قبل نحو ألفي عام، كتب المؤرخ اليوناني بلوتارخ عن سفينة مزودة بثلاثين مجدافًا، قيل إنها نقلت البطل ثيسيوس ومجموعة من الشباب الأثينيين من جزيرة كريت إلى ديارهم. وللحفاظ على السفينة، اعتاد القائمون على رعايتها في أثينا إزالة الألواح الخشبية القديمة كلما تآكلت واستبدال أخشاب أقوى بها. واستمروا في ذلك لوحًا بعد لوح، إلى أن أفضت أعمال الإصلاح إلى معضلة فلسفية: إذا لم يتبقَّ أي جزء من المواد الأصلية، فهل تظل هذه السفينة هي سفينة ثيسيوس؟
أصبحت السفينة مصدر التسمية لتجربة فكرية تُطبَّق على أمثلة متعددة، بدءًا من الفرق الموسيقية التي تستبدل أعضاءها، وصولًا إلى السيارات الكلاسيكية التي يُعاد بناؤها باستخدام مكونات جديدة. وقد وجدتُ تطبيقًا جديدًا لهذه التجربة في الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في إنتاج المعرفة. ففي هذه النسخة، يمثّل العلم السفينة، وتمثّل ممارساته التي يقودها البشر ألواحها الخشبية، بينما يوفر الذكاء الاصطناعي المواد البديلة. وهكذا يظل الشكل الخارجي للعلم مألوفًا، حتى مع تزايد أتمتة الأنشطة التي تجري داخله.
يفترض جانب كبير من القلق المحيط باحتمال استيلاء الذكاء الاصطناعي على العلم وقوع حدث أشبه بمشاهد السينما، تظهر فيه آلة مستقلة فجأة بين ليلة وضحاها، لتتفوق على جميع العلماء الأحياء، وربما تحقق اكتشافًا يستحق جائزة نوبل. تتوافق هذه الصورة مع خيالنا المستمد من أدب الخيال العلمي، لكنها تصرف انتباهنا عن السيناريو الأكثر احتمالًا، وهو أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل أجزاء من العملية العلمية تدريجيًا. فكل خطوة تُنقل إليه تبدو وكأنها تحقق مكسبًا ملموسًا في الكفاءة. ولا يحتاج الأمر إلى تصويت لجنة ما على تسليم العلم إلى الروبوتات، إذ يمكن لسلسلة من تحديثات البرمجيات الهادئة أن تقودنا إلى النتيجة نفسها بالسرعة ذاتها.
تبدأ أولى هذه الألواح في التعليم، حيث يُعِدّ العلماء المستقبليون أنفسهم. ففي تجربة ميدانية واسعة النطاق، حقق طلاب المرحلة الثانوية الذين يدرسون الرياضيات، وأُتيح لهم استخدام واجهة قياسية للذكاء الاصطناعي التوليدي قائمة على نموذج GPT 4، أداءً أفضل في المسائل التدريبية مقارنة بالطلاب الذين لم يستخدموا الأداة. غير أنهم سجلوا درجات أقل بنسبة 17 في المئة في الاختبار اللاحق. أما الطلاب الذين استخدموا أداة أكثر تخصصًا، وهي معلم رياضيات يعمل بالذكاء الاصطناعي، لحل المسائل التدريبية، فقد تمكنوا إلى حد كبير من تجنب هذا التراجع.
تكشف هذه النتيجة عن فرق أساسي بين إنجاز واجب دراسي وتعلّم كيفية إنجازه على نحو جيد. فالتدريب يعتمد على مواجهة الصعوبات والتعامل معها؛ إذ يقرأ الطلاب نصوصًا صعبة، ويرتكبون الأخطاء، ثم يراجعون استدلالاتهم ويصححونها. ومن خلال هذه العملية نتعلم كيف نُحسن التمييز بين المعلومات، وكيف نستدل ونصل إلى استنتاجات سليمة. وعندما يزيل الذكاء الاصطناعي هذه التحديات، يفقد الطلاب إحدى أهم المراحل في عملية التعلم.
وتقدم مراجعة الأقران مثالًا ثانيًا. فهي من أهم الأنشطة في العلم، ومع ذلك تعتمد على عمل غير مدفوع الأجر ودوافع مشكوك فيها، مثل الشعور غير الرسمي بالالتزام المهني، والخجل من التقصير، والذعر الناجم عن اقتراب المواعيد النهائية. وتجعل هذه الظروف استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي خيارًا مغريًا. فقد وجد باحثون درسوا نصوص مراجعات الأقران المقدمة إلى عدد من المؤتمرات الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي أن نسبة تتراوح بين 6.5 و16.9 في المئة من هذه المراجعات يُحتمل أنها خضعت لتعديلات جوهرية باستخدام نماذج اللغة الكبيرة. وكانت النسب أعلى بين المراجعات التي أُنجزت بالقرب من الموعد النهائي. وتجدر الإشارة إلى أن هذا البحث نُشر على خادم للمسودات البحثية الأولية، ولم يخضع بعد لمراجعة الأقران.
