يستطيع الذكاء الاصطناعي تلخيص الأبحاث، وتوليد الأفكار، وتحليل كميات هائلة من البيانات في غضون ثوانٍ. إن الإمكانات التي يتيحها مربع الأوامر الصغير الذي يحمل عبارة «اسأل عن أي شيء» هائلة، لكن هل يمكنه مساعدتنا على اتخاذ قرارات أكثر حكمة؟ تجيب شيريل شتراوس أينهورن، مؤلفة كتاب الميزة الإنسانية: قرارات أكثر ذكاءً في عصر الذكاء الاصطناعي (The Human Edge: Smarter Decisions in the Age of AI)، عن هذا السؤال قائلة:
يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على تعزيز عملية اتخاذ القرارات، أو إرباكها وإغراقها بالتفاصيل. فقد يكشف لنا مسارات لم نكن لنلاحظها، أو يضيّق نطاق خياراتنا بطرق لا ندركها تمامًا. ومع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في حياتنا، لم يعد التحدي يقتصر على الاستفادة من إمكاناتها فحسب، بل أصبح يتمثل في توجيهها بوضوح وبصيرة والتزام راسخ بالحفاظ على قدرة الإنسان على الاختيار والتصرف باستقلالية.
وترى أينهورن أن صعود الذكاء الاصطناعي يجعل بعض الصفات الإنسانية، مثل التأمل والتعاطف والتمسك بالقيم وإصدار الأحكام الأخلاقية، أكثر أهمية، لا أقل. وقد أجرينا معها حوارًا حول الأسباب التي تجعل الحكم البشري ميزة تنافسية، وكيف يمكننا الاستعانة بقيمنا عند صياغة الأوامر الموجهة إلى الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن لهذه التقنية مساعدتنا على توضيح أفكارنا.
كيا أفكاري: تجادلين بأن الذكاء الاصطناعي يجعل الحكم البشري أكثر أهمية، لا أقل. كيف يمكننا التأكد من أن قيم اللطف والاهتمام بالآخرين تنعكس في استخدامنا للذكاء الاصطناعي لمساعدتنا على اتخاذ القرارات؟
شيريل شتراوس أينهورن: الذكاء الاصطناعي لا يمتلك قيمًا خاصة به. لكنه يتأثر بالتحيزات وبالأشخاص الذين صمموه، وكذلك بالمعلومات التي أُدخلت إليه. لذلك، إذا أردنا التأكد من أن القيم الداعمة للمجتمع والمنفعة المتبادلة تنعكس في استخدامنا للذكاء الاصطناعي، فعلينا نحن البشر أن نُدخل هذه القيم في العمل الذي ننجزه بالتعاون معه.
عندما نعمل باستخدام إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي، ينبغي أن نطرح على أنفسنا أسئلة مثل: ما المشكلة التي أحاول حلها؟ ولماذا أريد حلها؟ وما السياق المحيط بها؟ ولذلك، علينا أن نستخدم الذكاء الاصطناعي بوعي وقصد، لأننا إذا لم نطرح هذه الأسئلة على أنفسنا أولًا، فلن يعرف الذكاء الاصطناعي سبب لجوئنا إليه.
قبل أن تجلس فعلًا أمام إحدى هذه الأدوات، يمكنك استحضار القيم والعوامل المهمة المرتبطة بالمشكلة التي تسعى إلى حلها، ثم التعبير عنها بوضوح وإيصالها إلى الآلة.
إذا سمحنا للآلة بأن تفكر نيابة عنا، فقد نفقد إحساسنا بالتمييز بين الصواب والخطأ، على سبيل المثال، لأننا نهتم فعلًا بجميع تلك التفاصيل التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي معرفتها بالضرورة، سواء تعلقت بالمشكلات التي نحاول حلها، أو بالأشخاص الذين نعمل معهم لحلها، أو بالأشخاص الذين نسعى إلى حلها من أجلهم.
على سبيل المثال، يمكنك أن تسأل نفسك أو أداة الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها: قبل أن أتخذ أي إجراء، ساعدني على التفكير في الأشخاص والعلاقات والمسؤوليات التي سيتأثر بها هذا القرار، بدلًا من التركيز على النتيجة التي سيحققها فحسب.
وقد ساعد هذا النوع من التفاعل مع الذكاء الاصطناعي الذي يضع الإنسان في صميم الاهتمام، امرأة تُدعى فيليس تعمل عالمة أغذية في شركة متخصصة في أغذية الحيوانات الأليفة. وكانت مسؤولة عن تطوير وصفات جديدة تحقق التوازن بين القيمة الغذائية والمذاق واتجاهات السوق.
