هل تعرف ذلك الحلم الذي تدخل فيه قاعة الدراسة، لتكتشف فجأة أن موعد الاختبار قد حان؟ وفي لحظة من الرعب، تدرك أنك لم تذاكر شيئًا. أنت غير مستعد تمامًا، مجرد متفرج وجد نفسه فجأة في قلب الحدث. حدث لي شيء يشبه هذا الكابوس بالفعل، لكنه لم يكن في قاعة دراسية عادية، بل خلال حفل توزيع جائزة نوبل.
بدأت مغامرتي مع نوبل عندما دُعيت أنا وزوجتي ليليان إلى ستوكهولم، ضيفين لدى مشرفنا على الدكتوراه، جون فين، بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2002، تقديرًا لتطويره تقنية مطيافية الكتلة بالتأين بالرش الكهربائي (ESI-MS). وسأشرح لاحقًا ماهية هذه التقنية وسبب أهميتها الكبيرة.
يُسمح لكل فائز بجائزة نوبل باصطحاب مجموعة لا تتجاوز ستة عشر شخصًا. وقد خصص جون، بكرم منه، ثماني دعوات للمخترعين المشاركين معه في تطوير تقنية الرش الكهربائي بالتأين، وزوجاتهم. وهكذا تمكنت أنا وليليان من الانضمام إلى هذه المناسبة الاستثنائية. ويحظى الفائزون وضيوفهم بجولات في المتاحف وحفلات استقبال ومحاضرات وأمسيات موسيقية خلال الأيام التي تسبق حفل توزيع الجوائز، الذي يُقام في العاشر من ديسمبر، ذكرى وفاة ألفريد نوبل. وكما وصف أحد الحاضرين المناسبة، فإنها تمثل «مركز الثقل الذي تنطلق منه الثقافة والحضارة».
لم تبدأ مغامرتنا مع نوبل بداية موفقة. فقد ضربت عاصفة ثلجية شديدة ولاية نيوجيرسي في يوم مغادرتنا، ما أعاق رحلتنا بالسيارة إلى المطار بشدة. ولم نصل إلى بوابة الصعود إلى الطائرة إلا قبل إغلاقها بدقائق معدودة.
بعد وصولنا إلى ستوكهولم واجتياز إجراءات الجمارك، فوجئنا باستقبال سائق يُدعى آرني، اصطحبنا إلى سيارة ليموزين طويلة تحمل شعارات مؤسسة نوبل. إذ تُخصص سيارة ليموزين لكل فائز بالجائزة. ولأن جون كان يعرف موعد وصولنا، فقد أرسل آرني لنقلنا إلى فندق غراند هوتيل الأنيق، حيث يقيم الفائزون وضيوفهم. كما يُخصص لكل فائز مرافق يتولى التأكد من وصوله إلى الأماكن المطلوبة في الوقت المحدد. وكان مرافق جون، أو «المسؤول عن متابعته» كما كان يسميها، آن لويز كريستيانسون من وزارة الخارجية. وقد جمعت آن لويز بين اللطف والكفاءة، وبذلت جهودًا تجاوزت بكثير ما كان متوقعًا منها.
كان أمام الفندق حشد من المتفرجين والمصورين وفرق التلفزيون عندما وصلنا. وما إن دخلنا حتى استقبلنا الموظفون بحرارة قائلين: «مرحبًا بكم في غراند هوتيل». ثم سألونا إن كان بإمكانهم التقاط صورة لنا. وبينما كانت ليليان تلتفت لتضع معطفها الشتوي جانبًا، سألني المصور بصوت خافت إن كنت الدكتور فلان. وعندما أجبت بالنفي، اختفت مجموعة المستقبلين بطريقة غامضة. وأثناء إتمام إجراءات التسجيل، جاء أحد الموظفين للاعتذار. لم تكن هناك حاجة إلى الاعتذار، فقد ظنوا أنني أحد الفائزين بجائزة نوبل. ولو ظنوا أنني لص خيول، لكان الأمر مختلفًا تمامًا.
كثيرًا ما تساءلت كيف كانت الأمور ستسير لو أجبت قائلًا: «نعم، أنا هو بالفعل». لربما حصلت على صورة جميلة مع ليليان قبل أن يُقتاد بي إلى الخارج فور وصول الدكتور الحقيقي. ولم يمض وقت طويل حتى أتيحت لي فرصة التعرف إلى ما قد يترتب على الإجابة بالإيجاب.
