إخلاء المسؤولية
ينشر المنتدى الاقتصادي العالمي هذه الوثيقة مساهمةً منه في مشروع أو مجال معرفي أو إطار للتفاعل. وتمثل النتائج والتفسيرات والاستنتاجات الواردة فيها حصيلة عملية تعاونية يسّرها المنتدى الاقتصادي العالمي وأيّدها، إلا أن نتائجها لا تعكس بالضرورة آراء المنتدى الاقتصادي العالمي أو مجمل آراء أعضائه أو شركائه أو غيرهم من أصحاب المصلحة.
© 2026 المنتدى الاقتصادي العالمي. جميع الحقوق محفوظة. لا يجوز استنساخ أي جزء من هذا المنشور أو نقله بأي شكل أو بأي وسيلة، بما في ذلك التصوير والنسخ والتسجيل، أو عبر أي نظام لتخزين المعلومات واسترجاعها.
نبذة عن التقرير
تُعد شبكة المنتدى الاقتصادي العالمي المكوّنة من 37 مجلساً من مجالس المستقبل العالمية مجتمعاً معرفياً متعدد الأطراف والتخصصات، مكرساً لتعزيز التفكير الابتكاري من أجل الإسهام في بناء مستقبل أكثر قدرة على الصمود وشمولاً واستدامة.
وتتمثل مهمة مجلس المستقبل العالمي المعني بالجغرافيا السياسية في تقديم رؤى حول السياق الجيوسياسي الراهن، وتحديد الفرص المتاحة لتنشيط أو إعادة بناء آليات التعاون الأمني بهدف تعزيز السلام والاستقرار العالميين.
وتستند الأفكار الواردة في هذا التقرير إلى المناقشات التي أجراها أعضاء المجلس، حضورياً وافتراضياً، على امتداد عامي 2025 و2026. وبينما تستند جميع أجزاء التقرير إلى الرؤى التي أُنتجت خلال هذه المناقشات، فإن فصوله تعكس آراء مؤلفيها المعنيين وحدهم. كما لا تعكس هذه الفصول بالضرورة آراء المؤسسات التي ينتمي إليها المؤلفون.
تقديم
لم يعد الأمن العالمي نظاماً تتولى الدول إدارته بصورة رئيسية. بل أصبح يتحول إلى بيئة تشغيلية مشتركة تشكلها الحكومات والشركات والتكنولوجيات والبنية التحتية التي تربط بيننا. ويتيح هذا التحول فرصاً أمام دول العالم للدفع بمصالحها بطرق جديدة. غير أن الاضطرابات الجيوسياسية أضعفت أشكال التعاون القائمة، ووضعت مؤسسات الحوكمة تحت ضغط متزايد، وأسهمت، وهو الأمر الأكثر إثارة للقلق، في وصول عدد النزاعات إلى أعلى مستوى منذ الحرب العالمية الثانية.
كما أن طبيعة النزاعات نفسها آخذة في التغير. فالحروب في أوروبا والشرق الأوسط تُظهر مدى السرعة التي يمكن بها لمواجهة إقليمية أن تنقل المخاطر عبر الحدود والأسواق. ويمكن للهجمات على الموانئ وبنية الطاقة التحتية والكابلات البحرية والأقمار الصناعية والشبكات الرقمية أن تعطل حياة المدنيين والتجارة العالمية في مناطق بعيدة عن ساحات القتال. ويساعد ذلك على تفسير سبب تصنيف كبار التنفيذيين اليوم لعدم الاستقرار الجيوسياسي بوصفه التهديد الأول للنمو الاقتصادي العالمي. فقد أصبح الأمن المادي والأمن الرقمي متداخلين بصورة لا يمكن الفصل بينها، كما أصبحت الأنظمة الخاصة التي تدعم كليهما جزءاً من المشهد الاستراتيجي.
وقد أثارت الطبيعة المتغيرة للأمن العالمي أسئلة مهمة. كيف يتغير الأمن الجماعي أو التعاوني الآن، في ظل توزع القدرات الحيوية بين الجهات العامة والخاصة؟ وكيف يمكن منع النزاعات أو خفض تصعيدها قبل أن تنتقل آثار الاضطرابات بصورة متسلسلة عبر الاقتصادات والمجتمعات؟ ومن هم أصحاب المصلحة الذين يجب أن يكونوا حاضرين على طاولة النقاش عندما لا تكون الأنظمة المعرضة للخطر مملوكة للدول أو مشغلة من قبلها وحدها؟
هذه من بين الأسئلة التي عمل مجلس المستقبل العالمي المعني بالجغرافيا السياسية التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، والمكوّن من 21 خبيراً من قطاع الأعمال والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني، على معالجتها خلال العامين الماضيين. وقد برز استنتاج بصورة متكررة: القطاع الخاص ليس فقط معرضاً لتدهور الأوضاع الأمنية، بل إنه يسيطر أيضاً على قدرات أساسية للصمود العالمي، من بينها البنية التحتية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب أنظمة الشحن والخدمات اللوجستية والطاقة. ولذلك، لم يعد قطاع الأعمال مجرد مشارك في الأمن العالمي، بل أصبح مكوناً رئيسياً من مكونات البنية الأمنية للعالم.