كانت فيليس تضطر كثيرًا إلى توزيع المهام على أفراد فريقها البحثي، مع الحرص على سير اختبارات المنتجات وتوفير المكونات والامتثال للمتطلبات التنظيمية بسلاسة. وباستخدام الذكاء الاصطناعي، تمكنت من تحليل أعباء العمل والخبرات المتوافرة لديها، مما ساعدها على تحديد الشخص الأنسب لكل مهمة. لكن فيليس وحدها كانت تفهم الديناميكيات الأعمق داخل الفريق، مثل معرفة الأشخاص الذين يؤدون عملهم على نحو أفضل تحت ضغط المواعيد النهائية الضيقة، والذين لديهم شغف بابتكار تركيبات جديدة، والذين يحتاجون إلى الإرشاد والتوجيه لتطوير مهاراتهم.
وعندما أوصى الذكاء الاصطناعي بإسناد اختبار حاسم لاستقرار المنتج إلى الفني الأكثر خبرة في الفريق، ساعدها هذا التوجيه على التفكير في خيار آخر، وهو إسناد المهمة إلى عالم شاب في بداية مسيرته المهنية، كان متحمسًا لتطوير مهاراته في ضمان الجودة.
كانت الخيارات التي اقترحتها أداة الذكاء الاصطناعي منطقية من منظور الكفاءة، لكن قرار فيليس أتاح لها تحقيق النجاح على المدى القصير، وفي الوقت نفسه دعم تطور أعضاء فريقها على المدى الطويل.
كيا أفكاري: في كتابك، تستخدمين استعارة الفهد للاحتفاء بأهمية التمهل. لماذا تُعد الوقفة الاستراتيجية أمرًا بالغ الأهمية عند العمل باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
شيريل شتراوس أينهورن: ترتبط استعارة الفهد بحقيقة أن هذا الحيوان، رغم قدرته على الانتقال من السكون إلى سرعة تبلغ 60 ميلًا في الساعة خلال نحو ثلاث ثوانٍ، يستمد مهارته في الصيد من قدرته على خفض سرعته بمقدار يصل إلى تسعة أميال في الساعة خلال خطوة واحدة.
والسبب الذي يجعل ذلك مهمًا للغاية في حل المشكلات واتخاذ القرارات هو أن هذه القدرة على التباطؤ هي التي تتيح لك تنمية المرونة والقدرة على التكيف والمناورة. فهي تمنحك الفرصة للتساؤل: هل أريد الاستمرار في المسار الذي أسير فيه، أم أريد تغيير الاتجاه والقيام بشيء آخر؟
تتيح لك هذه الوقفة تقسيم ما تتعلمه إلى أجزاء يمكن استيعابها، وفتح مساحة ذهنية تسمح بدخول معلومات جديدة وظهور رؤى لم تكن واضحة من قبل. ويكتسب ذلك أهمية كبيرة عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، لأن هناك فرقًا بين السرعة والجودة.
عندما يكون الأمر مهمًا لنا حقًا، فإننا نريد التأكد من أننا نعالج المشكلة معالجة شاملة، بطريقة تراعي الأشخاص المشاركين معنا في التعامل معها. لكن عندما نتحرك بسرعة كبيرة، يصعب أحيانًا استحضار هذه العوامل المهمة وإعطاؤها الاهتمام الذي تستحقه. ولهذا يوجد فرق حقيقي بين ما يحقق الكفاءة وما يحقق الفاعلية.
كيا أفكاري: لماذا يمكن أن تجعلنا زيادة المعلومات أكثر صعوبة في اتخاذ قرارات جيدة، بدلًا من أن تجعل ذلك أسهل؟
شيريل شتراوس أينهورن: قال فرانسيس بيكون ذات مرة: «المعرفة قوة»، لكن هذا القول لم يعد صحيحًا تمامًا، أليس كذلك؟ فلدينا اليوم، بفضل الذكاء الاصطناعي، إجابات عن كثير من الأسئلة الشائعة، بل وعن بعض الأسئلة غير المألوفة أيضًا.
علينا أن نتأكد من أننا نحدد المشكلة التي نسعى إلى حلها، ونفهم دوافعنا، ونوضحها، ونقدم السياق اللازم. فنحن لا نريد الحصول على جميع المعلومات المتاحة، لأننا إذا فعلنا ذلك، فقد ينتهي بنا الأمر إلى الشلل التحليلي، أي حالة نعجز فيها عن اتخاذ القرار بسبب الإفراط في التحليل وتراكم المعلومات والخيارات.