ولأننا كنا أول ضيوف جون وصولًا، طلب منا الانضمام إلى حفل استقبال للفائزين وعائلاتهم. كنا أشبه بأفراد العائلة، فجون هو من جمع بيني وبين ليليان. فقد ناقشنا أطروحتي الدكتوراه في الفترة الزمنية نفسها تقريبًا. وعندما أقام جون عشاءً احتفاليًا لنا في منزله، طلب مني أن أمر على ليليان لاصطحابها في طريقي. كان ذلك موعدنا الأول، وأول محاولة من جون لممارسة ما يمكن تسميته «الهندسة الاجتماعية». وعندما كوّنا أسرة، أصبح جون بمنزلة جد بديل لبناتنا الثلاث.
خلال حفل الاستقبال، تلقى الفائزون إرشادات بشأن آداب المراسم الرسمية. فعندما يُنادى اسمك، عليك التوجه إلى منتصف المنصة لمقابلة الملك، الذي يسلمك الميدالية والشهادة. وبعد مصافحته، تنحني له، ثم تنحني للجنة نوبل، وبعد ذلك للجمهور قبل العودة إلى مقعدك. ثلاث انحناءات، لا اثنتان ولا أربع. وعُرض مقطع مصور لجميع الفائزين الذين أخطؤوا في أداء الانحناءات. وكانت الرسالة الضمنية واضحة: احرص على الانحناء بالطريقة الصحيحة إن كنت لا تريد أن تظهر في المقطع المصور التالي.
في مؤتمر صحفي عُقد خلال ذلك الأسبوع، سُئل جون عن أعظم اكتشافاته، فأجاب: «اكتشاف أنني فزت بجائزة نوبل». كان يمتلك قدرة فريدة على كسب إعجاب الجمهور بفضل خفة ظله ولباقته المعهودة، التي امتزجت بسحر شخصيته الجنوبية الأمريكية.
وُلد جون في مدينة نيويورك عام 1917، وعاش في نيوجيرسي حتى بلغ الحادية عشرة من عمره، حين «فقدت الأسرة كل شيء» قبيل الكساد الكبير، وانتقلت إلى مدينة بيريا في ولاية كنتاكي. تلقى تعليمه في مدارس بيريا، التي كرست جهودها لتعليم الطلاب المحرومين، وكان معظمهم من منطقة الأبلاش. وكان جون مؤهلًا تمامًا للانضمام إلى هذه الفئة، رغم أنه لم يعتبر نفسه يومًا محرومًا. بل على العكس، كان ينسب الفضل إلى تجربته في بيريا في تكوين شخصيته. فقد كانت بيريا بالنسبة إليه أشبه بمملكة كاميلوت الأسطورية، بما ضمته من معلمين نبلاء عظام، تجاوزت مكانتهم حدود المألوف وكان يكن لهم بالغ التقدير.
بعد تخرجه من كلية بيريا عام 1937، انتقل جون إلى جامعة ييل، حيث حصل على الدكتوراه في الكيمياء عام 1940، خلال ثلاث سنوات فقط. غير أن أبحاثه للدراسات العليا كانت مملة إلى حد دفعه إلى التخلي عن العمل الأكاديمي والتوجه إلى القطاع الصناعي. ومع مرور الوقت، اكتسب سمعة بوصفه خبيرًا في الدفع وديناميكيات الغازات. وأسهمت هذه السمعة في تعيينه مديرًا لبرنامج أبحاث تابع للبحرية الأمريكية يُعرف باسم «مشروع الحبار» (SQUID)، وكان يخضع لإشراف جامعة برينستون. وأفضى ذلك بدوره إلى حصوله على أول منصب أكاديمي له أستاذًا للهندسة الميكانيكية.
وأثناء عمله في برينستون، أصبح جون نجمًا لامعًا في مجتمع المتخصصين في ديناميكيات الغازات النادرة، بعد تطويره حزمًا جزيئية عالية الشدة والطاقة. وتتكون هذه الحزم عندما يُمرر الغاز عبر ثقب صغير إلى حيز شديد التفريغ من الهواء. وقد استخدم الفائزون الثلاثة بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1986 الحزم الجزيئية، وأقروا بأهمية أعمال جون الرائدة. وربما كان سيأتي في المرتبة الرابعة بين المرشحين للفوز بالجائزة في ذلك العام. إن مسيرة جون في مجال الحزم الجزيئية وحدها كانت كفيلة بأن يحسده عليها كثير من العلماء. وقد يظن من يعرفون جون بسبب تقنية الرش الكهربائي بالتأين وحدها، التي طور معظمها في السبعينيات من عمره، أنه عالم تأخر نضوجه العلمي. لكن الحقيقة أنه مر بمرحلتين من التألق العلمي.