ويتمثل التحدي اليوم في تحويل هذا الواقع إلى تعاون مسؤول. إذ يتعين على الحكومات والشركات تجاوز المشاورات الظرفية التي تتم بعد وقوع الأزمات، والعمل على بناء قنوات موثوقة ومعايير مشتركة وخطوط واضحة للمساءلة قبل اندلاع الأزمات. والهدف هو ضمان أن تعمل السلطة العامة والقدرات الخاصة معاً بكفاءة في المجالات التي يعتمد فيها الاستقرار العالمي على كليهما.
ولهذا السبب، يعرب المنتدى الاقتصادي العالمي عن امتنانه لمجلس المستقبل العالمي المعني بالجغرافيا السياسية ولرئيسيه المشاركين على هذا العمل المهم الذي يدرس دور القطاع الخاص في تعزيز الأمن والاستقرار العالميين. ونأمل أن يقدم هذا التقرير رؤى جديدة قادرة على تحفيز النقاش والعمل من أجل مزيد من السلام والازدهار في هذه اللحظة التي يواجه فيها العالم قدراً كبيراً من عدم اليقين.
مارون كيروز
المدير العام
المنتدى الاقتصادي العالمي
سبتمبر 2026
الملخص التنفيذي
يتأثر القطاع الخاص بشكل متزايد بالتطورات الجيوسياسية، كما أصبح أحد أصحاب المصلحة الرئيسيين في تعزيز الأمن والاستقرار العالميين.
تعمل التطورات الجيوسياسية الأخيرة، بما في ذلك ارتفاع مستويات النزاع وانتشار تكنولوجيات جديدة، على تغيير البيئة الأمنية العالمية. وتختبر هذه التحولات الهياكل الأمنية الراسخة، وتؤكد الحاجة إلى تعزيز التعاون بين مختلف أصحاب المصلحة. كما أنها توسع نطاق الجهات الفاعلة التي يمكنها الإسهام في تحقيق الاستقرار العالمي.
ومن بين أكثر هذه الجهات تأثيراً القطاع الخاص، الذي أصبح أكثر تعرضاً للاضطرابات الجيوسياسية، وفي الوقت نفسه يؤدي دوراً بالغ الأهمية في تشكيل المسارات المؤدية إلى تعزيز الأمن العالمي. ولهذا تبرز الحاجة إلى إقامة شراكات أكثر مؤسسية بين القطاعين العام والخاص لتطوير آليات لحماية الاستقرار وتعزيزه ومنع النزاعات أو خفض تصعيدها.
– الدور المتنامي لقطاع الأعمال في تعزيز الأمن العالمي: تدعم الشركات، وكثير منها يعمل عبر الحدود، النظام المالي العالمي، كما تدير بنى تحتية حيوية تشكل جزءاً من المشهد الأمني المعقد في الوقت الراهن. ويمتلك القطاع الخاص خبرات تقنية وقدرات تشغيلية، ويتحمل مسؤولية إدارة التداعيات الواقعية للأزمات الأمنية. ومن شأن الانتقال من المشاركة الاستشارية أو الظرفية إلى تعاون أكثر مؤسسية بين القطاعين العام والخاص أن يعزز الاستقرار العالمي ويساعد الدول على تطوير سياسات أمنية أكثر استراتيجية واستدامة. غير أن هذا التعاون يجب أن يعالج العقبات المرتبطة بالشفافية والمساءلة والثقة، والتي قد تحد من المشاركة الفعالة.
– بناء إطار للتنسيق بين القطاعين العام والخاص: لم تعد الهياكل الأمنية العالمية القائمة ملائمة للغرض المنشود، ولذلك تحتاج إلى التعزيز. وينبغي تطوير نماذج تدمج القطاع الخاص بصورة أفضل، بشكل تدريجي وقبل وقوع الأزمات. وسيتطلب النجاح إنشاء قنوات اتصال واضحة، والمشاركة في تدابير لبناء الثقة بين القطاعين العام والخاص، والاستفادة من تجارب التعاون الناجحة السابقة في مجالات مثل الأمن السيبراني.
كما أن اختبار نماذج جديدة من خلال منصات موثوقة، مثل المؤسسات الدولية أو التجمعات المصغرة أو المنظمات الإقليمية، إلى جانب تحديد الأدوار والمسؤوليات بوضوح، سيزيد من فرص نجاح هذه النماذج.
