يتوقف ذلك على ما تقصده بعبارة «التنصت الفعلي». فجميع الهواتف الذكية الحديثة والأجهزة الأخرى تستمع إلى كلمات تنشيط محددة، مثل «أليكسا» و«سيري» و«يا جوجل». وهي تستمع لأنها مصممة للاستجابة لهذه الكلمات، ثم معالجة الطلب المرتبط بها، سواء أكان تغيير القناة التلفزيونية، أم تشغيل الأغنية التالية، أم طلب بعض المناديل الورقية، أم غير ذلك.
لكنني أعتقد أن كثيرًا من الناس يتصورون أن الهاتف يستمع إلى كل ما يقولونه ويعالج جميع أحاديثهم، بدلًا من أن يتخلص، على الأقل وفقًا لما تخبرنا به الشركات المصنّعة، مما التقطه من أصوات عندما لا يسمع كلمة التنشيط المناسبة.
غالبًا ما يعتقد الناس أن هواتفهم الذكية تتنصت عليهم لأنهم يتحدثون عن مطعم معين، ثم يفاجؤون بظهور إعلانات لذلك المطعم على صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي. ويبدو هذا التزامن غريبًا ومثيرًا للريبة، وكأن الهاتف كان يستمع إلى حديثهم بالفعل.
لكن هناك تفسيرًا بديلًا لذلك، وهو أن شبكات التواصل الاجتماعي تعرف من هم أصدقاؤك، وتعرف أنه إذا بحث أحد أصدقائك المقربين عن تفاصيل مطعم معين، فمن المحتمل أن تكون هناك صلة بين اهتماماتكما، بحيث تهتم أنت أيضًا بالأشياء التي تهم أصدقاءك. ولذلك قد تعرض لك المنصة إعلانًا عن المطعم الذي كان صديقك يبحث عنه.
وغالبًا ما يفسر ذلك سبب ظهور هذه الإعلانات. فقد يبدو لك أن الإعلان ظهر لأنك تحدثت عن المطعم بصوت مرتفع، لكن الأرجح أن المنصة اختارت عرض الإعلان لك بناءً على تحليل علاقاتك بأصدقائك وما يفعلونه عبر الإنترنت.
هل يمكنك تقديم أمثلة أخرى على البيانات التي تجمعها هواتفنا عنا؟
تهتم الخوارزميات التي تقف وراء أنظمة التواصل الاجتماعي كثيرًا بمعرفة الأشياء التي تركز عليها، وتلك التي لا تبدي اهتمامًا بها. فإذا كنت تتصفح صفحتك باستمرار، وتظهر أمامك منشورات ومحتويات مختلفة، ثم تتجاوزها سريعًا دون التوقف عندها، تستطيع الخوارزمية استنتاج أنك لا تهتم بها.
أما إذا توقفت عند محتوى معين، أو شاهدت مقطع فيديو، أو نقرت على منشور، أو وضعت علامة إعجاب عليه، فإنك تقدم معلومات تشير إلى أن هذا المحتوى يثير اهتمامك.
وإذا كنت تتوقف مرارًا لمشاهدة مقاطع فيديو لكلاب صغيرة لطيفة، فإن ذلك يمثل مؤشرًا واضحًا على الأرجح على اهتمامك بهذا النوع من المحتوى، وبالتالي ستبدأ الخوارزمية في عرض المزيد منه عليك.
وينطبق الأمر نفسه سواء تعلق المحتوى بكلاب صغيرة لطيفة، أم بأخبار السياسيين وآرائهم السياسية، أم بالنزاعات والصراعات. فالموضوعات التي تتوقف عندها وتركز عليها عادةً تصبح أكثر حضورًا في ما يُعرف باسم «فقاعة الترشيح»، وهي ظاهرة تعزز فيها الخوارزميات المحتوى الذي يتوافق مع اهتماماتك السابقة لأنك توقفت عنده أو تفاعلت معه. ونتيجة لذلك، ستجد نفسك تتلقى مزيدًا من المحتوى المشابه.
