غير الدقيقة التي يولدها الذكاء الاصطناعي. وتثير هذه الحالات سؤالًا تزداد أهميته باستمرار: كيف يمكن للمهنيين الاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون التخلي عن الحكم المهني الذي يتطلبه عملهم؟

استشهادات وهمية

نحن محاسبان قانونيان معتمدان، ونعمل في مجال البحث في المحاسبة الضريبية. وفي عدد سبتمبر 2026 من مجلة Journal of Accountancy، درسنا ما حدث في قضية «كلينكو ضد مفوض الضرائب» (Clinco v. Commissioner)، وهي قضية عُرضت أمام محكمة الضرائب الأمريكية، قدم فيها أحد المحامين مذكرة إلى المحكمة تضمنت استشهادات يُشتبه في أنها مختلقة.

محكمة الضرائب الأمريكية محكمة اتحادية متخصصة تتولى الفصل في النزاعات بين دافعي الضرائب ومصلحة الإيرادات الداخلية الأمريكية. وتعلقت هذه القضية بمالك مطعم اتُّهم بعدم الإفصاح عن أكثر من مليوني دولار أمريكي من إيرادات نشاطه التجاري، والمطالبة بخصومات استهلاك ضريبي على عقارات مؤجرة دون تقديم ما يدعم استحقاقه لها. وتمحورت المسألة الرئيسية حول السجلات المحاسبية التي استخدمها كلينكو لتحديد مقدار الدخل الخاضع للضريبة.

واستشهد محامي دافعي الضرائب، أبراهام واغنر، بأربع قضايا قضائية لدعم حجته القائلة إن الإشعار الصادر عن مصلحة الإيرادات الداخلية، والذي يطالب بضرائب إضافية، غير صالح.

وخلصت المحكمة إلى أن ثلاثة من الاستشهادات تبدو ناتجة عن هلوسات الذكاء الاصطناعي، إذ أحالت إلى قضايا غير موجودة أمام محكمة الضرائب. ورفضت المحكمة حجة دافع الضرائب، وحذرت واغنر من أن تقديم استشهادات وهمية قد يؤدي إلى فرض جزاءات قضائية عليه، بما في ذلك العقوبات المالية أو اتخاذ إجراءات تأديبية بحقه.

وفي نهاية المطاف، لم تفرض المحكمة جزاءات على واغنر في هذه القضية، لكن القرار يمثل تحذيرًا للمحامين وغيرهم من المهنيين الذين يتعاملون مع محكمة الضرائب، مفاده أن هلوسات الذكاء الاصطناعي لن يُتسامح معها.

عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي

لا تقتصر الأخطاء التي يرتكبها الذكاء الاصطناعي أثناء العمل نيابة عن العملاء على المذكرات القانونية التي يصوغها المحامون، كما أن هذه الإخفاقات لا تقتصر على الولايات المتحدة.

فعندما أعدت شركة ديلويت تقريرًا من 237 صفحة عام 2025 لصالح الحكومة الأسترالية، تناول نظامها الآلي لفرض العقوبات على المستفيدين من الإعانات الاجتماعية الذين لم يستوفوا متطلبات البحث عن عمل، تضمن التقرير استشهادات أكاديمية غير موجودة واقتباسًا مختلقًا نُسب إلى حكم صادر عن محكمة اتحادية.

وأصدرت شركة الاستشارات العالمية لاحقًا نسخة منقحة من التقرير الذي شابته الأخطاء. وعزت ديلويت الأخطاء الواردة في النسخة الأصلية إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي، ووافقت على إعادة جزء من الأتعاب التي تقاضتها.

وكحال معظم شركات الطيران، توفر شركة إير كندا روبوت محادثة على موقعها الإلكتروني للإجابة عن أسئلة العملاء. وفي نوفمبر 2022، أخبر الروبوت أحد العملاء بأنه يستطيع شراء تذكرة طيران بموجب سياسة الشركة المتعلقة بالوفاة في الأسرة، ثم طلب استرداد ثمنها لاحقًا. لكن هذه المعلومة لم تكن متوافقة مع سياسة الشركة، ورفضت إير كندا الالتزام بما أخبره به روبوت المحادثة.

رفع العميل دعوى قضائية ضد شركة الطيران، وحصل على تعويض قدره 812 دولارًا كنديًا. وقضت هيئة تسوية المنازعات المدنية في مقاطعة كولومبيا البريطانية بأن إير كندا لم تتخذ الاحتياطات المعقولة لضمان تقديم روبوت الذكاء الاصطناعي معلومات دقيقة، ووافقت العميل على أن الشركة قدمت وصفًا مضللًا لسياسة التعويض المتعلقة بالوفاة في الأسرة نتيجة الإهمال.

