القائمة الرئيسية

البطالة الناتجة عن اضطرابات الذكاء الاصطناعي: هل يمكن أن تسهم في حل أزمة الرعاية؟

البطالة الناتجة عن اضطرابات الذكاء الاصطناعي: هل يمكن أن تسهم في حل أزمة الرعاية؟
ملخص المقال

يناقش المقال كيف يمكن للذكاء الاصطناعي، الذي قد يؤدي إلى استغناء عن أعداد كبيرة من العاملين، أن يوفر في الوقت نفسه فرصة لمعالجة أزمة الرعاية المتفاقمة عالميًا. يقترح الكاتب إعادة تأهيل القوى العاملة المتأثرة بالأتمتة لشغل وظائف الرعاية، التي لا يمكن أتمتتها بالكامل وتوفر منافع إنسانية واجتماعية مهمة للعاملين والمتلقين على حد سواء. يتطلب تحقيق هذا التحول بنجاح إعادة توزيع عادل للثروة لتمويل هذه الوظائف، وتوفير التدريب اللازم، وإصلاح ظروف العمل لضمان أن تكون وظائف الرعاية جيدة ومحترمة وتلبي الحاجة للتواصل البشري.

قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى الاستغناء عن خدمات أعداد كبيرة من العاملين. لكن، مع الاستعداد الكافي، يمكن لهؤلاء العاملين المساهمة في معالجة أزمة الرعاية المتفاقمة. ويتطلب إيجاد حل فعال إعادة توزيع الثروة، وتوفير التدريب المناسب، وإجراء إصلاحات تضمن أن تكون وظائف الرعاية وظائف جيدة.

يندرج هذا المقال ضمن مجموعة من المقالات التي تتناول الوظائف الجيدة، ويصدر عن مركز السياسات التابع لمبادرة هوث للاقتصاد السياسي الجديد.

لا يوجد حتى الآن توافق في الآراء بشأن ما إذا كان تطور الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى بطالة تكنولوجية واسعة النطاق، لكن هذا الاحتمال قائم. فعلى سبيل المثال، يرى بعض الخبراء أن الأتمتة ستجعل 47 في المئة من الوظائف في الولايات المتحدة معرضة بدرجة كبيرة لخطر الاستغناء عن العاملين الذين يشغلونها خلال العقدين المقبلين.

في المقابل، يوجد توافق واسع بشأن وجود أزمة في الرعاية، تتمثل في فجوة كبيرة بين احتياجات الناس إلى الرعاية والقدرة على تلبيتها. وتعاني مجتمعات كثيرة نقصًا ملحوظًا في أعداد العاملين في هذا المجال. وتتفاقم هذه المشكلة باستمرار؛ إذ تواجه أنظمة الرعاية الصحية في مختلف أنحاء العالم نقصًا في الموظفين، في حين تشهد أعداد السكان في العديد من البلدان المتقدمة اقتصاديًا ارتفاعًا سريعًا في نسبة كبار السن. ومن الصعب تصور الكيفية التي يمكن بها توفير رعاية كافية للمسنين في ظل هذه الظروف.

ومن الجوانب المهمة لأزمة الرعاية ما يُطلق عليه غالبًا «وباء الوحدة». فهناك أعداد كبيرة من الناس في مختلف أنحاء العالم يعانون العزلة الاجتماعية. ويخشى بعض الباحثين أن يؤدي التقدم في أتمتة أعمال الرعاية إلى تراجع مفرط في مقدار الرعاية التي يقدمها البشر بعضهم لبعض، وهو ما قد يزيد الشعور بالوحدة تفاقمًا.

وقد حظيت كلتا الأزمتين باهتمام كبير، لكن النقاشات المتعلقة بهما لا تزال منفصلة بعضها عن بعض. وبدلًا من التعامل مع هذين التحديين بصورة مستقلة، ينبغي للباحثين وصانعي السياسات معالجتهما معًا، والنظر في كيفية تأثير كل منهما في الأخرى.