قد يقول بعض الناس إنهم يجدون تخصيص المحتوى وفق اهتماماتهم أمرًا مفيدًا. فهل يُعد ذلك ضارًا بالضرورة؟
بالتأكيد، ستقول شركات التكنولوجيا إن العملاء يفضلون مشاهدة إعلانات تتناسب مع اهتماماتهم بدلًا من الإعلانات العامة العشوائية. وبالمثل، يرغب بائعو المنتجات في عرض إعلاناتهم على الأشخاص الذين يُرجح أن يشتروا منتجاتهم. ولذلك، فمن المنطقي من منظور تجاري استهداف الأشخاص بالمحتوى الذي يُحتمل أن يتفاعلوا معه.
لكن الخوارزميات نفسها يمكن استخدامها أيضًا للتأثير في التغطية الإخبارية التي تصل إليك، وفي الطريقة التي تنظر بها إلى الأحداث العالمية.
فنحن نلاحظ بصورة متزايدة أن الشباب لم يعودوا يقرأون الصحف أو يشاهدون نشرات الأخبار التلفزيونية بالقدر نفسه، بل أصبحوا يستمدون معلوماتهم ومعرفتهم من صفحات التواصل الاجتماعي. ونتيجة لذلك، قد يتعرضون لمحتوى منحاز يعزز قناعاتهم الموجودة مسبقًا، لأن الخوارزمية نفسها التي تستنتج أنك تحب نوعًا معينًا من المحتوى لن تبادر فجأة إلى عرض محتوى مختلف تمامًا عن اهتماماتك السابقة، أو إعلانات عن منتجات لم تُظهر أي اهتمام بها.
هل يُعد جمع بياناتنا ومشاركتها بهذه الطريقة قانونيًا تمامًا؟
من الناحية المنطقية، نعم. فلو كانت ممارسات شركات التواصل الاجتماعي مخالفة للقانون بصورة واضحة وجسيمة، لكانت جهات إنفاذ القانون تتدخل لمنعها من القيام بها.
وقد تعتمد هذه الشركات على أن المستخدمين لم يقرؤوا الشروط والأحكام بعناية، أو أنهم وافقوا على أمور ربما كانوا سيشعرون بقدر أقل من الارتياح تجاهها لو شرح لهم أحد صراحةً: «هذه هي الطريقة التي سنستخدم بها بياناتك».
لكن من الناحية القانونية، إذا كنت قد منحت موافقتك على معالجة بياناتك بهذه الطريقة، فإن احتمال اعتبار ذلك مخالفًا للقانون تمامًا يكون منخفضًا نسبيًا.
كيف يمكن تحسين اللوائح التنظيمية في هذا المجال؟
يتمثل أحد الأسئلة الأساسية في معرفة ما إذا كان الناس يوافقون فعلًا على ما تنص عليه الشروط والأحكام، أم أنهم يريدون ببساطة المضي قدمًا وإنشاء حساب على إحدى منصات التواصل الاجتماعي.
فقد تمنح موافقتك على معالجة بياناتك حتى لو لم تكن مقتنعًا حقًا بجميع الشروط والأحكام، أو لم تكن ترغب في قبولها بالكامل.
وقد أجرينا بحثًا أظهر أن عملية منح الموافقة لا تتم بالضرورة بعد تفكير متأنٍ ودراسة واعية لكل التفاصيل. ويثير ذلك سؤالًا آخر: ماذا يحدث إذا أردت تغيير رأيك لاحقًا والتراجع عن موافقتك؟
كيف يبدو الخيار الحقيقي الذي ينبغي أن يتاح لمستخدمي الهواتف الذكية؟
إن الخيار الحقيقي، وإن كان غير واقعي في الوقت الراهن، هو أن يتمكن المستخدم من الاستفادة من الخدمات التي يريدها، والتي يستخدمها الآخرون جميعًا، دون أن يضطر إلى دفع ثمن ذلك إما من خلال بياناته الشخصية أو عن طريق دفع رسوم مالية. لكن كيف يمكن لمقدم الخدمة تحقيق أي إيرادات في هذه الحالة؟
لقد كان التوجه السائد هو القول: «إن الوسيلة الوحيدة التي يمكننا من خلالها تقديم هذه الخدمات هي الاشتراكات أو الإعلانات».
وقد تقبل الشباب والناس عمومًا فكرة أن الإعلانات هي الثمن الذي يدفعونه مقابل الوصول إلى معظم هذه الخدمات المجانية. لكنني أعتقد أن الوعي يتزايد بشأن الإعلانات وآليات التتبع، وبشأن الطريقة التي يمكن من خلالها استخدام هذه الأدوات لتشكيل المحتوى الذي نراه وتوجيهه.
