القائمة الرئيسية

كيف يمكن لدراسة الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والملوثات الدقيقة أن تحمي صحة الإنسان؟

كيف يمكن لدراسة الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والملوثات الدقيقة أن تحمي صحة الإنسان؟
ملخص المقال

يتناول المقال ظاهرة مقلقة حيث تعمل الجزيئات البلاستيكية الدقيقة (Microplastics) كناقل للملوثات الدقيقة (Micropollutants) مثل المبيدات والأصباغ والمستحضرات الصيدلانية، مما يؤدي إلى تراكمها بمستويات ضارة بالإنسان والحيوان والبيئة. يركز البروفيسور دانيال هيغينز من جامعة ولاية كانساس على دراسة آليات التصاق هذه الملوثات وانتقالها وانطلاقها، مستخدمًا تقنيات متقدمة في الفحص المجهري كـ "مطيافية ارتباط الفلورة بالترابط المتبادل باستخدام المجهر متحد البؤر" (FCS) و "تتبع الجزيئات المفردة فائق الدقة" (SMT). كشفت أبحاثه أن أسطح الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، التي تتغير خصائصها من كارهة للماء (Hydrophobic) إلى محبة للماء (Hydrophilic) بفعل التجوية، تظهر تباينًا في تفاعلاتها. ففي حين تتراكم الملوثات المحبة للدهون (Lipophilic) على المناطق البلاستيكية غير المتجوية (الكارهة للماء) وقد تتحرر عند الابتلاع، توفر المناطق المتجوية (المحبة للماء) مواقع تلتصق بها بعض الملوثات بقوة، كما تسهل انتشار الجزيئات البلاستيكية نفسها. يهدف هذا البحث إلى تعميق فهم المخاطر الحقيقية لهذه الجزيئات المعدلة كيميائيًا، وتقديم حلول محتملة لتعديل البلاستيك للتحكم في قدرته على نقل المواد الخطرة.

تمتلك الجزيئات البلاستيكية الدقيقة خاصية غير مرغوبة تتمثل في جذب الملوثات الدقيقة الأخرى ونقلها، مثل المبيدات الحشرية والأصباغ والمستحضرات الصيدلانية، وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى تراكم هذه الملوثات بمستويات قد تضر بالإنسان والحيوان والبيئة. وفي جامعة ولاية كانساس بالولايات المتحدة الأمريكية، يستخدم البروفيسور دانيال هيغينز تقنيات متقدمة في الفحص المجهري لدراسة كيفية التصاق الملوثات الدقيقة بالجزيئات البلاستيكية الدقيقة، وانتقالها بواسطتها، وانطلاقها منها، مما يسهم في تعميق فهمنا للمخاطر التي تشكلها.

تحدث بلغة الكيميائيين

مطيافية ارتباط الفلورة بالترابط المتبادل باستخدام المجهر متحد البؤر (Confocal Fluorescence Correlation Spectroscopy أو FCS): تقنية تقيس عدد الجزيئات الفلورية الموجودة ومدى سرعة حركتها، من خلال تحليل التغيرات في الضوء الذي تصدره.

محب للماء (Hydrophilic): مادة تميل إلى التفاعل مع الماء أو الانجذاب إليه.

كاره للماء (Hydrophobic): مادة تميل إلى تجنب الماء أو لا تمتزج به بسهولة.

محب للدهون (Lipophilic): مادة تميل إلى الذوبان في الدهون أو الانجذاب إليها.

الجزيئات البلاستيكية الدقيقة (Microplastics): قطع بلاستيكية صغيرة يقل حجمها عن خمسة مليمترات، وتنشأ غالبًا من تحلل النفايات البلاستيكية أو الأقمشة أو الحبيبات الصغيرة الموجودة في مستحضرات العناية الشخصية.

الملوثات الدقيقة (Micropollutants): مواد أو مركبات كيميائية ضارة توجد في البيئة بتراكيز منخفضة للغاية، تُقاس عادةً بالميكروغرام أو النانوغرام لكل لتر.

الملوثات العضوية الدقيقة (Organic Micropollutants): ملوثات دقيقة تتكون من مركبات قائمة على الكربون، وينتج كثير منها صناعيًا بفعل الأنشطة البشرية، مثل المستحضرات الصيدلانية والمبيدات الحشرية ومستحضرات العناية الشخصية.

تتبع الجزيئات المفردة فائق الدقة (Super Resolved Single Molecule Tracking أو SMT): تقنية تتيح تتبع حركة الجزيئات الفلورية المفردة وتفاعلاتها على نطاقات متناهية الصغر.