وفي عام 1967، استُدرج جون للعودة إلى نيو هيفن للمساعدة في إنعاش برنامج الهندسة المتعثر في جامعة ييل. كانت الجامعة تتمتع تاريخيًا بمكانة قوية في العلوم، إذ أنشأت كلية للهندسة قبل ظهور معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أو معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، كما منحت أول درجة دكتوراه في الهندسة في الولايات المتحدة إلى جوزايا ويلارد غيبس، أحد أعظم علماء البلاد. لكن بحلول سبعينيات القرن العشرين، حين كنت طالب دراسات عليا، أصبح من الشائع سماع السؤال الساخر: «هل يوجد في ييل تخصص للهندسة أصلًا؟».
عندما دخلت مختبر جون للمرة الأولى، كان تركيز الأبحاث لا يزال منصبًا إلى حد كبير على الحزم الجزيئية. أما مطيافية الكتلة، فضلًا عن مطيافية الكتلة بالتأين بالرش الكهربائي، فلم تكن تحظى إلا بقدر محدود من الاهتمام.
مطيافية الكتلة هي طريقة لتحديد المواد الكيميائية المختلفة استنادًا إلى كتلتها، أو بصورة أدق إلى نسبة الكتلة إلى الشحنة (m/z). لكن لهذه التقنية قيدًا جوهريًا، إذ يجب أن تكون العينات في الحالة الغازية. ولتحليل السوائل والمواد الصلبة، لا بد من تحويلها أولًا إلى بخار عن طريق التسخين. وكما يعرف كل من سبق له قلي بيضة، فإن الجزيئات الحيوية الكبيرة، مثل البروتينات، لا يمكن تحويلها إلى بخار بمجرد تسخينها تسخينًا عاديًا. وقد حال هذا القيد دون استخدام مطيافية الكتلة في البحوث الطبية والصيدلانية لتحليل الجزيئات الحيوية المعقدة.
في أواخر ستينيات القرن العشرين، حاول مالكوم دول، من جامعة بايلور، التغلب على هذا القيد من خلال «رش» محلول بروتيني كهربائيًا. ويتكون الرذاذ الكهربائي عند تمرير محلول عبر إبرة حقن تحت تأثير جهد كهربائي مرتفع، ما يؤدي إلى إنتاج رذاذ من القطرات المشحونة. وافترض دول أن تبخر المذيب بالكامل سيؤدي في النهاية إلى تكوّن معلق غازي من الأيونات البروتينية، يمكن تحليله باستخدام جهاز مطيافية الكتلة.
لكن محاولة دول باستخدام مطيافية الكتلة لم تنجح. وقد خلص إلى أن السبب هو الحجم الكبير لجزيئات البروتين، الذي كان يحجب الإشارة اللازمة لإنتاج الطيف المستخدم في تحديد العينات. فلا إشارة تعني عدم وجود طيف. وحاول دول معالجة المشكلة باستخدام طريقة تُعرف باسم تحليل الطاقة. إذ مرر حزمة جزيئية تحتوي على أيونات البروتين عبر مجال كهربائي طارد. ومن خلال رصد انخفاض الإشارة مع زيادة الجهد الكهربائي، أمكن إنتاج طيف تقريبي. وعلى الرغم من أن التجربة كانت بسيطة من حيث الفكرة، فإن حساب الكتلة انطلاقًا من انخفاض الإشارة لم يكن أمرًا مباشرًا. واضطر دول إلى الاستشهاد بأبحاث جون حول الحزم الجزيئية لتبرير منهجه.
شكّلت تلك الاستشهادات نقطة الالتقاء بين مسيرة جون في أبحاث الحزم الجزيئية ومسيرته في تطوير تقنية الرش الكهربائي بالتأين. فقد أثارت فكرة دول المبتكرة اهتمامه، وبدأ يبحث عن طرق لتحسينها. واستعان بباحث ما بعد الدكتوراه، يُقال إنه أكد استنتاج دول بشأن تأثير البروتينات الكبيرة في حجب الإشارة داخل جهاز مطيافية الكتلة.
عندما كنت طالب دراسات عليا، ارتكبت حماقة حين سألت جون إن كان بإمكاني محاولة إعادة إنتاج تجربة دول لتحليل الطاقة. حذرني جون من أن المشروع لا يناسب طالبًا قليل الخبرة، لكنه سمح لي بالمحاولة لفترة من الوقت. وتحولت هذه المحاولة إلى عام محبط قضيت معظمه في إنتاج قطرات مشحونة بدلًا من أيونات البروتين.