لماذا تعتقد أن فكرة تنصت الهواتف علينا أصبحت راسخة إلى هذا الحد في أذهان الناس؟
أعتقد أن هناك جانبين لهذه المسألة. يتمثل الجانب الأول في انعدام الثقة عمومًا بالحكومات وبشركات التكنولوجيا الكبرى. كما أن ردود الفعل التي شهدتها المجتمعات خلال الجائحة تجاه المراقبة عمومًا جعلت الناس أكثر ريبة وحذرًا.
أما الجانب الآخر، فيتعلق بتذكر المصادفات والروابط المفاجئة التي تبدو لافتة للنظر، مع تجاهل آلاف الأشياء الأخرى التي تحدثنا عنها ولم تظهر بشأنها أي إعلانات في صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي.
وهذا يرتبط بما يُعرف باسم «انحياز التذكر»، إذ نتذكر المصادفات المفاجئة التي تثير دهشتنا، ونتعامل معها باعتبارها دليلًا على أن هواتفنا تتنصت علينا، خصوصًا إذا كنا نشك أصلًا في شركات التكنولوجيا الكبرى أو الحكومات. وهكذا، تتحول هذه القناعة إلى فكرة تعزز نفسها بنفسها.
هل يمكن أن تكون بيانات الشخص معرضة للخطر حتى لو كان يعتقد أنه حريص جدًا على خصوصيته؟
أدرّس مقررًا دراسيًا عن حوكمة البيانات، ومن بين الندوات التي نعقدها نناقش إلى أي مدى يمكننا الوثوق بأصدقائنا فيما يتعلق ببياناتنا الشخصية.
وأول سؤال أطرحه على الطلاب هو: هل لديكم حسابات على إنستغرام؟ ويجيب معظمهم بالإيجاب. وإذا لم يكونوا يسعون إلى أن يصبحوا مؤثرين على المنصة، فإنهم يجعلون حساباتهم خاصة.
ولذلك، فإن الفكرة القائلة إن الشباب لا يهتمون بالخصوصية لا تتفق مع حقيقة أنهم يعرفون جيدًا ضرورة جعل حساباتهم خاصة، ويبادرون إلى فعل ذلك بسرعة. وهنا يبرز سؤال مثير للاهتمام: لماذا لا يكون هذا هو الإعداد الافتراضي لجميع المستخدمين؟
هناك نموذج عمل تجاري يقوم على فكرة أنه عندما تكون إعدادات الخصوصية معطلة، تستطيع الشركات القيام بالمزيد من الأمور باستخدام البيانات. ولذلك، فإن تعطيل إعدادات الخصوصية يخدم المصالح التجارية للشركات، لكن من منظور مجتمعي، ينبغي تفعيلها.
بعد ذلك، إذا أراد الأشخاص إتاحة بياناتهم على نطاق أوسع، فيمكنهم ببساطة تغيير الإعدادات وتعطيل وسائل الحماية المتعلقة بالخصوصية.
ما الذي يمكن للناس فعله للمساعدة في حماية بياناتهم؟
ينبغي لهم مراجعة إعدادات الخصوصية. فمعظم هذه التطبيقات أصبحت توفر للمستخدمين تذكيرات وإشعارات بشأن أنشطتهم وطريقة استخدامهم للخدمات.
ومن المهم التفكير في نطاق مشاركة المحتوى: هل تشاركه مع العالم بأسره، أم مع أصدقائك المقربين فقط؟
أما فيما يتعلق بالخوارزميات، فعليك أن تتذكر أن المحتوى الذي تنقر عليه اليوم يمكن أن يؤثر في المحتوى الذي ستراه لاحقًا، ويعزز ظهوره أمامك باستمرار.
ولذلك، إذا كنت تحاول توسيع آفاقك والانفتاح على وجهات نظر متنوعة، خصوصًا فيما يتعلق بالمصادر الإخبارية التي تعرضها لك المنصات، فإن مشاهدة الأخبار التي تعكس وجهات نظر سياسية مختلفة عن تلك التي اعتدت متابعتها قد تربك الخوارزمية قليلًا، وتدفعها إلى توسيع نطاق المحتوى الذي تقترحه عليك.