فالبطالة التكنولوجية قد توفر القوى العاملة اللازمة لمعالجة أزمة الرعاية. ومن خلال التدريب الكافي وإصلاحات سوق العمل، يمكن إعادة تأهيل جزء من العاملين الذين ستتأثر وظائفهم بالذكاء الاصطناعي، وتمكينهم من الانتقال إلى وظائف الرعاية التي تشتد الحاجة إليها في أعقاب ثورة الذكاء الاصطناعي.

قيمة العمل

تُظهر الأبحاث أن الرفاه الذاتي للإنسان يعتمد جزئيًا على حصوله على وظيفة. كما أن للعمل مجموعة من المنافع الموضوعية التي تتجاوز الدخل المادي، ومنها تحقيق مستويات مختلفة من التميز والإتقان، والإسهام في خدمة المجتمع، والشعور بالانتماء إلى جماعة، والحصول على التقدير الاجتماعي.

وتحتل هذه المنافع مكانة أساسية في تصور الناس للحياة الناجحة. والأهم من ذلك أنها ليست منافع يمكن شراؤها بالمال. فتحقيق الإتقان وتقديم إسهام اجتماعي يتطلبان الانخراط طويل الأمد في نشاط منتج، كما أن جميع هذه المنافع تتحقق عادةً على نحو أفضل من خلال العمل، سواء أكان مدفوع الأجر أم غير مدفوع الأجر.

ولهذه الأسباب، ولأن العاملين أنفسهم يقدّرون وظائفهم لما توفره لهم من منافع تتجاوز المكاسب المادية، يرى بعض الباحثين أن على الدول الاستثمار في الحفاظ على فرص العمل.

لكن من الأفضل بالتأكيد أن تستثمر الدول في أنواع العمل التي تنتج سلعًا وخدمات يحتاج إليها المجتمع، ولا يمكن أتمتتها بالكامل، أو لا ينبغي أتمتتها بالكامل.

ليس كل عمل من أعمال الرعاية قابلًا للأتمتة أو مناسبًا لها

سيسهم تطوير الروبوتات في تحسين تقديم خدمات الرعاية. كما أن أتمتة العديد من مهام الرعاية يمكن أن ترفع جودة الخدمات، بما في ذلك جودة المهام التي سيستمر البشر في أدائها.

ويمكن أن يقوم أحد التصورات على إنشاء تقسيم جديد للعمل بين الروبوتات والبشر؛ بحيث تتولى الروبوتات تلبية الاحتياجات الجسدية، مثل مساعدة الأشخاص على الاستحمام، بينما يتولى البشر تلبية الاحتياجات العلائقية الأكثر تعقيدًا، مثل توفير الرفقة والمودة والتفاهم المتبادل.

لا تستطيع الروبوتات أن تحل محل الرعاية الشخصية بالكامل، والمقصود بها الرعاية التي تلبي بعض احتياجاتنا الناشئة عن علاقاتنا بالآخرين. ومن الممكن بالتأكيد تصور آلات تحاكي السلوكيات التي يعبر البشر من خلالها بعضهم لبعض عن الاهتمام والانتباه والدفء والمراعاة والتفهم.

لكن من غير المرجح أن تكون هذه السلوكيات الروبوتية كافية لتبديد الشعور بالوحدة، فضلًا عن توفير القيمة الكاملة للعلاقات الشخصية، التي تعتمد على تلقي المودة والاهتمام والرفقة من أشخاص آخرين.

إن محاولة أتمتة الرعاية بالكامل، حتى لو كان ذلك ممكنًا من الناحية التقنية، ستؤدي إلى خسارة كبيرة في القيمة مقارنة بعالم يكون فيه البشر موجودين لتلبية احتياجات بعضهم بعضًا العلائقية والعاطفية.