– التكنولوجيا فرصة حاسمة للتعاون الأمني بين القطاعين العام والخاص: غيّر الذكاء الاصطناعي مدى تأثير القطاع الخاص في الأمن العالمي، إذ أصبحت الشركات تطور وتمتلك وتسعّر وتنشر واحدة من أكثر التكنولوجيات أهمية في التاريخ. وينطوي دمج التعاون بين القطاعين العام والخاص في المجال التكنولوجي بأكمله على تحديات خاصة، من بينها الضغوط السياسية، والطبيعة مزدوجة الاستخدام للذكاء الاصطناعي، وتجزؤ حوكمة التكنولوجيا بين المناطق المختلفة.
ومع ذلك، يمكن بناء التعاون من خلال إنشاء آليات قطاعية وتقنية ورقابية. وسيكون القيام بذلك أساسياً لإرساء دعائم نظام أمني عالمي أوسع يستجيب لواقع القرن الحادي والعشرين.
ويمكن تأسيس التعاون والحفاظ عليه عبر عدد من الخطوات العملية. أولاً، ينبغي للقطاعين العام والخاص العمل بصورة استباقية على بناء أساس للتعاون الأمني. ومن المهم أن يبدأ هذا التعاون على نطاق محدود ثم يتوسع تدريجياً، مع تحديد مسؤوليات كل طرف بصورة واضحة.
بعد ذلك، ينبغي للقطاعين إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون عبر بناء آليات للاتصال والتنسيق والمشاركة في التخطيط المشترك أو وضع المعايير من خلال جهات موثوقة. وأخيراً، سيكون على القطاع الخاص مواصلة بناء قدرته على العمل كشريك موثوق في حماية الاستقرار العالمي.
مقدمة: مشهد الأمن العالمي الجديد
تعيد مجموعة متنوعة من الاضطرابات وطيف واسع من أصحاب المصلحة تشكيل المشهد الأمني العالمي.
بُنيت بنية الأمن العالمي من أجل عالم لم يعد موجوداً. فمنذ إنشاء النظام الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، كان الأمن في معظمه مجالاً تديره الدول، ووظيفة تعتمد على الجيوش والمعاهدات واحتكار الاستخدام المشروع للقوة. أما العالم اليوم فأسرع وأكثر ترابطاً وأقل يقيناً بكثير. وأصبحت مفاهيم الأمن العالمي والوطني والتجاري مترابطة.
فيمكن لهجوم ببرمجية فدية على ميناء في روتردام، أو تعطل قمر صناعي فوق المحيط الهادئ، أو نزاع حول ممر ملاحي في الخليج الفارسي، أن يرسل موجات صدمة عبر سلاسل الإمداد العالمية والأسواق المالية والأنظمة السياسية في مناطق بعيدة جداً عن نقطة انطلاق الحدث. فما كان يُعد سابقاً مشكلة تتعلق بالسياسة الخارجية أصبح اليوم يؤثر في عامة السكان ودوائر الأعمال على نطاق واسع.
هناك ثلاثة اضطرابات رئيسية تحدد طبيعة هذه اللحظة الجيوسياسية.
أولها عودة النزاع العسكري بوصفه أداة مستخدمة بصورة فعلية في إدارة شؤون الدول. ويشكّل الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 وحرب إيران عام 2026 تذكيراً بأن حتى النزاعات المحدودة جغرافياً يمكن أن تترتب عليها عواقب هائلة بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.
وتدور هذه النزاعات في الوقت نفسه على جبهات مادية ورقمية، مع استخدام مزيج من الأدوات التي تجمع بين الأسلحة التقليدية وتكنولوجيات الحدود المتقدمة. وتشمل الأهداف شبكات الكهرباء والكابلات البحرية ومنظومات الأقمار الصناعية، وهي بنى ضرورية للأنشطة المدنية والتجارية والعسكرية. ويمكن لبنية تحتية عابرة للحدود، مثل مراكز استضافة المواقع الإلكترونية، أن تنتقل فجأة من كونها مزود خدمة محايداً إلى هدف عسكري. ونتيجة لذلك، اندمجت مخاطر الحرب ومخاطر السلم لتشكّل مشهداً واحداً ومستمراً للتهديدات.
أما الاضطراب الثاني فهو تجزؤ المشهد المعلوماتي. فقد تراجعت الثقة في المؤسسات في الوقت الذي أصبحت فيه الاستجابة المنسقة تعتمد بدرجة متزايدة على الوعي المشترك بالأوضاع. وأصبحت المعلومات المضللة، والوسائط الاصطناعية، والسرديات التي تضخمها الخوارزميات، تشكل تصورات الجمهور بشأن النزاعات، وتغذي القلق وعدم اليقين في الوقت الفعلي، وغالباً بسرعة أكبر من قدرة الحكومات أو المؤسسات الموثوقة على الاستجابة.
وهذا يمثل نقطة ضعف هيكلية تزيد من حدة المخاوف القائمة بشأن الشفافية والمساءلة، وهي مخاوف لطالما أثرت سلباً في التعاون بين القطاعين العام والخاص.