رأيت أن المشكلة لا بد أن تكون واحدة من اثنتين: إما أن مذيب الرش الكهربائي لا يتبخر بالكامل، أو أن الانخفاض السريع في درجة حرارة الغاز المتمدد يتسبب في تكثف البخار على الأيونات، فتتكون القطرات. ولم أتمكن من إنتاج الأيونات بوضوح إلا بعد أن عكست اتجاه تدفق غاز التجفيف، بحيث يتحرك عكس اتجاه الرش الكهربائي. وقد عزز هذا التدفق المعاكس عملية التبخر ومنع البخار من الدخول إلى حجرة التفريغ. كتبت في دفتر ملاحظاتي بأحرف عريضة: «تبًا، لقد نجحت التجربة!!!». لكن المهلة التي منحني إياها جون «للمحاولة لفترة من الوقت» انتهت. فلم تكن النتائج كافية للحصول على الدكتوراه، واضطررت إلى تغيير موضوع بحثي. لا بأس، هكذا هي الأمور أحيانًا.
ظل الرش الكهربائي دون نشاط يُذكر لبضع سنوات، إلى أن عيّن جون ماساميتشي «غادو» ياماشيتا باحثًا لما بعد الدكتوراه في أوائل ثمانينيات القرن العشرين. أعطاه جون قائمة بالمشروعات المحتملة، ولحسن الحظ اختار غادو مشروع الرش الكهربائي. أجرى تعديلات على نظام حزم جزيئية مصغر كان موجودًا بالفعل، وكانت ليليان تستخدمه بالمصادفة في بحث الدكتوراه الخاص بها، وأضاف إليه جهازًا صغيرًا لمطيافية الكتلة يعمل بمحلل رباعي الأقطاب. ونظرًا إلى محدودية نطاق الجهاز، ومع أخذ استنتاجات دول بشأن البروتينات الكبيرة في الحسبان، ركز غادو على الجزيئات الحيوية الصغيرة، ونجح في تحليلها، مثل فيتامين سي.
في وقت ما من عام 1983، وبعد سنوات من تخرجي، أخبرني جون بأنه ينوي التقدم بطلب للحصول على براءة اختراع، لأن نتائج غادو كانت تحمل قيمة تجارية. فوجئت عندما قال إن الشيء الوحيد القابل للحصول على براءة اختراع هو فكرتي المتعلقة بتدفق الغاز في اتجاه معاكس. ثم أخبرني بأنه يتذكر عبارتي الغريبة التي كتبتها في دفتر المختبر. وهكذا، لم يكن اسمي سيظهر في براءة الاختراع فحسب، بل سيأتي في المرتبة الأولى أيضًا. فجميع براءات اختراع جون الأخرى المتعلقة بتقنية الرش الكهربائي بالتأين تحمل اسمه أولًا.
وعندما أشرت إلى ذلك، مازحني قائلًا، أو هكذا آمل، إن تقديم اسمي على اسمه لم يكن سوى «زلة قلم». وعلى أي حال، أصبح بإمكان الشخص الذي أخبره المرشد الطلابي في المرحلة الثانوية بأنه لا يمتلك موهبة في الرياضيات أو العلوم أن يقول لأحفاده إن براءة الاختراع الأصلية لتقنية الرش الكهربائي بالتأين تحمل اسم «لابوفسكي وآخرين» (Labowsky et al.).
والحقيقة أن جون وغادو كان بإمكانهما التقدم بطلب براءة الاختراع من دوني. فقد سمعنا جميعًا قصصًا عن أساتذة ينسبون إنجازات طلابهم إلى أنفسهم. لكن جون فعل العكس، إذ منح الطالب فضلًا أكبر مما كان الطالب نفسه يعتقد أنه يستحق. كان غادو، الذي يفوقني قدرة وكفاءة بكثير، هو البطل الحقيقي. أما جون فكان رجلًا نزيهًا ومبدئيًا، وهذا ما جعله موضع إخلاص عدد كبير من طلابه وزملائه.
بعد غادو، واصل ماتياس مان وتشين كاي «كاي» مينغ العمل على المشروع بصفتهما طالبَي دراسات عليا. ومع استخدام جهاز جديد لمطيافية الكتلة، لاحظا أن أطياف البروتينات تتكون من سلسلة من القمم. وكان ذلك يعني أن البروتينات التي تعرضت للرش الكهربائي لم تكن أحادية الشحنة، كما افترض دول استنادًا إلى المبادئ التقليدية لمطيافية الكتلة، بل كانت تحمل حالات شحن متعددة.
لو أخذ دول الأيونات متعددة الشحنات في الحسبان، لكان هو من احتُفي به في ستوكهولم بدلًا من جون. وقد يكون العلم قاسيًا أحيانًا.
كان جون يكن احترامًا كبيرًا لدول، ولم يتردد قط في الإشارة إلى فضله. وقال ذات مرة إن العلماء الجيدين غالبًا ما يكونون محظوظين فحسب، أو شيئًا قريبًا من ذلك. فقد يعثر أحدهم على كنز تحت حجر قلبه هو أو قلبه شخص آخر. لكن الحيلة، كما قال، تكمن في إدراك أن ما عثر عليه كنز بالفعل.