توجد الملوثات الدقيقة في كل مكان، في المحيطات والتربة والهواء، بل وحتى في مياه الشرب وأجسامنا. وعادةً ما توجد بتراكيز منخفضة للغاية، لكنها قد تتراكم وتسبب أضرارًا للإنسان والحيوان، بما في ذلك الإصابة بالسرطان وأمراض أخرى.

يقول البروفيسور دانيال هيغينز، الكيميائي في جامعة ولاية كانساس: «تكون الملوثات العضوية الدقيقة في العادة جزيئات اصطناعية قائمة على الكربون، ينتجها الإنسان، وتشمل المستحضرات الصيدلانية والمبيدات الحشرية والأصباغ والمواد اللاصقة وغيرها من المواد الكيميائية التي تُطلَق في البيئة. وتوجد هذه الملوثات بتراكيز منخفضة للغاية، غالبًا ما تبلغ نحو نانوغرام واحد لكل لتر من الماء».

ويعادل هذا التركيز تقريبًا قطرة ماء واحدة موزعة على عشرين حوضًا كبيرًا للسباحة. ومع ذلك، يمكن لهذه الملوثات أن تظل خطرة، لأن كثيرًا من جزيئاتها محب للدهون، مما يؤدي إلى تراكمها وازدياد تركيزها في الأنسجة الدهنية لدى الإنسان والحيوان.

الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والملوثات الدقيقة

الجزيئات البلاستيكية الدقيقة هي قطع بلاستيكية يتراوح حجمها بين ميكرومتر واحد وخمسة مليمترات. وتنقسم إلى نوعين رئيسيين.

النوع الأول هو الجزيئات البلاستيكية الدقيقة الأولية، التي تُصنَّع أو تُنتَج بأحجام دقيقة منذ البداية، مثل اللمعان البلاستيكي المستخدم في الأعمال اليدوية، والمساحيق الصناعية، والحبيبات الموجودة في مقشرات الجسم.

أما النوع الثاني فهو الجزيئات البلاستيكية الدقيقة الثانوية، التي تنفصل عن المنتجات البلاستيكية الأكبر حجمًا عندما تبدأ بالتفتت والتحلل في البيئة، مثل عبوات الأطعمة والمشروبات.

يقول دانيال: «عندما تتعرض الجزيئات البلاستيكية الدقيقة لأشعة الشمس والحرارة والغلاف الجوي المؤكسد للأرض، إلى جانب القوى الميكانيكية التي تسببها الرياح والأمواج، تتعرض جزيئاتها للتجوية. ويتغير حجمها وشكلها، وتتحول خصائص أسطحها من كارهة للماء إلى محبة له».

ويضيف: «يؤدي ذلك إلى تغيير كبير في طريقة تفاعل هذه الجزيئات مع الجزيئات الأخرى، مثل الملوثات العضوية الدقيقة».

والجزيئات البلاستيكية الدقيقة ملوثات دقيقة بحد ذاتها، لكن تفاعلها مع الملوثات الدقيقة الأخرى يجعل المشكلة أكثر تعقيدًا.

أولًا، يأتي كثير من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة من المنسوجات الملونة أو مواد التعبئة والتغليف التي أُضيفت إليها أصباغ أثناء التصنيع. ويوضح دانيال: «عندما تتعرض هذه المواد البلاستيكية للتجوية وتتحول إلى جزيئات بلاستيكية دقيقة، قد تنطلق الأصباغ المدمجة فيها إلى البيئة، نتيجة تشكل أسطح جديدة على الجزيئات البلاستيكية».

ثانيًا، تستطيع الجزيئات البلاستيكية الدقيقة نقل ملوثات دقيقة أخرى. ويشرح دانيال: «تتراكم الملوثات الدقيقة الكارهة للماء بسهولة على الأسطح الكارهة للماء في الجزيئات البلاستيكية الدقيقة الحديثة نسبيًا، التي لم تتعرض بعد لأكسدة كبيرة. وفي المقابل، تتراكم الملوثات الدقيقة المحبة للماء على الأسطح المحبة للماء في الجزيئات البلاستيكية الدقيقة التي تعرضت للتجوية والأكسدة بدرجة كبيرة».

ويضيف: «في كلتا الحالتين، يمكن أن يرتفع تركيز الملوثات الدقيقة إلى مستويات تتجاوز بكثير تراكيزها الموجودة في البيئة المحيطة، مما قد يؤدي إلى استجابات سامة إذا ابتلعت الكائنات الحية هذه الجزيئات وانطلقت الملوثات منها».