ولهذا، ينبغي لصانعي السياسات توخي الحذر بشأن مدى أتمتة أعمال الرعاية. فقد يكون من المهم أن يستمر البشر في تقديم بعض أشكال الرعاية الجسدية أيضًا؛ لأن هذه الرعاية، رغم أنها تستهدف في المقام الأول تلبية احتياج مادي، مثل الاستحمام، قد تؤدي دورًا لا يقل أهمية في تلبية الاحتياجات العاطفية للشخص الذي يتلقاها.

وعلى الرغم من أن تحديد المقدار المناسب لأتمتة أعمال الرعاية لا يزال مسألة لم يُحسم النقاش بشأنها، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي لن تجعل الرعاية البشرية أمرًا متجاوزًا أو غير ضروري.

فسنظل نقدر أن يتولى أشخاص آخرون تلبية احتياجاتنا العاطفية، وكذلك احتياجاتنا الجسدية في كثير من الحالات، من خلال اللقاءات المباشرة وجهًا لوجه.

وبقدر ما تصبح أنواع أخرى من العمل مؤتمتة، قد تتوفر لدينا أعداد كافية من العاملين للقيام بأعمال التمريض والخدمة الاجتماعية، ورعاية الأطفال وكبار السن والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب تقديم الرعاية التلطيفية والعلاج النفسي.

نحو عالم عادل وفعّال لأعمال الرعاية

تتطلب العديد من المهن المذكورة أعلاه عاملين مؤهلين ومتخصصين في تقديم الرعاية. ولذلك، فإن إنشاء قوة عاملة كبيرة قادرة على توفير هذه الخدمات يستلزم تخطيطًا مسبقًا.

ويتمثل أحد جوانب مسؤولية صانعي السياسات في تشجيع توفير الفرص التعليمية والتدريبية اللازمة لإعداد العاملين في مجال الرعاية. أما الجانب الآخر، فيتمثل في تشجيع الناس على الاستفادة من هذه الفرص، سواء من خلال تعزيز الميل إلى التواصل الاجتماعي عمومًا، أم من خلال تحسين المكانة الاجتماعية والمهنية لمهن الرعاية والارتقاء بسمعتها.

في كثير من المجتمعات، يتحمل العاملون في مجال الرعاية أعباء مفرطة، ويُطلب منهم إنجاز المهام على عجل، ويخضعون لإدارة دقيقة ومستمرة لكل تفاصيل عملهم. وهذا يعني أن العديد من وظائف الرعاية لا تتيح للعاملين فرصة الاستفادة من المنافع غير المادية للعمل.

فالأعباء الكبيرة الملقاة على عاتق العاملين تضر بجودة الوظيفة، وتستنزف طاقتهم، وتجعلهم أقل قدرة تدريجيًا على أداء عملهم على نحو جيد. وعندما يتحول العمل في مجال الرعاية إلى مهمة مرهقة ورتيبة لا تتجاوز تنفيذ الواجبات بصورة آلية، فإنه يعجز عن تلبية الاحتياجات العلائقية، سواء بسبب ضيق الوقت المخصص لكل شخص، أم بسبب الأعباء المفرطة التي تؤثر في دافعية مقدم الرعاية.

ولا تقتصر آثار هذه المشكلة على العاملين، بل تمتد أيضًا إلى الأشخاص الذين يتلقون الرعاية. فكثيرًا ما يشعر هؤلاء بالاستياء أو الحرج عندما يحسون بأنهم يمثلون عبئًا على الآخرين. وعندما يدرك الشخص الذي يحتاج إلى الرعاية أنه يحمّل مقدم الرعاية عبئًا مفرطًا، فقد يشعر بأن الرعاية المقدمة إليه تنطوي على إذلال أو انتقاص من كرامته.

كما يصعب على الشخص أن يشعر بأنه يتلقى اهتمامًا حقيقيًا أو مودة صادقة عندما تُقدَّم له الرعاية ضمن علاقة يسودها الاستعجال والإدارة الدقيقة والمقيدة لكل التفاصيل.