دعاوى قضائية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي

رُفعت دعاوى قضائية أخرى ضد منصات الذكاء الاصطناعي والجهات التي توفرها.

فعلى سبيل المثال، في عام 2025، رفضت محكمة في ولاية جورجيا دعوى تشهير ضد شركة أوبن إيه آي، بعدما اتهمت أداة شات جي بي تي مذيعًا إذاعيًا يُدعى مارك والترز، على نحو زائف، بالاختلاس. وأصدرت المحكمة حكمًا موجزًا لمصلحة أوبن إيه آي، وخلصت إلى أن والترز لم يثبت وجود خطأ قانوني من جانب الشركة أو تحقق أضرار تستوجب المسؤولية.

وهناك أيضًا قضية لا تزال منظورة أمام القضاء، هي «كين ضد شركة غوغل» (Keene v. Google LLC)، وتشبه قضية والترز. فقد رفع كين، وهو منتج تلفزيوني، دعوى بعد أن زُعم أن الملخصات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي من غوغل نشرت معلومات كاذبة بشأن سجله الجنائي. وفي سبتمبر 2026، قضت المحكمة بإمكانية استمرار النظر في بعض مطالبات التشهير التي تقدم بها، دون أن تحسم بعد ما إذا كانت غوغل تتحمل المسؤولية القانونية.

الهلوسات و«الاختلاقات المعرفية»

لسوء الحظ، غالبًا ما يصعب اكتشاف أخطاء الذكاء الاصطناعي، حتى بالنسبة إلى الأشخاص الذين يستخدمونه لتوفير الوقت وتقليل الجهد. فعلى خلاف معظم الأخطاء البشرية الواضحة، قد يتضمن الخطأ الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي تفسيرات داعمة أو استشهادات أو مراجع تجعل النص يبدو مكتملًا وجديرًا بالثقة.

وفي يوليو 2024، أصدر المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا تقريرًا عن إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، استخدم فيه مصطلح «الاختلاقات المعرفية» (Confabulations) لوصف أخطاء الذكاء الاصطناعي وهلوساته، ويقصد بذلك عرض معلومات خاطئة أو زائفة بثقة وكأنها صحيحة.

ويُميز بعض الباحثين بصورة أكثر تحديدًا بين الهلوسات، التي يختلق فيها الذكاء الاصطناعي معلومات من العدم، والاختلاقات المعرفية، التي يسد فيها الثغرات أو يشوه المعلومات الحقيقية بطريقة تبدو معقولة.

وقد يصعب اكتشاف كلا النوعين من الأخطاء دون التحقق المستقل من المعلومات. غير أن الاختلاقات المعرفية تحاكي الأبحاث الفعلية بدرجة كبيرة، مما قد يدفع مستخدمي الذكاء الاصطناعي إلى الاعتقاد بأن مخرجاته صحيحة وموثوقة.

أخطاء الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل

وجدت دراسة أجرتها جامعة ستانفورد عام 2024، تناولت أدوات الذكاء الاصطناعي المتخصصة في البحث القانوني، أن النتائج الخاطئة ظهرت في ما بين 17 و33 في المئة من الإجابات التي خضعت للاختبار. ومع ذلك، لم تمنع هذه النتائج وغيرها من المخاوف المتعلقة بالدقة العديد من مكاتب المحاماة من تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، نظرًا إلى قدرتها المحتملة على توفير الوقت وتحسين الكفاءة.

وتشير استطلاعات حديثة إلى أن مكاتب المحاماة وغيرها من جهات العمل لم تعتمد ما يكفي من الضوابط والإجراءات الوقائية لاكتشاف الأخطاء التي يولدها الذكاء الاصطناعي ومعالجتها. فقد أظهر استطلاع أجرته شركة التأمين «ناشون وايد» عام 2026 أن 36% فقط من الشركات التي شملها الاستطلاع لديها سياسات مكتوبة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، وأن 37% فقط توفر أي نوع من التدريب على الاستخدام المسؤول لهذه التقنية.

ومع تزايد انتشار الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل، نرى أن الاكتفاء بمطالبة الموظفين «بالتحقق من الذكاء الاصطناعي» ليس كافيًا. إذ تحتاج المؤسسات والعاملون فيها إلى توقعات واضحة تحدد الحالات التي يكون فيها استخدام الذكاء الاصطناعي مناسبًا، والمخرجات التي تتطلب تحققًا مستقلًا، والجهة التي تتحمل المسؤولية النهائية عن العمل المنجز.

قد يغير الذكاء الاصطناعي الطريقة التي تُنجز بها الأعمال المهنية، لكنه لا يغير الجهة التي تقع على عاتقها المسؤولية النهائية.

المصدر

مقالات ذات صلة