محاكاة الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والملوثات الدقيقة

لدراسة هذه العمليات، اختار دانيال وطلابه عينات تمثيلية من الملوثات العضوية الدقيقة والجزيئات البلاستيكية الدقيقة الثانوية، بحيث يسهل تحليلها ودراسة خصائصها.

ويوضح دانيال: «كنا بحاجة إلى جزيئات فلورية يمكن اكتشافها وتتبعها على مستوى الجزيء المفرد، حتى نستخدمها نموذجًا للملوثات الدقيقة».

واختار الفريق صبغة رودامين بي (Rhodamine B)، وهي صبغة شائعة يمكن العثور عليها في البيئة.

أما المادة البلاستيكية التي اختاروها نموذجًا للدراسة فهي بولي إيثيلين تيرفثالات (PET).

ويقول دانيال: «يُستخدم هذا النوع من البلاستيك على نطاق واسع في عبوات الأطعمة والمشروبات المخصصة للاستخدام مرة واحدة، والتي قد يتخلص منها الناس بإهمال، أو قد تتسرب إلى البيئة أثناء نقلها إلى مرافق إدارة النفايات».

ويضيف: «كما يُستخدم بولي إيثيلين تيرفثالات على نطاق واسع في المنسوجات، مثل الملابس المصنوعة من البوليستر. ومع تقادم الملابس وتعرضها للاهتراء، تنطلق ألياف هذه المادة مباشرةً إلى البيئة».

واستخدم طلاب دانيال الأشعة فوق البنفسجية لتعريض عينات الجزيئات البلاستيكية الدقيقة المصنوعة من بولي إيثيلين تيرفثالات لعملية تقادم اصطناعي.

ويوضح قائلًا: «يتيح استخدام الأشعة فوق البنفسجية إحداث تغيرات بسرعة، تشبه التغيرات التي تنتج عن التعرض طويل الأمد لأشعة الشمس والهواء في الظروف البيئية الطبيعية».

رصد حركة الجزيئات تحت المجهر

تتيح المجاهر الضوئية للعلماء رؤية الأجسام الصغيرة، مثل الجزيئات المفردة، باستخدام الضوء. ويحتاج الفحص المجهري الضوئي التقليدي، الذي يعتمد على الضوء المرئي، إلى وجود مسافة فاصلة تبلغ نحو 300 نانومتر بين الأجسام حتى يتمكن من تمييزها بعضها عن بعض.

لكن تقنية تتبع الجزيئات المفردة فائقة الدقة تستخدم جزيئات صبغية فلورية، مثل رودامين بي، التي تصدر ضوءًا أصفر ساطعًا عند إضاءتها بالليزر. ويسمح ذلك بتحديد مواقع الجزيئات المفردة بدقة قد تصل إلى 20 نانومترًا.

وباستخدام هذه التقنية، يسجل طلاب دانيال مقاطع فيديو لحركة الجزيئات.

ويقول دانيال: «تُظهر هذه المقاطع نقاطًا ضوئية صغيرة وساطعة على خلفية داكنة، تشبه النجوم في سماء الليل، لكنها تتحرك».

ويضيف: «من خلال تسجيل هذه النقاط الضوئية، نستطيع تتبع الجزيئات المفردة، ومعرفة ما إذا كانت تتحرك، وأين ومتى تتحرك، ومدى قوة التصاقها بالسطح البلاستيكي».

في حين توضح تقنية تتبع الجزيئات المفردة كيفية تصرف الجزيئات كل على حدة، تتيح تقنية مطيافية ارتباط الفلورة بالترابط المتبادل باستخدام المجهر متحد البؤر رصد عدد كبير من الجزيئات في الوقت نفسه، مما يساعد على فهم سرعة حركتها وعدد الجزيئات الموجودة بصورة أفضل.

فعندما تتحرك جزيئات الصبغة الفلورية عبر منطقة الكشف في المجهر، تنتج ومضات ضوئية قصيرة. ويُستخدم إجراء رياضي يُسمى الارتباط الذاتي لتحليل هذه الومضات واستخلاص معلومات عن حركة الجزيئات.

ويقول دانيال: «تتيح لنا تقنية ارتباط الفلورة تحديد سرعة حركة الجزيئات بدقة، حتى عندما تتحرك بسرعة كبيرة جدًا، أو عندما تتفاعل مع السطح البلاستيكي لفترات زمنية قصيرة للغاية».

النتائج والخطوات المستقبلية

اكتشف دانيال وطلابه أن خصائص الجزيئات البلاستيكية الدقيقة تختلف من موضع إلى آخر على أسطحها، وأن هناك آليتين على الأقل تفسران تفاعلها مع الملوثات الدقيقة.