ومن غير المرجح أن تنجح الرعاية المقدمة في ظل ظروف عمل سيئة في تلبية الحاجة إلى التواصل الإنساني ذي القيمة؛ لأن هذه الحاجة لا تتحقق إلا عندما تكون العلاقة مجزية إلى حد ما للطرفين، ويجد كل منهما فيها ما يعود عليه بالنفع.

أما إذا امتلك العاملون في مجال الرعاية قدرًا من السيطرة على عملهم، وأُتيح تقديم الرعاية بوتيرة تسمح بتكوين العلاقات الإنسانية الداعمة والحفاظ عليها، فمن الممكن أن تصبح هذه الوظائف مصدرًا للرضا في حد ذاتها بالنسبة إلى مقدمي الرعاية، تمامًا كما يحدث في العلاقات الإنسانية الجيدة عمومًا.

وتؤدي الأعباء الكبيرة في مجال الرعاية إلى تآكل جودة العمل؛ إذ يصبح نشوء علاقات قائمة على الرعاية والاهتمام أكثر صعوبة، وتتضرر إلى حد كبير الاحتياجات العلائقية للأشخاص الذين يتلقون الرعاية، إلى جانب المنافع التي يحصل عليها العاملون من وظائفهم.

ففي ظل هذه الظروف، لا يستطيع مقدمو الرعاية تقديم إسهام اجتماعي كامل، كما لا تتاح لهم الفرصة لتطوير مهاراتهم وممارستها على النحو الأمثل.

ويشير ذلك إلى أن توزيع أعمال الرعاية على عدد أكبر من الأفراد يمكن أن يزيد إجمالي المنافع المتحققة من العمل. ولذلك، توجد أسباب قوية تدعو إلى إنشاء عدد كبير من الوظائف في مجال الرعاية، من خلال برامج من شأنها أن تسهم في الوقت نفسه في معالجة جانب كبير من مشكلة البطالة الناجمة عن الأتمتة، وتمكين العاملين من الاستفادة من بعض المنافع غير المادية التي يوفرها العمل.

لكن هذا المقترح ينطوي على تحدٍ كبير.

فالمشكلة الجوهرية التي لا يمكن تجاهلها تتعلق بإعادة توزيع الثروة. إن السبب الذي يجعل أعمال الرعاية مرهقة إلى هذا الحد في الوقت الراهن هو أنها لا تحظى بالتمويل الكافي.

ومن دون إعادة توزيع المكاسب الناتجة عن ثورة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إعادة توزيع الثروة عمومًا، لن تتمكن الدول ولا الأفراد من تحمل تكاليف توفير عدد كافٍ من خدمات الرعاية الجيدة.

وبالتالي، فإن عدالة الحل المطروح في هذا المقال وإمكانية تطبيقه عمليًا تعتمدان على إجراء إعادة توزيع كبيرة للثروة، بما يضمن توفير التمويل اللازم لتوسيع نطاق أعمال الرعاية وتحسين جودتها.

ومع ذلك، فإن النقص الحالي في العاملين بمجال الرعاية، واحتمال نشوء أزمة بطالة بسبب الأتمتة، قد يتيحان فرصًا لإيجاد حلول مشتركة للمشكلتين.

وتتمثل المهمة الحالية في إعداد العاملين للمستقبل، وتأهيلهم للالتحاق بوظائف الرعاية التي تشتد الحاجة إليها، والتي يمكن أن توفر لهم الرضا المهني والشخصي أيضًا.

ولكي تحقق هذه الوظائف هذا الرضا، ينبغي أن تتسم بأعباء عمل يمكن التعامل معها، وأن توفر التدريب المناسب للعاملين، وربما تتطلب كذلك تغييرًا في الثقافة الاجتماعية السائدة بما يعزز التواصل الإنساني والتكافل بين الناس.

ومن ثم، ينبغي وضع سياسات تساعد على تحقيق جميع هذه المتطلبات، بحيث تتحول التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي من مصدر محتمل للبطالة إلى فرصة لتوفير وظائف ذات قيمة اجتماعية وإنسانية حقيقية.

مقالات ذات صلة