تبدو كل خطوة تُنقل إلى الذكاء الاصطناعي وكأنها تحقق مكسبًا ملموسًا في الكفاءة. ولا يحتاج الأمر إلى تصويت لجنة ما على تسليم العلم إلى الروبوتات.
بدأ دور الذكاء الاصطناعي يمتد أيضًا إلى إعداد المخطوطات البحثية. فمن خلال تتبع الارتفاعات المفاجئة في استخدام الكلمات التي تفضّلها نماذج اللغة الكبيرة، أظهر تدقيق بحثي أن ما لا يقل عن 13.5 في المئة من الملخصات المنشورة في قاعدة بيانات «باب ميد» (PubMed) خلال عام 2024 قد عولجت باستخدام أحد نماذج اللغة الكبيرة.
لا تستطيع أي من هاتين النتيجتين أن تحدد الدور الذي أداه الذكاء الاصطناعي في القرارات الإجمالية المتعلقة بالأبحاث، لكنهما تكشفان عن انتشار استخدام نماذج اللغة الكبيرة عبر مختلف أطراف عملية النشر الأكاديمي. ومع ذلك، تظل آلية العمل في المجلات العلمية، من الإعداد إلى التقديم ثم المراجعة، كما هي من الناحية الهيكلية، حتى مع تولي الآلات تنفيذ أجزاء متزايدة منها.
في كثير من مجالات البحث، يجعل استبدال الممارسات التي يقودها البشر بشيفرات حاسوبية اكتشاف التغييرات أكثر صعوبة. لكن حتى عندما لا تكون المساهمات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي خاطئة من الناحية التقنية، فقد يشكل استخدامها مشكلة في حد ذاته.
ففي عام 2025، حذّر تحقيق استند إلى مقابلات مع علماء ممارسين من أن الشيفرات البرمجية التي تولدها نماذج الذكاء الاصطناعي قد تؤثر، بصورة غير ملحوظة، في المعلمات الإحصائية بطرق قد لا ينتبه إليها المستخدم. ونتيجة لذلك، قد ينتج الذكاء الاصطناعي نتيجة تبدو موثوقة وذات سلطة علمية، رغم أنها تجيب عن السؤال الخطأ. واللافت أن مثل هذه النتيجة قد تكون قابلة لإعادة الإنتاج بالمعنى العلمي المعتاد، ومن ثم تجتاز كثيرًا من الاختبارات الرسمية التي تُستخدم للحكم على مدى ملاءمتها.
قد يعترض أحدهم على توقعي بالقول إن العقول البشرية ستظل مسؤولة عن الإشراف على تكامل مراحل العملية العلمية وربط بعضها ببعض. لكن الخوارزميات بدأت تتولى مهمة الربط والتكامل هذه أيضًا.
ففي مارس، وصف تقرير نظامًا أُطلق عليه اسم «العالِم الاصطناعي» (AI Scientist)، يستطيع توليد الأفكار، والبحث في الأدبيات العلمية، وكتابة الشيفرات البرمجية، وإجراء التجارب الحاسوبية، وتفسير النتائج، وإنشاء العناصر البصرية، وإعداد مخطوطة بحثية، ثم مراجعة مخرجاته بنفسه. وقد اجتازت مخطوطة كتبها هذا النظام الجولة الأولى من مراجعة الأقران في ورشة عمل متخصصة في تعلّم الآلة.
وهناك مشروع آخر يُدعى روبن (Robin)، يطبق نهجًا مشابهًا في مجال علم الأحياء التجريبي. ففي هذا المشروع، ينفذ الباحثون البشر التجارب الفعلية، لكن روبن يتولى اقتراح الفرضيات وتحليل النتائج وإنتاج الأشكال التوضيحية. ويمثل كل من «العالِم الاصطناعي» وروبن محطتين بارزتين في تطور بنية البحث العلمي، إذ يجمعان الأجزاء المنفصلة للعملية البحثية وينظمانها ضمن مسار بحثي متكامل وبديل تقوده أنظمة الذكاء الاصطناعي.
لماذا أعتبر هذه التطورات تهديدات حقيقية للنظام العلمي، بدلًا من النظر إليها باعتبارها مجرد استعراضات تقنية؟ كما هي الحال مع معظم التحديات التي تواجه المهن التي تضم أطرافًا متعددة ومصالح متباينة، يمكننا الإشارة إلى الحوافز التي تدفع هذا التحول.
