هل فقدت قرارًا مهمًا داخل محادثة قديمة مع الذكاء الاصطناعي؟ لست وحدك. يشرح الخبراء مشكلة تشتت المعرفة، ويقترحون عادات تساعد على الاحتفاظ بالعمل خارج علامات تبويب المحادثات.
احتوت المحادثة على كل شيء: قرارات المنتج، والأعمال المنجزة، والخطوات التالية المتفق عليها. ثم أصبحت طويلة إلى درجة تعذر معها مواصلة العمل فيها، واضطر مات ماوندر، مؤسس شركة «فالنت أدفايزوري» (Valent Advisory) ومديرها الرئيسي، إلى فتح محادثة جديدة وإعادة بناء ما سبق أن اتفق عليه مع مساعده في ChatGPT.
قال ماوندر: «لم يختفِ أي شيء من الناحية التقنية». فقد ظلت المعلومات موجودة، لكنها أصبحت عالقة في مكان يصعب الوصول إليها.
تُسوَّق المساعدات المدعومة بالذكاء الاصطناعي على أنها الحل لمشكلة تشتت المعرفة أثناء العمل، إذ يُفترض أن تتذكر المعلومات وتجدها وتربط بينها. لكن هذا ليس ما يحدث فعليًا في الاستخدام اليومي.
فالأعمال تظل موزعة بين محادثات قديمة، وتتوزع كذلك بين تطبيقات الويب وأجهزة الحاسوب المكتبية والهواتف المحمولة والمتصفحات ووكلاء الذكاء الاصطناعي، التي لا تستطيع البحث بعضها في بعض. وغالبًا ما يكون المنطق الذي استند إليه اتخاذ القرار أول ما يضيع.
فأين ينبغي حفظ الأعمال المنجزة بمساعدة الذكاء الاصطناعي فعليًا؟
لماذا لا يحافظ سجل محادثات الذكاء الاصطناعي على القرارات؟
نادراً ما تحدث حالات فقدان المعلومات بصورة درامية. فقد تتحول جلسات العصف الذهني التي تُركت جانبًا لبضعة أشهر إلى مواد يصعب العثور عليها مجددًا، وفقًا لكوري كيد، كبير مهندسي الحلول في شركة «أوكسوبيان سوفتوير» (Uxopian Software).
وقال كيد إن الخطر الأكبر في المشروعات طويلة الأمد، وخصوصًا مشروعات البرمجة، يتمثل في فقدان القدرة على تتبع «القرارات التي اتخذناها، والأسباب التي دفعتنا إلى اتخاذها، والنتائج التي ترتبت عليها».
وقد يشوّه المساعد الذكي سجل القرارات أيضًا. يقول كيد: «أحيانًا يضفي الذكاء الاصطناعي معنى من عنده على أحد القرارات، ثم يبدأ بالتعامل معه كما لو كان قاعدة ثابتة لا تقبل النقاش». كما يمكن أن تترسخ في العمل ممارسات تتسم بالتعقيد المفرط أو الحذر الزائد.
من جانبه، قال ماوندر: «ذاكرة المحادثات ليست هي نفسها إدارة المعرفة». فالذاكرة تساعد المساعد على فهم المستخدم، لكنها لا تضمن العثور على عمل محدد، أو تحديد النسخة الأحدث منه، أو إعادة بناء الطريقة التي تطور بها القرار بمرور الوقت. إن تذكّر المستخدم لا يعني بالضرورة الاحتفاظ بأعماله وتنظيمها.
وقد وجد كيد أن الذاكرة المدمجة في المساعدات مفيدة في تذكر التفضيلات، لكنها قد تتعلم درسًا خاطئًا أو تسجل افتراضًا على أنه حقيقة. ويظل الخطأ مؤثرًا في الأعمال اللاحقة إلى أن يلاحظه أحد ويصححه.