أما الاضطراب الثالث، وربما الأكثر تأثيراً من بعض الجوانب، فهو اشتداد المنافسة التكنولوجية، وعلى رأسها المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي. إذ أصبحت القدرات المتقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي تُطوّر وتُمتلك وتُنشر بصورة شبه كاملة من جانب عدد محدود من الشركات الخاصة، إلى جانب البنى التحتية التي تدعم هذه القدرات.
وأصبحت الدول التي كانت في السابق تتمتع بسيطرة شبه حصرية على التكنولوجيات ذات التأثير الكبير، مثل الأنظمة النووية واستخبارات الإشارات وأنظمة توجيه الصواريخ، تعتمد الآن على الجهات التجارية لتوفير قدرات تتفاعل مع صميم الأمن الوطني، بل وتؤثر في الإنذار المبكر ودعم اتخاذ القرار داخل المجال النووي نفسه.
وأصبحت ضوابط التصدير وأنظمة التقييم والأسئلة المتعلقة بالوصول إلى النماذج المتقدمة أدوات من أدوات إدارة شؤون الدول، في حين تجعل الطبيعة مزدوجة الاستخدام لهذه التكنولوجيا تحديد المسؤولية عنها والسيطرة عليها أكثر صعوبة من أي حقبة سابقة في تاريخ الحوكمة الأمنية.
وعند النظر إلى هذه الاضطرابات الثلاثة مجتمعة، فإنها تقود إلى استنتاج واحد بالغ الأهمية: الآليات التي بُنيت لإدارة تهديدات الأمن في القرن العشرين لم تعد متوافقة هيكلياً مع مشهد المخاطر المتشعب في القرن الحادي والعشرين، كما أن التبني السريع للذكاء الاصطناعي ودمجه في مختلف المجالات لا يؤدي سوى إلى توسيع هذه الفجوة.
ولا شك في أن الحكومات، ولا سيما أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تتحمل مسؤولية ضمان عدم وصول البنية الجيوسياسية العالمية إلى نقطة الانهيار. لكنها ليست وحدها المسؤولة عن تحقيق هذه النتيجة، كما أنها ليست الجهات الوحيدة التي ستتحمل عواقب حدوث ذلك.
ولهذا تحديداً تستدعي اللحظة الحالية إعادة تقييم استشرافية لآليات الأمن العالمي، ليس بهدف استبدالها بالكامل، بل من أجل تعديلها وتعزيزها عبر شراكات تتناسب مع الكيفية التي تتوزع بها القوة والقدرات فعلياً في الوقت الراهن وكيفية ممارستها.
وقد أثبت الانتظار إلى حين وقوع الأزمة التالية قبل بناء بنية الاستجابة عدم فاعليته مراراً.
وتتمثل المهمة الآن في تحديد المجالات التي يمكن فيها تعزيز المؤسسات القائمة، والمجالات التي تحتاج إلى أشكال جديدة من التنسيق، والطرق التي يمكن من خلالها دمج القطاع الخاص بصورة رسمية وخاضعة للمساءلة في الآليات التي تحكم الأولويات الأمنية.
وهناك حاجة إلى نهج يجمع بين الهيكلة والمرونة: هيكلة تتيح تنسيقاً فعالاً وشفافاً، ومرونة تضمن سرعة التكيف مع مشهد أمني دائم التغير.
ولهذا أيضاً يركز التقرير عمداً على الأسس العملية للتعاون بين القطاعين العام والخاص، بدلاً من تناول المجال الأوسع لنماذج التعاون بين مختلف أصحاب المصلحة التي تضم المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والمجتمعات التقنية.
وينطلق هذا الاختيار من ضرورة تشغيلية وليس من الرغبة في استبعاد أي طرف. فالقطاع الخاص ليس مجرد صاحب مصلحة آخر لديه وجهة نظر يمكن أن يضيفها إلى النقاش. بل أصبح بصورة متزايدة الجهة التي تدير البنية التحتية والبيانات والقدرات التقنية التي يعتمد عليها الأمن الجماعي اليوم، ومن خلالها يتم توفيره: الموانئ وأساطيل الشحن التي تنقل التجارة العالمية، والمنصات السحابية والنماذج التي تدعم الحياة الرقمية، والأقمار الصناعية والكابلات البحرية التي تنقل المعلومات عبر الكوكب.
كما أن قطاع الأعمال طرف متأثر بصورة مباشرة ومتميزة، إذ يتحمل الصدمات الجيوسياسية بالقدر نفسه تقريباً الذي تتحمله الحكومات، ويصنف عدم الاستقرار بصورة متزايدة باعتباره التهديد الرئيسي لاستمرارية أعماله وقدرته على الصمود.