يتبنى العلماء الذكاء الاصطناعي لأن هذه الأدوات قد تكون مفيدة في إنتاج المخرجات التي يُقيَّمون على أساسها ويحصلون على المكافآت مقابل تحقيقها. وقد وجدت دراسة حديثة، شملت 41.3 مليون ورقة بحثية، أن المؤلفين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي حققوا معدلات أعلى في النشر والاستشهاد بأبحاثهم. كما أصبح المستخدمون لهذه الأدوات قادة للمشروعات في مراحل أبكر من مسيراتهم المهنية.
لكن على المستوى الجماعي، ارتبط تبني الذكاء الاصطناعي بانكماش نطاق الموضوعات التي تُدرس بنسبة 4.63 في المئة، وبانخفاض التفاعل مع الآخرين داخل المجتمع العلمي بنسبة 22 في المئة. ولا تثبت هذه النتائج أن الذكاء الاصطناعي هو الذي تسبب في هذه التغييرات. غير أن هذا النمط يجسد مشكلة في العمل الجماعي: فقد تحقق استراتيجية معينة مكافآت للباحث الفرد، لكنها قد تؤدي، عند تكرارها عبر ملايين المسيرات المهنية، إلى نشاط علمي أضيق نطاقًا وأقل تفاعلًا اجتماعيًا.
ربما حان الوقت لرسم خط فاصل واضح وتنظيم جهودنا من أجل وقف تغلغل هذه الأنظمة الاصطناعية في العلم. لكن الرفض الشامل للذكاء الاصطناعي سيكون تصرفًا غير مسؤول، لأنه يستند إلى تصور غير واقعي. فقد أصبح واضحًا الآن أن الذكاء الاصطناعي قادر، وسيكون قادرًا، على إنجاز مهام، بما فيها تحقيق الاكتشافات، نعجز نحن عن إنجازها، ولو لسبب بسيط هو أننا لا نستطيع العمل بالسرعة نفسها أو بالمثابرة التي تعمل بها الآلة.
إضافة إلى ذلك، أصبح الذكاء الاصطناعي واسع الانتشار إلى درجة تجعل التراجع الكامل عن استخدامه أمرًا بالغ الصعوبة. ولذلك، فإن النهج الأنسب يتمثل في تقييم الوضع بواقعية، كما حدث في إعلان ليدن، الذي وضع فيه مجتمع علماء الرياضيات مجموعة من التحديات المتعلقة بالتعامل مع تخصصهم في عصر الذكاء الاصطناعي. وينبغي لمجالات علمية أخرى أن تحذو حذوهم.
أعتقد أن العلم يستمد سلطته ومصداقيته من أمور تتجاوز مجرد إتقان المسار الذي يبدأ بتوليد البيانات وينتهي بنشر الأبحاث.
لقد وصلنا إلى مرحلة متقدمة من هذا التحول، حتى إنه قد يصبح من الصعب قريبًا تقديم حجة مقنعة تفسر ضرورة وجود البشر في أي مرحلة من مراحل العملية العلمية. ويمكن الرد على ذلك بالفكرة المطمئنة التي تقول إننا نحتاج إلى البشر للاحتفاظ بقدر كافٍ من الخبرة يتيح لهم فحص العمل وتحدي المخرجات. لكن هذا الطرح لا يقدم إرشادات عملية واضحة تحدد لماذا نحتاج إلى البشر، وأين نحتاج إليهم، وكيف ينبغي أن تكون مشاركتهم، في وقت تستطيع فيه الآلات تنفيذ الأنشطة العلمية المألوفة بسرعة أكبر، وبمستوى يكاد يضاهي أداء البشر، بل يتفوق عليه في بعض الحالات.
أعتقد أن العلم يستمد سلطته ومصداقيته من أمور تتجاوز مجرد إتقان المسار الذي يبدأ بتوليد البيانات وينتهي بنشر الأبحاث. بل إن مصدر هذه المصداقية يكمن في التفاعلات التي تجري داخل مجتمع من الأشخاص المدربين على مساءلة الأدلة والتدقيق فيها، وعلى تحمل مسؤولية الاستنتاجات التي يتوصلون إليها استنادًا إلى تلك الأدلة.
وقد حان الوقت لوضع تصور واضح ورسمي لما يعنيه ذلك، وتحديد أنواع الأحكام والتقديرات البشرية التي لا يمكن، أو لا ينبغي، تفويضها إلى الذكاء الاصطناعي.
إذا لم نتحرك الآن، فقد يحدث الاستبدال الكامل، لوحًا بعد لوح، قبل أن ندرك ما يجري. وعندئذ، ستتحول أعظم أداة لإنتاج المعرفة في تاريخ البشرية إلى مهمة أخرى تؤتمتها الآلات، بينما يُدفع النشاط البشري الذي جعل ظهور الذكاء الاصطناعي ممكنًا إلى هامش الذاكرة والتاريخ.