ويقول دانيال: «تتراكم الجزيئات المحبة للدهون بسهولة على المناطق البلاستيكية التي لم تتعرض للتجوية، والتي تتميز بخصائص كارهة للماء. ويمكن أن تتحرر هذه الجزيئات بسهولة عندما تنتقل المادة البلاستيكية إلى بيئة مختلفة، مثلما يحدث عند ابتلاع الكائنات الحية لها».

ويضيف: «أما المناطق التي تعرضت للتجوية وأصبحت محبة للماء، فتساعد على انتشار الجزيئات البلاستيكية الدقيقة في الماء بسهولة أكبر، كما توفر مواقع يمكن لبعض الملوثات العضوية الدقيقة أن تلتصق بها بقوة».

وعلى الرغم من أن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث، فإن النتائج التي توصل إليها الفريق تحمل قيمة علمية كبيرة.

ويقول دانيال: «تقدم نتائجنا مؤشرات جديدة تساعد على فهم سلوك الملوثات الدقيقة عند تفاعلها مع الجزيئات البلاستيكية الدقيقة. وهذا يساعدنا على فهم مستوى الخطر الحقيقي الذي تشكله الجزيئات البلاستيكية الدقيقة المحملة بالملوثات، كما يقدم أفكارًا حول كيفية تعديل المواد البلاستيكية للتخلص من مشكلة الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، أو التحكم بصورة أفضل في قدرتها على نقل المواد الكيميائية الخطرة الأخرى».

نبذة عن الكيمياء

يعني العمل في مجال الكيمياء دراسة المكونات الأساسية للمادة والتعامل معها. ويبحث الكيميائيون في خصائص المواد، وكيفية تفاعل المواد المختلفة بعضها مع بعض، وما يحدث عندما تطرأ عليها تغيرات.

ويقول دانيال: «إن أفضل ما في العمل كيميائيًا، أو في مجال العلوم عمومًا، هو متعة اكتشاف معارف جديدة. ففي كل مرة نجري فيها تجارب داخل المختبر، نلاحظ ظواهر كيميائية لم يسبق رصدها، أو لم تُفهم جيدًا، أو لم تُستكشف من قبل باستخدام الأساليب التي نعتمد عليها».

وقد يشارك الكيميائيون في أنشطة متنوعة للغاية.

ويوضح دانيال: «يعمل معظم الكيميائيين المحترفين في القطاع الصناعي، وقد يقضون جزءًا كبيرًا من يومهم في المختبر أو المصنع، حيث يجرون عمليات التخليق الكيميائي، ويراقبون العمليات الكيميائية، وينفذون القياسات الكيميائية، أو ينشئون نماذج حاسوبية للمواد الكيميائية وتفاعلاتها وخصائصها».

ويضيف: «أما العاملون في المختبرات الوطنية حول العالم، فيجرون التجارب، ويقرؤون المقالات العلمية في مجالات تخصصهم، ويتبادلون الأفكار الإبداعية لابتكار تجارب ونظريات ومواد كيميائية اصطناعية ومواد جديدة. وغالبًا ما يشارك الكيميائيون العاملون في الجامعات أيضًا في التدريس والإشراف على الطلاب وتوجيههم».

وسيعمل الكيميائيون في المستقبل على مواجهة تحدي تطوير عبوات جديدة للأطعمة والمشروبات تكون أكثر أمانًا لصحة الإنسان، وأسهل في إعادة التدوير، أو أكثر قدرة على التحلل إذا تسربت إلى البيئة.

ويقول دانيال: «من الملوثات الدقيقة التي تحظى باهتمام كبير في الوقت الحالي مواد البولي والبيرفلورو ألكيل (PFAS)، المعروفة أيضًا باسم "المواد الكيميائية الأبدية"».

وتُستخدم هذه المواد في تطبيقات عديدة، مثل الطلاءات المانعة للالتصاق ومواد التشحيم وطفايات الحريق، نظرًا إلى خصائصها المفيدة. لكنها قد تشكل مخاطر على الإنسان والحيوان، كما أن بعض خصائصها الكيميائية تجعلها قادرة على التراكم في الأنسجة الدهنية، وتتميز باستمرارها طويل الأمد في البيئة وصعوبة تحللها.

ويختتم دانيال حديثه قائلًا: «سيعمل الكيميائيون في المستقبل على تطوير مواد جديدة تتمتع بخصائص مفيدة مماثلة، لكنها أقل بكثير من حيث بقائها في البيئة، وأقل خطورة على الإنسان والكائنات الحية».

مقالات ذات صلة