ورغم أن الوعد الأساسي للذكاء الاصطناعي هو إعفاء المستخدم من عناء تذكر مكان كل شيء، فإن كيد يقول: «ما زلت، في الواقع العملي، أضطر كثيرًا إلى مساعدته على تحديد المكان الذي ينبغي أن يبحث فيه».
ويربط مساعد البرمجة الذي يستخدمه كيد بين Gmail وGoogle Drive وConfluence وJira وBitbucket والملاحظات المحلية ونظام ذاكرة خاص بوكلاء الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لا تحدد هذه الروابط للمساعد المصدر المناسب أو الأحدث، كما أن البحث في جميع هذه المصادر يستهلك عددًا كبيرًا من الرموز النصية (Tokens).
ربط الذكاء الاصطناعي بـ Gmail وDrive وJira لا يحل مشكلة السياق
قد يتمكن نظام الذكاء الاصطناعي من الوصول إلى كمية كبيرة من المعلومات، ومع ذلك يعجز عن العثور على السياق الذي يحتاج إليه. والسبب أن التحدي الحقيقي يكمن في فهم العلاقة بين المعلومات ومشكلة العمل المطلوب حلها، وفقًا لبراين ريمينغتون، كبير مهندسي البرمجيات في شركة «إم فايلز» (M-Files).
ويقول إن الهدف هو «إيصال المعلومات المناسبة إلى المستخدم أو وكيل الذكاء الاصطناعي، لا منح الذكاء الاصطناعي كمية هائلة من المحتوى ليبحث فيها».
وتُعد طبقات السياق الموحدة، مثل Glean وRovo وSimpplr، من الحلول المؤسسية لمشكلة تشتت المعلومات. ويرى ماوندر أن هذا التوجه يسير في الاتجاه الصحيح.
لكن هذه الحلول لم تتمكن بعد من معالجة مشكلة تشتت سجلات المحادثات بين مساعدات الذكاء الاصطناعي والتطبيقات المختلفة. ويضيف ماوندر أن طبقة السياق تحتاج أيضًا إلى إدارة صلاحيات الوصول، وإمكانية تتبع مصدر المعلومات، وحداثة البيانات، والقدرة على التمييز بين الإصدارات المختلفة.
ويتفق هذا مع وجهة نظر كيد، الذي يرى أن ربط المساعد بمستودع للمستندات لا يضمن بالضرورة توثيق ما جرى خلال جلسة استخدام الذكاء الاصطناعي.
الملاحظات القديمة والتناقضات تقوض إدارة المعرفة بالذكاء الاصطناعي
يُعد إنشاء الروابط بين المصادر الجزء السهل من المهمة. أما الحفاظ على هذه الروابط، وفهرسة المعلومات بكفاءة، وتحديثها باستمرار، واكتشاف التناقضات، وإدارة صلاحيات الوصول، فهي أمور أكثر صعوبة، بحسب كيد.
فعلى سبيل المثال، يحتفظ كيد بملاحظاته في تطبيق «أوبسيديان» (Obsidian)، لكنه إذا أهمل تحديثها، تحولت إلى مستودع للمعلومات القديمة. ويقول: «قد يكون ذلك ضارًا بالقدر نفسه».
ما يريده كيد هو عملية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تفحص المعلومات بحثًا عن التناقضات والحقائق القديمة، وتحدّث المعرفة، وتوضح أسباب التغييرات التي أجرتها، وتتيح للإنسان تصحيحها.
ويرى كيد أن الشركات المطورة لنماذج اللغة الكبيرة لا تجعل الوصول إلى الذاكرة أمرًا صعبًا عن قصد. لكنه يوضح أن الاعتماد على هذه الأنظمة يؤدي إلى ارتباط المستخدم بمزود معين وصعوبة الانتقال إلى غيره، ولذلك تسعى الشركات إلى تشجيع الناس على بناء إجراءات عملهم اليومية حول مساعداتها.