ومع ذلك، لم تلق الأطياف البروتينية متعددة القمم ترحيبًا من بعض الخبراء. فقد علّق أحد المحكّمين بأن هذه النتائج ليست أطيافًا أصلًا، وإنما «أوساخ داخل النظام». ونتيجة لذلك، ظلت تقنية الرش الكهربائي بالتأين مجرد فضول علمي، إلى أن أشار جون إلى ماتياس بأن كل قمة تمثل قياسًا مستقلًا لكتلة البروتين.
وفي اليوم التالي أو بعده بقليل، عرض ماتياس على جون نتائج برنامج «إزالة التراكب» (deconvolution) الذي أعده هو وكاي، والذي يحوّل القمم المتعددة إلى قمة واحدة تمثل كتلة البروتين، أو وزنه الجزيئي. كان ذلك هو الاكتشاف الحاسم. فبمعرفة الوزن الجزيئي، أصبح من الممكن تحديد هوية البروتين بدرجة معقولة من الثقة.
عرض جون وماتياس وكاي نتائجهم في مؤتمر لمطيافية الكتلة عام 1988. وعلى الرغم من أن عدد الحاضرين لم يتجاوز نحو خمسة عشر شخصًا، فقد أشعل العرض ثورة في مجال مطيافية الكتلة بالتأين بالرش الكهربائي.
واليوم، تطورت هذه التقنية إلى أساليب شديدة الدقة لا تقتصر على تحديد وزن البروتين، بل تتيح أيضًا تحديد تركيبه، وأصبحت أداة لا غنى عنها في البحوث الطبية الحيوية ودراسات البروتينات والأبحاث الصيدلانية. ولهذا مُنح جون جائزة نوبل.
نشأت تقنية الرش الكهربائي بالتأين في مختبر ماسون بجامعة ييل، وربما تكون من بين الأبحاث القليلة الحائزة على جائزة نوبل التي أُنجزت بالكامل داخل قسم أكاديمي للهندسة الكيميائية. لذا، نعم، لدى ييل برنامج للهندسة بالفعل!
يُطلب من كل فائز بالجائزة إلقاء محاضرتين. الأولى تُبث على مستوى البلاد من ستوكهولم قبل حفل توزيع الجوائز، والثانية أقل رسمية، وتُلقى بعد الحفل أمام الطلاب وأعضاء هيئة التدريس في جامعة أوبسالا.
كانت المحاضرة الأولى مؤشرًا إلى أن أمرًا ما كان يزعج جون. فلم يكن بليغًا وسلسًا في حديثه كعادته، وبدا عليه الإرهاق الشديد بعد انتهائها. لكن بلوغه الخامسة والثمانين من العمر جعل شعوره بالتعب أمرًا غير مستغرب.
يُقام حفل توزيع الجوائز في قاعة ستوكهولم للحفلات الموسيقية. يرتدي الرجال ربطات عنق بيضاء وبدلات رسمية بذيلين، بينما ترتدي النساء فساتين السهرة. وعند النظر إلى المنصة، يجلس الفائزون على اليسار والعائلة الملكية على اليمين، فيما يجلس أعضاء لجان نوبل خلفهم. وتعزف أوركسترا كاملة من شرفة تعلو المنصة.
تُمنح جميع جوائز نوبل في ستوكهولم، باستثناء جائزة السلام التي تُمنح في أوسلو. وكان الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر هو الفائز بجائزة السلام في ذلك العام.
يعقب الحفل مأدبة فخمة تُقام في القاعة الهائلة داخل مبنى بلدية ستوكهولم. ويصطف الأطفال على طول الممر المؤدي إلى القاعة، حاملين الشموع لإضاءة الطريق.
يُفصل الأزواج عن بعضهم حتى تتاح للحاضرين فرصة الاختلاط بأشخاص لا يعرفونهم، سرعان ما يتحولون إلى أصدقاء. وعلى الرغم من أناقة المأدبة وفخامتها، فإنك تشعر فيها وكأنك في منزلك.
بعد العشاء، تستضيف العائلة الملكية حفل استقبال تُعرض فيه الميداليات والشهادات. ثم تستمر الاحتفالات بالرقص حتى ساعات الفجر الأولى. وفي نحو الساعة الثانية صباحًا، تمكنت أنا وليليان، اللذان لا نميل عادة إلى السهر، من الصعود بصعوبة إلى حافلة عائدة إلى الفندق. كانت أمسية استثنائية بكل المقاييس.