ومن الأساليب التي يمكن للناس استخدامها ما أسميه سؤال «تصور النجاح». يطلب منك هذا السؤال أن تنتقل ذهنيًا عبر الزمن، وأن تتجاوز اللحظة التي تتخذ فيها القرار لتتخيل أن القرار قد اتُّخذ بالفعل على نحو جيد. ما الذي يحدث في هذه الحالة؟ وما الأمور القليلة التي إذا لم تنجح، فسيفشل القرار بأكمله؟
هذا السؤال فعال للغاية، لأنه يساعدك على تحديد العوامل التي لا بد من توافرها بوضوح، حتى تتمكن من التعبير عنها وإيصالها إلى الذكاء الاصطناعي. وتصبح هذه العوامل بمثابة القيود والحدود التي ترسم الإطار المحيط بالقرار، مما يتيح للأداة تقديم أبحاث تستهدف هذه الجوانب تحديدًا وتركز عليها.
على سبيل المثال، كان ماكس يفكر في الوجهة التي سيقضي فيها عطلته المقبلة. وعندما طلب المساعدة مباشرة من الذكاء الاصطناعي، من دون أن يتوقف أولًا للتفكير في احتياجاته ورغباته، حصل على قائمة بالوجهات السياحية وخيارات شركات الطيران والمعالم المحلية، مصحوبة بالتقييمات والمراجعات ومقارنات الأسعار.
وبدا ذلك مثاليًا من الناحية النظرية. لكن ماكس وجد نفسه سريعًا عاجزًا عن اتخاذ القرار بسبب الكم الهائل من المعلومات. ماذا لو اختار فندقًا لا يرقى إلى مستوى توقعاته؟ وماذا لو أغفل مكانًا مميزًا لا يعرفه كثير من السياح؟ لقد قدم له الذكاء الاصطناعي جبلًا من البيانات، لكنه لم يجعل عملية اتخاذ القرار أسهل بالضرورة.
لكن عندما استخدم سؤال «تصور النجاح»، تمكن من تحديد ما يريده فعلًا، ثم أوضحه لأداة الذكاء الاصطناعي قائلًا: «أريد أن أعود إلى المنزل وأنا أشعر براحة حقيقية، وقد أمضيت وقتًا ممتعًا مع عائلتي، من دون أن أنفق أكثر مما ينبغي أو أشعر بأنني فوتُّ التجربة التي كنت أتطلع إليها».
عندها فقط أصبح لدى الذكاء الاصطناعي مشكلة ذات معنى يمكنه العمل على حلها. فبدلًا من البحث عن «أفضل» عطلة، وهو سؤال لا توجد له إجابة موضوعية واحدة، أصبح بإمكانه مساعدة ماكس على العثور على الوجهة الأكثر احتمالًا لتحقيق النتيجة التي يريدها فعلًا.
لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تحديد معنى النجاح نيابة عنا، لكنه يستطيع مساعدتنا على تحسين فرص تحقيق النجاح الذي نحدده بأنفسنا.
كيا أفكاري: كيف تساعد طريقة AREA الناس على اتخاذ قرارات أكثر حكمة، ولا سيما عند استخدام الذكاء الاصطناعي؟
شيريل شتراوس أينهورن: إن AREA ليست مجرد اختصار لمجموعة من الكلمات، بل هي إطار عمل يهدف إلى اختبار افتراضاتنا وأخطاء تفكيرنا، مع إشراك وجهات نظر الآخرين بصورة فعالة.
يشير هذا الاختصار إلى أربعة محاور هي: المعلومات المطلقة، والمعلومات النسبية، والاستكشاف والاستغلال، والتحليل.
يركز المحور الأول، وهو المعلومات المطلقة (Absolute)، على الحصول على معلومات أولية غير منقحة مباشرة من المصادر الأصلية.
أما المحور الثاني، وهو المعلومات النسبية (Relative)، فينقل التركيز إلى وجهات النظر الخارجية، أي المصادر الثانوية المرتبطة بالموضوع.
ويأتي المحور الثالث، الاستكشاف والاستغلال (Exploration and Exploitation)، لتعزيز الإبداع. فالاستكشاف يوسّع نطاق البحث من خلال المقابلات والمصادر غير التقليدية، بينما يتجه الاستغلال إلى الداخل، أي إلى فحص تحيزاتنا الشخصية وافتراضاتنا وتحديها.
أما المحور الأخير، التحليل (Analysis)، فيجمع كل ما سبق ويولّف بينه، بهدف إضفاء الوضوح والتنظيم على القرارات المعقدة.