وأصبح امتلاك الشركات الكبرى لقدرات داخلية للتعامل مع المخاطر الجيوسياسية أمراً حيوياً، لكنه ليس كافياً بمفرده. وسيظل أي إطار للأمن العالمي لا يأخذ هذه الديناميكية في الحسبان بصورة صريحة ناقصاً، بصرف النظر عن عدد الجهات الفاعلة الأخرى التي يضمها.
ومن المهم التأكيد على أن القطاع الخاص ليس كياناً واحداً متجانساً. فهو يضم طيفاً واسعاً للغاية من الجهات الفاعلة ذات نماذج الأعمال والمصالح المتنوعة. ولذلك ينبغي فهم الأمثلة والآليات التي يناقشها هذا التقرير في ضوء هذا التنوع، وليس باعتبارها دليلاً على وجود نموذج موحد وعالمي للمشاركة بين القطاعين العام والخاص.
وبما أن التقرير يركز على الأمن، فإن عدداً من الأمثلة يتعلق بهياكل الدفاع. لكن هذا لا يعني أنها قابلة للتطبيق عالمياً أو أنها مفيدة في جميع السياقات، وإنما تقدم دروساً حول كيفية سعي الاقتصادات المتقدمة إلى معالجة هذه القضايا.
وتبحث الفصول التالية في الشكل الذي يمكن أن تتخذه بنية أكثر تعمداً للتعاون الأمني بين القطاعين العام والخاص، والمبادئ التي ينبغي أن تحكمها، والمفاضلات التي يجب التعامل معها بواقعية وشفافية، والحالة الخاصة لتكنولوجيات الحدود المتقدمة، حيث بلغ انقلاب الأدوار التقليدية بين الدولة والقطاع الخاص مستوى أكثر تقدماً وتأثيراً.
ويختتم التقرير بمجموعة من التوصيات الرامية إلى إضفاء الطابع المؤسسي على هذا التفاعل قبل وقت طويل من وقوع الأزمات. ولا يتمثل الطموح في إنشاء مؤسسة عالمية ضخمة جديدة، بل في بناء مجموعة أكثر قدرة على الصمود وموثوقية واختباراً من علاقات العمل، يتم تطويرها قبل الأزمة التالية وليس أثناءها.
1. مبررات التعاون الأمني بين القطاعين العام والخاص
يتأثر قطاع الأعمال بصورة متزايدة بالصدمات التي تصيب الأمن العالمي، في الوقت الذي يدير فيه قدرات ضرورية للاستجابة لأزمات اليوم.
بقلم: كارولين بيرسون، سفيان الخطيب، وتونغ تشاو
خلال الجزء الأكبر من العقود الثلاثة والنصف الماضية، كان القطاع الخاص معزولاً إلى حد كبير عن الشؤون العالمية. أما الآن فلم يعد الأمر كذلك. فقد أدى استمرار تكامل الأسواق وتوسع سلاسل الإمداد، مقترناً بالتقلبات الجيوسياسية، إلى جعل التطورات العالمية تؤثر اليوم بصورة مباشرة في عمليات الشركات.
وينطبق الأمر نفسه في الاتجاه المعاكس أيضاً، إذ لم يعد المشهد الجيوسياسي، وخصوصاً مجال الأمن العالمي، منفصلاً عن قرارات قطاع الأعمال، لأن الأمن أصبح يتشكل بدرجة متزايدة بفعل التكنولوجيات المتقدمة وأنظمة الطاقة والقدرات اللوجستية التي يطورها القطاع الخاص أو يديرها.
وعلى الرغم من أن التعاون بين القطاعين العام والخاص في القضايا ذات الأهمية العالمية ليس جديداً، فإنه غالباً ما كان ذا طبيعة تفاعلية وظرفية، حيث يجتمع قادة الأعمال والحكومات بعد وقوع الأزمة، كما حدث خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 أو جائحة كوفيد-19.
أما البيئة الجيوسياسية غير القابلة للتنبؤ اليوم فتتطلب أن يصبح التعاون بين القطاعين العام والخاص أكثر استباقية واستدامة، وأن يتحول إلى ممارسة راسخة تبني الثقة، وتوضح الأدوار، وتنشئ قنوات موثوقة للتنسيق.
وعندما يُصمَّم هذا التعاون بصورة جيدة، يمكن للتعاون المتعمد بين القطاعين العام والخاص أن يساعد الحكومات على وضع سياسات أكثر استنارة، وأكثر قابلية للتنفيذ، وأكثر ملاءمة لعالم أصبحت فيه التطورات الجيوسياسية والعمليات التجارية شديدة الترابط.
ومع ذلك، توجد عوائق كبيرة أمام التنسيق بين القطاعين العام والخاص في مسائل الأمن العالمي. ومن أبرزها كيفية التغلب على احتمالات انعدام الثقة والتصورات المتعلقة بتعارض المصالح.