في صباح اليوم التالي، خرجت في نزهة طويلة سيرًا على الأقدام، وما زلت أشعر بنشوة السعادة. لكن عندما عدت، أعادتني الحقيقة إلى أرض الواقع بقسوة: كان جون في المستشفى يعاني فشلًا في القلب.
علمت أن جون شعر بالضعف أثناء التدريب على مراسم الحفل، فبادرت آن لويز إلى نقله إلى المستشفى لإجراء الفحوصات ومراقبته. وبعد بضع ساعات، عاد إلى الفندق وتوجه إلى غرفته ليستريح. وقد أدى دوره خلال الحفل على أكمل وجه، فأتم الانحناءات الثلاث، لا أكثر ولا أقل، وألقى قصيدة عن ظهر قلب خلال المأدبة. كما التقى أفراد العائلة الملكية في حفل الاستقبال، بل ورقص مع حفيدته في الحفل الذي أعقب ذلك. لم يكن هناك أي مؤشر واضح على اعتلال صحته.
اكتشفنا لاحقًا أن الطبيب الذي فحصه كان يعلم أنه يحتاج إلى دخول المستشفى، لكنه لم يُرِد حرمانه من شرف حضور مراسم التكريم. ولذلك رتّب وجود أطباء متخصصين في أمراض القلب لمرافقته ومراقبة حالته طوال الأمسية.
بعد انتهاء الحفل، لا تُنظَّم فعاليات أخرى لضيوف الفائزين، لذا يغادر معظمهم. لكن تبقى عدة مناسبات مخصصة للفائزين أنفسهم، من بينها مأدبة مع العائلة الملكية في القصر، ولقاء في مؤسسة نوبل لالتقاط صورة جماعية وتوقيع الوثائق المتعلقة بجوائزهم.
لسوء الحظ، لم يتمكن جون من حضور تلك الفعاليات. فقد كان في معهد كارولينسكا، موصولًا بأجهزة مراقبة القلب والمحاليل الوريدية والأكسجين. ذهبت أنا وليليان، برفقة ابنة جون باربرا، لزيارته. وما إن دخلنا الغرفة حتى التفت إلى باربرا وسألها: «هل تعتقدين أن أبي سيكون فخورًا بي؟».
كان في الخامسة والثمانين من عمره، وقد بلغ قمة النجاح العلمي، لكنه كان يعاني صعوبة في التنفس وحالة تهدد حياته. ومع ذلك، ظل همه الأساسي أن يكون ابنًا يستطيع والده أن يفخر به.
في يوم الخميس، الثاني عشر من ديسمبر، كنت أتحدث مع آن لويز في بهو الفندق عندما تلقت اتصالًا هاتفيًا. لم أسمع سوى قولها: «نعم، لا يزال الدكتور لابوفسكي هنا. يمكنه القيام بذلك».
الدكتور لابوفسكي يمكنه القيام بماذا؟
شرحت لي أن جامعة أوبسالا تريد مني إلقاء محاضرة نوبل الثانية نيابة عن جون في صباح اليوم التالي. وبما أن غادو وكاي وماتياس، وهم جميعًا أكثر تأهيلًا مني، قد غادروا بالفعل، فقد وقع الاختيار عليّ افتراضيًا لعدم وجود بديل آخر.
أُصبت بالذهول. لقد جئت للمشاركة في الاحتفال، لا لإلقاء محاضرة. كما أنني أكره التحدث أمام الجمهور. وعندما أضطر إلى تقديم عرض، أقضي أسابيع في التحضير له، لا ساعات.
حاولت التماس عذر للتهرب من المهمة، إذ بدا لي من غير اللائق أن أوافق من دون الحصول على إذن جون. اتصلت آن لويز بآرني، وانطلقنا بسرعة إلى المستشفى. قال جون إن رئيس جامعة أوبسالا صديق شخصي له، وإنه يشعر بأنه يخذله بعدم الحضور. وأضاف أنه سيكون ممتنًا للغاية لو حللت محله.
وهكذا أصبحت السمكة عالقة في السنارة. بالطبع، كانت محاضرة جون محفوظة في ذهنه، ولم يكن قد كتب نصًا لها. لكن في غرفته قرصًا مدمجًا يحتوي على شرائح العرض التي يمكنني استخدامها. وعندما غادرت الغرفة وأنا أشعر بثقل المهمة، أضاف قائلًا: «استمتع بوقتك!». كان مفهومه للمتعة مختلفًا تمامًا عن مفهومي.