وعند استخدام الذكاء الاصطناعي، تصبح أهمية نظام مثل AREA أكبر، لأن الذكاء الاصطناعي لا يزيل التحيزات، بل قد يعكسها، بل ويضخمها أحيانًا، سواء كانت ناتجة عن بيانات التدريب أو التصميم أو الطريقة التي نستخدم بها الأداة. ويتطلب اتخاذ قرارات جيدة اتباع منهجية تساعدنا على التعرف إلى تحيزات الذكاء الاصطناعي وتحيزاتنا الشخصية معًا، ثم إخضاعها للفحص والتحدي.
فعلى سبيل المثال، يأتي قدر كبير من المعلومات التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي من منصة ريديت. وقد تكون هذه المعلومات غير مكتملة أو قديمة، كما أنك تدرك أنك تتعامل مع مصدر قد يقدم معلومات مضللة. فالآلة قد تمنحك إجابات خاطئة أحيانًا.
لذلك، تحتاج إلى اتباع عملية دقيقة للتحقق من المعلومات، لا تقتصر على تمكينك من استخدام الأداة بفاعلية، بل تساعدك أيضًا على تقييم النتائج التي تقدمها.
كثيرًا ما ينظر الناس إلى الإجابة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي وكأنها معاملة تنتهي بمجرد الحصول على النتيجة، فيقبلونها كما هي. لكن منهجية AREA تساعدك على التأكد من أن استخدامك للذكاء الاصطناعي يتحول إلى حوار متواصل، لا مجرد عملية للحصول على إجابة جاهزة.
وبذلك، تتمكن من بناء رؤية تستند إلى الأدلة، وتأخذ في الحسبان وجهات نظر مجموعة متنوعة من أصحاب المصلحة، وتحرص على فتح مساحة ذهنية تسمح لك بتحدي المسارات الفكرية المألوفة التي اعتدنا الاعتماد عليها يوميًا.
كيا أفكاري: كيف يمكننا استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة تعزز قيمنا وقدرتنا على التصرف باستقلالية، بدلًا من تقويضهما؟
شيريل شتراوس أينهورن: هذا سؤال رائع. أعتقد أن الوعي بالذات سيكون الميزة التنافسية الجديدة.
فهذه هي الأداة الأولى التي تطلب منا بالفعل أن نخفف بعض العبء المعرفي الذي نتحمله، إذ تدعونا إلى تفويض بعض قراراتنا إليها. والذكاء الاصطناعي، في جوهره، آلة تتمحور حول اتخاذ القرارات، لأننا نطلب منه شيئًا فيقدم لنا إجابة. لكن هناك دعوة مثيرة للاهتمام تكمن في هذه العملية، وهي أن نتعرف إلى أنفسنا بصورة أفضل.
لكل واحد منا بصمته الخاصة، وهي الطريقة التي يتخذ بها قراراته، فنحن نتخذ آلاف القرارات كل يوم. ومع ذلك، فإن معظمنا لم يجلس يومًا ليتساءل: كيف تبدو هذه العملية فعلًا؟ وهل أستطيع تحديد مكوناتها وتسميتها والتعبير عنها بالكلمات؟
تمنحنا هذه التقنية فرصة للتعرف إلى طريقة تفكيرنا حتى نتمكن من التعبير عنها بصورة أفضل، وليس أمام الأداة وحدها. فكم سيكون مفيدًا في حواراتنا مع زملائنا أن نتمكن من القول بوضوح: هذه هي الخطوات التي أتبعها فعلًا في التفكير، وهذه هي الطريقة التي أنظر بها إلى المسألة، وهذه هي المتغيرات التي أعطيها الأولوية، وهذا هو العامل الذي أعتقد أنه الأكثر دلالة وأهمية في فهم المشكلة.
يمكنك التفكير في مهاراتك الذهنية باعتبارها عضلات. فإذا تخلينا عن تحمل العبء المعرفي وأوكلناه إلى الآلة، فسوف نضعف هذه المهارات أيضًا. لكن إذا استثمرنا هذه الفرصة لفهم وعينا بذواتنا وقدرتنا على التفكير في طريقة تفكيرنا، فسنتمكن من تقوية هذه القدرات وتطويرها.
إن الذكاء الاصطناعي أداة لها تداعيات واسعة على بيئتنا وعالمنا، فضلًا عن تأثيرها في مهاراتنا الفكرية نفسها.
لذلك، أرى أن الدعوة هنا هي أن تبدأ بالرجوع إلى نفسك أولًا. اسأل نفسك لماذا تستخدم هذه الأداة، وما إذا كان من الأفضل أن تعتمد على تفكيرك الشخصي بدلًا من اللجوء إليها. وفي كلتا الحالتين، استحضر أفكارك وتحليلك الخاص قبل أن تجلس لاستخدامها، حتى تشعر بقدر أكبر من الثقة في قدرتك على حل المشكلات بالاستعانة بها، وكذلك على حلها من دون الاعتماد عليها.