أما الشركات التي تقدم أنظمة إدارة علاقات العملاء والموارد البشرية وموسوعات المعرفة الداخلية، فلديها سبب آخر للاحتفاظ بالبيانات داخل منصاتها. ويوضح ماوندر أن تشتت السياق يزيد تكلفة الانتقال من منصة إلى أخرى، ولذلك تستفيد الشركات عندما يصعب نقل المعرفة بين الأنظمة.
كيف تتعقب سياق العمل مع الذكاء الاصطناعي خارج المحادثات؟
يقول ماوندر: «لا يعود الإخفاق دائمًا إلى نسيان الذكاء الاصطناعي للمعلومات، بل إن المؤسسة غالبًا لم تحدد أصلًا المكان الذي ينبغي أن تُحفظ فيه المخرجات».
ويتطلب تجنب هذه المشكلة قدرًا من الانضباط. فبالنسبة إلى ماوندر، تمثل محادثة الذكاء الاصطناعي بيئة مؤقتة للعمل، وليست مكانًا دائمًا لحفظ المعرفة. وفيما يلي بعض العادات البسيطة التي يمكن اتباعها:
بعد انتهاء جلسة يُحسم فيها قرار مهم، سجّل القرار والأسباب التي استند إليها، مع تحديد التاريخ، في بطاقة المشروع أو موسوعة المعرفة الداخلية أو ملف الملاحظات الخاص به.
ابدأ المحادثة التالية بالرجوع إلى هذا السجل، بدلًا من مطالبة المساعد بإعادة بناء ما حدث سابقًا.
راجع الملاحظات وفق جدول زمني منتظم حتى لا تبقى المعلومات القديمة متداولة بعد أن تصبح غير صحيحة.
إذا فقدت معلومة، فجرّب ما يفعله كيد: صِف للمساعد ما تبحث عنه وصفًا تقريبيًا قبل أن تبدأ في التمرير عبر سجل المحادثات.
هذه الإجراءات حلول مؤقتة للتعامل مع المشكلة، وليست حلولًا جذرية لها.
ما الذي يمكن لمطوري الذكاء الاصطناعي فعله لمعالجة تشتت السياق؟
نصح دان هيرباتشيك، الرئيس التنفيذي ومؤسس مجموعة «رامزي ثيوري» (Ramsey Theory Group)، قائلًا: «إذا كان هناك شيء مهم بالنسبة إليك، فانقله من المحادثة إلى النظام المعتمد لتوثيق أعمال مشروعك».
وأوضح هيرباتشيك أن معظم الناس لا يستطيعون تذكر المحادثة أو المشروع أو الجهاز الذي جرى التفاعل من خلاله. ومن المفترض أن يتذكر الذكاء الاصطناعي كل شيء، لكن «هذا لا يعني أنه سيتذكر بدقة المعلومة المحددة التي تحتاج إليها في الوقت المناسب».
ويرى أن مشكلة التشتت نشأت لأن تطور المنتجات كان أسرع من تطور التكامل بينها.
إن الحاجة إلى مطالبة المستخدمين بحفظ أعمالهم خارج المساعد تشير أيضًا إلى أن الشركات المطورة لهذه الأدوات تستطيع بذل المزيد من الجهد لحل المشكلة.
وبحسب ماوندر، تشمل الحلول المطلوبة توفير سياق مستمر عبر التطبيقات المختلفة، والبحث الموثوق، والوعي بالإصدارات، والإشارة إلى مصادر المعلومات، ووضع حد واضح يفصل بين المحادثة المؤقتة والمعرفة التي ينبغي الاحتفاظ بها على المدى الطويل. أما كيد، فيرى ضرورة إضافة آلية لاكتشاف التناقضات، مع توضيح الأسباب كلما غيّر الذكاء الاصطناعي ما يعرفه.
وإلى أن تتوفر حلول من هذا النوع، فإن عبارة «يتذكر كل شيء» تصف ما يحتفظ به المساعد عنك، لا ما يستطيع العثور عليه من أعمالك.