وأثناء عودتنا بالسيارة إلى غراند هوتيل، أخذت السمكة تحاول الإفلات من السنارة. فالقرص المدمج لن يفيدني، لأنني لا أملك جهاز كمبيوتر. اتصلت آن لويز بالفندق، وأخبرتني بأن حاسوبًا محمولًا سيكون في انتظاري. لكن كانت هناك مشكلة أخرى: لم أستخدم برنامج باوربوينت من قبل. فأجرت اتصالًا آخر، ورتب الفندق أن يعلمني أحدهم استخدام البرنامج، وأن يبقي مكتب الأعمال مفتوحًا طوال الليل من أجلي وحدي. عندها أدركت السمكة أنها وقعت في الفخ، وأن أمرها قد حُسم.
وصلت إلى الفندق بعد الساعة الرابعة عصرًا بقليل، وأحضرت القرص المدمج الذي احتوى على نحو ثلاثمئة شريحة تغطي مسيرة جون المهنية. وكان الحاسوب المحمول والمدرّب الموعودان في انتظاري.
قضيت بقية المساء جالسًا أمام مكتب صغير في الفندق، أستخدم حاسوبًا مستعارًا، وأحاول التعامل مع برنامج باوربوينت بمعرفة بدائية، وأمام مجموعة ضخمة من الشرائح، بينما كان ذهني فارغًا تمامًا. كيف تورطت في هذه الورطة؟ ومن يمكنني الاتصال به كي يخرجني منها؟ لقد فات الأوان للاتصال بأي شخص، حتى لو كنت أعرف بمن أتصل.
كان ذلك الكابوس القديم، كابوس دخول قاعة الامتحان من دون استعداد، يتحول إلى حقيقة. لكنني لم أكن جالسًا عاجزًا عن التفكير في قاعة دراسية غامضة، بل في فندق واضح المعالم. وإذا لم يكن ذلك كافيًا، فقد كنت أعلم أن آرني سيأتي لاصطحابي في الساعة السابعة والنصف صباحًا، وكان ذلك اليوم يصادف... الجمعة الثالث عشر من الشهر. كان هذا «حلمًا» لا يمكن الاستيقاظ منه.
في مثل هذه الأوقات، يحاول المرء التمسك بما لديه من نعم قليلة. على الأقل، لن تُبث هذه المحاضرة على مستوى البلاد، وهذه نعمة. وإذا ساءت الأمور، فيمكنني الهرب سريعًا داخل سيارة آرني، وهذه نعمة أخرى.
كان الجمهور يتألف في معظمه من أعضاء هيئة التدريس والطلاب، لذا قررت أن أتحدث عن جون وعن تجربتي بوصفـي أحد طلابه. وأخيرًا، بدأت الكتابة واختيار بعض الشرائح. وفي نحو الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، ذهبت ليليان إلى مكتب الأعمال مرتدية ملابس النوم وروبها، لطباعة نسخة ورقية من خطابي، كانت بالنسبة إليّ بمثابة بطانية أمان أتشبث بها.
حتى مع وجود تلك البطانية، لم أنم إلا قليلًا. وفي صباح اليوم التالي، وصل آرني في الموعد المحدد ليصطحب السجين إلى إعدامه. وكانت محاضرتي الأولى في البرنامج، ما يعني أن الإعدام سيكون سريعًا، وهذه نعمة أخيرة.
عندما وصلنا إلى الجامعة، طُلب مني التوقيع على شهادة تقدير لطالب، وهو تقليد اعتاد الفائزون بجائزة نوبل في الكيمياء القيام به. أنا؟ ولماذا أنا؟ قيل لي إن هذه ستكون المرة الأولى منذ نحو مئة عام التي يحل فيها شخص محل أحد الفائزين بجائزة نوبل في إلقاء المحاضرة. ولذلك، فإن توقيعي على شهادة الطالب سيكون أمرًا نادرًا وغير مسبوق. وقّعت على مضض، لكنني أخذت الشهادة معي إلى المستشفى كي يوقعها جون أيضًا.
عندما دخلت قاعة المحاضرات، كنت هادئًا إلى حد ما، بفضل الحرمان من النوم. وإلى جانب ذلك، كان الحلول محل جون شرفًا عظيمًا، ولا سيما أنني أصبحت، كما قيل لي، حالة استثنائية في تاريخ المحاضرات.
بدأت باعتذار لأنني لست جون. وما إن انطلق لساني في الحديث حتى مرت الدقائق الخمس والأربعون بسرعة. وكان الجمهور لطيفًا بما يكفي ليضحك على نكاتي السخيفة، كما بدا متعاطفًا مع المأزق الذي وجدت نفسي فيه. وصورت ليليان المحاضرة، لكنني كنت جبانًا إلى درجة أنني لم أجرؤ على مشاهدة التسجيل إلا بعد أسابيع. وشعرت بالارتياح عندما شاهدته أخيرًا واكتشفت أن الأداء لم يكن سيئًا.