وقد لا تكون معالجة هذه التحديات سهلة، لكنها ضرورية، لأن تطوير نهج فعال للتعاون بين القطاعين العام والخاص سيكون عاملاً حيوياً في تعزيز الأمن العالمي.
الدور المتنامي لقطاع الأعمال في تعزيز الأمن العالمي
هناك ثلاثة عوامل توضح لماذا أصبحت مشاركة القطاع الخاص في الجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار العالمي ضرورة: الشركات تتأثر بصورة متزايدة بتطورات الأمن العالمي، وهي تدير أنظمة تشكل المشهد الأمني العالمي، كما تمتلك خبرات ذات صلة بمعالجة التحديات الأمنية المتغيرة في الوقت الراهن.
ونتيجة لذلك، أصبحت إدارة الأزمات الأمنية أقل اعتماداً على التسلسل الهرمي وأكثر اعتماداً على شبكات من الجهات الفاعلة القادرة على التنسيق عبر القطاعات والاختصاصات القضائية المختلفة.
وقد أدى السياق الجيوسياسي الراهن، الذي يتسم بقدر أكبر من عدم اليقين، إلى تعرض الشركات بصورة متزايدة للصدمات الجيوسياسية والأمنية. وتتعامل الشركات مع نتائج المواقف الجيوسياسية من خلال التعريفات الجمركية والعقوبات وضوابط التصدير والتهديدات السيبرانية واضطرابات سلاسل الإمداد والتجزؤ التنظيمي.
ونتيجة لذلك، أشار كبار التنفيذيين إلى عدم الاستقرار الجيوسياسي باعتباره أبرز تهديد للنمو الاقتصادي العالمي، وفقاً للاستطلاعات التي أجرتها شركة ماكينزي آند كومباني.
كما أظهرت حرب إيران عام 2026 مدى أهمية حرية الملاحة لاقتصادات دول العالم وللقطاع الخاص أيضاً. ووفقاً لبعض التقديرات، كلفت الحرب الشركات في مختلف أنحاء العالم أكثر من 25 مليار دولار بعد نحو شهرين، رغم استفادة بعض الشركات من ارتفاع تكاليف الطاقة.
وبالإضافة إلى ذلك، تُعد الشركات مزودة للقدرات. إذ يؤدي القطاع الخاص دوراً متزايداً في إدارة الأنظمة المحورية في الأوضاع الأمنية. ففي مجالي الأمن البحري وأمن الطاقة، على سبيل المثال، تقع الموانئ وأساطيل الشحن والشبكات اللوجستية وأصول الطاقة في كثير من الأحيان خارج السيطرة المباشرة للدولة، أو ترتبط بعدة دول في الوقت ذاته.
ولذلك تعتمد الحكومات على الجهات الخاصة في جهود التخفيف من المخاطر، وضمان الوصول، والحفاظ على الاستمرارية التشغيلية للقدرات الأساسية اللازمة لإدارة التحديات الجيوسياسية.
وقد تكون إحدى السمات الرئيسية للبيئة الأمنية اليوم ليست فقط التمييز بين المجالات الناشئة والمجالات التقليدية، بل أيضاً بين الأنظمة الأمنية الخاضعة لسيطرة الدول والأنظمة الأمنية القائمة على الشبكات.
وفي الوقت نفسه، تؤدي شركات القطاع الخاص دوراً سريع التوسع حتى في المجالات الأمنية التقليدية التي كانت تُعد سابقاً مجالاً شبه حصري للدولة. ولم يعد تأثيرها مقتصراً على المشتريات، بل امتد إلى تطوير القدرات والدعم التشغيلي، وبصورة متزايدة، إلى تشكيل المفاهيم والاستراتيجيات العسكرية.
وبالتالي أصبحت النتائج الأمنية تعتمد على أنظمة يديرها القطاع الخاص وتتطور بوتيرة أسرع من التنسيق الرسمي بين الحكومات أو من عمليات صنع السياسات.
فعلى سبيل المثال، تطور شركات خاصة متخصصة في الروبوتات والذكاء الاصطناعي ذخائر ومنصات ذاتية وشبه ذاتية التشغيل، إلى جانب أنظمة للاستشعار والاستهداف وإدارة ساحات القتال مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتحد هذه التطورات من الهيمنة التاريخية للدولة على الابتكار العسكري، وتتحدى المفاهيم الموروثة للحروب البرية والجوية والبحرية التي صاغتها عقائد أمنية تعود إلى حقبة سابقة.
حتى المجال النووي، الذي يُعد من أكثر مجالات الأمن الوطني سرية وخضوعاً لسيطرة الدولة، أصبح يعتمد بدرجة أكبر على مزودي التكنولوجيا من القطاع الخاص.
إذ يجري دمج قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدم والبرمجيات والاستشعار ومعالجة البيانات في أنظمة الإنذار الاستراتيجي وإدارة القوات والخدمات اللوجستية وبعض عناصر أنظمة دعم القيادة والسيطرة.
وعندما تُقاس فترات اتخاذ القرار بالدقائق بدلاً من الساعات في حال حدوث تبادل محتمل للأسلحة النووية، فقد يبدأ القادة الوطنيون بالاعتماد على أنظمة تحليل متقدمة لدمج بيانات أجهزة الاستشعار، وتفسير الإنذارات المبكرة، واكتشاف الأنماط غير الاعتيادية، ودعم اتخاذ القرار.
وقد يشكل هذا الاعتماد تحدياً للتردد التاريخي في منح الجهات الخاصة حق الوصول إلى أكثر الأنظمة العسكرية حساسية، كما قد يخلق فرصاً غير مسبوقة للشركات الخاصة، مثل شركات الذكاء الاصطناعي المتقدم، للتأثير في تطوير قدرات ذات أهمية استراتيجية، وبشكل غير مباشر، في العقيدة العسكرية.
وفضلاً عن ذلك، أصبحت مجالات كان يُعتقد سابقاً أنها بعيدة إلى حد كبير عن القضايا الأمنية متداخلة معها بدرجة متزايدة.
فعلى سبيل المثال، وضعت أحداث السنوات القليلة الماضية صناعة الشحن في الخطوط الأمامية لتطورات الأمن العالمي. وعلى الرغم من تأكيد الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية في أبريل 2026 أن الشحن والبحارة ينبغي ألا يُستخدموا مطلقاً كوسيلة ضغط في النزاعات الجيوسياسية، فقد أصبحت الأصول البحرية بالفعل أداة ضغط من هذا النوع.
وتقدم صناعة الأغذية والزراعة مثالاً آخر، إذ تدير الشركات الخاصة شبكات الشراء والإنتاج والتخزين والتوزيع التي تدعم توافر الغذاء عبر الحدود.
وعندما تؤدي النزاعات أو الأحداث المناخية أو اضطرابات النقل إلى توقف التدفقات التجارية، غالباً ما تكون هذه الشركات أول من يستطيع معرفة الأماكن التي قد تظهر فيها حالات النقص، والمسارات التي لا تزال قابلة للاستخدام، والسرعة التي يمكن بها إعادة توجيه الإمدادات.
ولا تؤثر قرارات هذه الشركات في استمرارية الأعمال التجارية فحسب، بل أيضاً في الأمن الغذائي واستقرار الأسعار والقدرة الاجتماعية على الصمود.
ولا يعني التعاون بين القطاعين العام والخاص في هذا السياق إضفاء الطابع العسكري على النظام الغذائي، بل الاعتراف بأن استمرار تدفق السلع الاستهلاكية يشكل في حد ذاته جزءاً من أجندة أوسع للاستقرار وعنصراً أساسياً في الأمن العالمي.
وقد أدى كل ذلك إلى تحول الشركات، بدافع الضرورة، إلى جهات تمتلك خبرة متزايدة في الجغرافيا السياسية والأمن.
كما أصبحت المعرفة التقنية أكثر تمركزاً خارج الحكومات، في حين تُنتج المعلومات ذات الصلة بصنع القرارات الأمنية عبر عدد كبير من أصحاب المصلحة، بما في ذلك مجتمع الأعمال.
وتتيح الأدوات التحليلية المتقدمة والبيانات الفورية وعلاقات الأعمال للشركات فهم الآثار العملية للتحولات الجيوسياسية بسرعة، وأحياناً أسرع من غيرها من أصحاب المصلحة.
ومن المهم أيضاً أن الشركات متعددة الجنسيات كثيراً ما يكون لديها موظفون وموردون وعملاء في مناطق متأثرة بالنزاعات ولا تحظى بخدمات كافية من الآليات الأمنية التقليدية.
وفي مثل هذه السياقات على وجه الخصوص، تستطيع الشركات تنبيه أصحاب المصلحة الآخرين إلى أن نزاعاً ما بدأ في الظهور أو التفاقم، أو إلى أن منطقة معينة تحتاج إلى قدر أكبر من الاهتمام.
وتُعد هذه الخبرة ضرورية للاستجابة للاضطرابات التي تصيب الأمن والاستقرار العالميين.
الثقة: عائق حالي وعامل تمكين مستقبلي
يتمثل أحد أبرز التحديات العملية أمام التعاون بين القطاعين العام والخاص لتعزيز الأمن العالمي في بناء الثقة في بيئة تسودها الشكوك.
فالحكومات والجهات الخاصة لديها حوافز متباينة هيكلياً: الدول تعطي الأولوية للنتائج الأمنية والسيطرة على المعلومات الحساسة، في حين تعطي الشركات الأولوية للجدوى التجارية وحماية السمعة وإمكانية التنبؤ بالبيئة التنظيمية.
ولن تختفي هذه الاختلافات، لكن يمكن التعامل معها وإدارتها.