أُقيم غداء بعد المحاضرات. وُضعت إحدى عشرة مائدة طويلة في قاعة كبيرة، خُصصت واحدة منها لكل فائز بالجائزة. وكان رئيس الجامعة قد رتّب الجلوس على رأس المائدة مع صديقه جون، لكنه وجدني أنا وليليان بدلًا منه. وبعد أن زال عني عبء المحاضرة، استرخيت واستمتعت بالطعام. وكأنني وافقت على أن أكون الشخص الذي ظنني موظفو الفندق أنني إياه، لكن من دون المخاطرة التي كانت ستترتب على ذلك.
وأثناء عودة آرني بنا إلى ستوكهولم، سألته عن عدد الفائزين بجائزة نوبل الذين سبق له نقلهم. فأجاب بوجه جامد: «خمسة ونصف».
كان من المفترض أن أغادر أنا وليليان في اليوم التالي، لكنني شعرت بالذنب لفكرة المغادرة بينما لا يزال جون في المستشفى. لذا عادت ليليان إلى المنزل بالطائرة، بينما بقيت أنا لأرى إن كان بإمكاني تقديم أي مساعدة.
وللأسف، كانت لدي خبرة سابقة جعلتني أدرك مدى خطورة حالة جون. ففي يوم الإعلان عن جائزة الكيمياء في أكتوبر، كانت والدتي في المستشفى تعاني فشلًا في القلب. وبطريقة ما، علم جون بذلك. وبين المقابلات التلفزيونية والمؤتمرات الصحفية، خصص وقتًا للاتصال بي والسؤال عن حالتها. ذلك هو جون الذي عرفته.
أصر جون على أنه بخير، وأن عليّ العودة إلى المنزل. حزمت أمتعتي، ورتبت آن لويز ترتيبات السفر. لكنني اتصلت بها في الليلة السابقة لمغادرتي لإلغاء الرحلة. عندها أخبرتني بأن جون يريد حقًا أن أبقى، لكنه لا يريد أن يفرض عليّ البقاء معه، خاصة مع اقتراب عيد الميلاد. كان جون دائم الحرص على سلامة طلابه وراحتهم، حتى عندما أصبحوا في عمر متقدم.
بعد أسبوع في المستشفى، تحسنت حالة جون بما يكفي للسماح له بالخروج على كرسي متحرك لبضع ساعات، حتى يتسلم جائزته من مؤسسة نوبل. لكن مبنى المؤسسة لم يكن مزودًا بمصعد، فحملناه على كرسيه المتحرك صعودًا عبر الدرج إلى المكان الداخلي المخصص، حيث وقّع الوثائق وتسلم ميداليته وشهادته رسميًا.
وبعد أن أعدنا جون إلى المستشفى، اصطحب آرني باربرا وأنا إلى الفندق، وكانت جائزة نوبل داخل كيس بلاستيكي.
بحلول العشرين من ديسمبر، رأى الأطباء أن جون أصبح قادرًا على السفر بالطائرة. فاستقللنا سيارة ليموزين للمرة الأخيرة متجهين إلى المطار. إن السفر بصحبة أحد الفائزين بجائزة نوبل في السويد تجربة ممتعة للغاية. فقد دخلنا المطار عبر المدخل المخصص لكبار الشخصيات، وتولى الموظفون الاهتمام بأمتعتنا، ثم اصطحبونا إلى صالة كبار الشخصيات المجهزة بكل ما يلزم، حيث انتظرنا موعد الصعود إلى الطائرة.
وطُلب منا التوقيع في سجل زوار الصالة. وكان آخر من وقّع فيه قبل بضعة أيام هو الرئيس كارتر. وبعد أن صعد جميع الركاب إلى الطائرة، جاءت آن لويز وممثلون عن شركة الطيران، ودفعوا كرسي جون المتحرك برفق حتى أوصلوه إلى الطائرة.
في ليلة رأس السنة، خضع جون لعملية جراحية لتغيير مسار الشرايين التاجية، شملت ثلاثة شرايين. وبعد بضعة أشهر، عاد إلى حالته المعتادة. وظل جدول مواعيده مزدحمًا دائمًا، إذ واصل السفر وإلقاء المحاضرات على نطاق واسع.
كان حضور مؤتمر برفقته أشبه بالوقوف إلى جانب ميكي ماوس في عالم ديزني؛ فالجميع يريد التحدث إليه والتقاط الصور معه. وكان يستمتع حقًا بفرصة إلهام الجيل القادم من العلماء والمهندسين.
توفي جون في العاشر من ديسمبر عام 2010، بالتزامن تقريبًا مع تكريم الفائزين الجدد بجائزة نوبل. لقد كان رجلًا استثنائيًا، ولا يزال غيابه مؤلمًا لكل من حظي بفرصة معرفته.