وفي كثير من الأحيان، تنظر الجهات الأمنية التقليدية إلى مشاركة القطاع الخاص في الشؤون العالمية على أنها قناة للتأثير التجاري بدلاً من كونها وسيلة لحل المشكلات بما يخدم المصلحة العامة.
ولهذا السبب، ورغم أن الحكومات كثيراً ما تقدر المساهمات المحدودة التي يقدمها قطاع الأعمال، فإن الدمج المنهجي للقطاع الخاص في السياسات والعمليات الأمنية لا يزال غير شائع.
ومن حق الحكومات أن تتحوط ضد التأثير التجاري الضيق، مثلما يحق للشركات أن تكون حذرة من العمليات غير الشفافة والتعرض للمخاطر السياسية.
لكن هذا التصور بشأن عدم توافق الحوافز يحول دون وصول التعاون إلى كامل إمكاناته، ويؤدي إلى سياسات وتنفيذ دون المستوى الأمثل.
ورغم أن الحوافز ليست متطابقة بالكامل، فإن بينها نقاط تقاطع. إذ تتشارك الحكومات والشركات مصلحة في الاستقرار والقدرة على الصمود وإمكانية التنبؤ وصنع القرارات المستندة إلى معلومات جيدة، حتى إن كانت تعمل وفق أشكال مختلفة من المساءلة وآفاق زمنية مختلفة وقيود متباينة على المخاطر.
كما يمكّن التعاون الحكومات من اكتساب فهم أوضح لكيفية انتقال آثار السياسات عبر الأنظمة التجارية والاقتصادية، في حين تستفيد الشركات من التبادلات التي تسهل التخطيط والاستثمار طويل الأجل.
ويمكن بناء الثقة بين القطاعين العام والخاص عبر إدارة هذه الاختلافات وتحديد المصالح المتوافقة واعتمادها.
وفي الوقت نفسه، يستطيع قطاع الأعمال والحكومة، من خلال تنسيقهما المشترك، تعزيز ثقة الجمهور في السياسات الأمنية.
وتشير تحليلات معهد إدلمان للثقة إلى أن الشركات يُنظر إليها باعتبارها جهات تتمتع بدرجة نسبية من الكفاءة والأخلاقيات مقارنة ببعض المؤسسات الأخرى، وأن الجمهور يرى أن التعاون بين قطاع الأعمال والحكومة أكثر احتمالاً لإنتاج إجراءات بناءة من عمل كل طرف بمعزل عن الآخر.
ومن الضروري أن يُنظر إلى التعاون على أنه يحقق نتائج تخدم المصلحة العامة، وليس مجرد وسيلة للحصول على امتياز في الوصول إلى صناع القرار.
ولهذا ينبغي للحكومات أن تتعامل مع مشاركة القطاع الخاص باعتبارها عنصراً استراتيجياً في التخطيط الأمني، لا مجرد مصدر ظرفي للاستشارة خلال الأزمات.
وبالمثل، ينبغي للشركات الاستثمار في القدرات اللازمة للمشاركة الفعالة، بما في ذلك التحليل الجيوسياسي، والاستعداد للأزمات، والحوكمة على مستوى الإدارة التنفيذية، والآليات الموثوقة لتبادل المعلومات.
وينبغي للشركات أن تدرك قيمة الرؤى التشغيلية والخبرة التقنية التي تستطيع تقديمها للأولويات الأمنية العالمية، وأن تتعامل بصورة مباشرة وشفافة مع الحكومات بشأن هذه المسائل.
وتظل الشفافية والمساءلة وهياكل الحوكمة القابلة للتنبؤ عوامل بالغة الأهمية. ومع نضج هذه الآليات، يمكن أن تتطور الثقة تدريجياً مع مرور الوقت.
2. بناء آليات التعاون
ينبغي لآليات التعاون بين القطاعين العام والخاص أن تتوسع انطلاقاً من العلاقات القائمة والموثوقة.
بقلم: دبي أبو الهول الفلاسي، راشيل إليهووس، دينا إسفندياري، فلورنس غاوب، ولين كوك
ينبغي تطبيق عدة مبادئ على التعاون بين القطاعين العام والخاص في قضايا الأمن العالمي.
ففي الحد الأدنى، ينبغي أن ينتقل تبادل المعلومات من التبادلات الظرفية إلى ممارسة مؤسسية، في حين ينبغي بناء آليات الحوكمة على أساس قابلية التشغيل البيني حتى تتمكن الجهات العامة والخاصة من الاستجابة بصورة جماعية أثناء الاضطرابات.
كما ينبغي لأطر المساءلة أن توضح المسؤوليات قبل وقوع الأزمات، لا أثناءها.
وعند وضع هذه الأهداف موضع التنفيذ، سيتعين على أصحاب المصلحة أولاً معالجة مجموعة من الاعتبارات المهمة.
فالتعاون بين القطاعين العام والخاص لا يخلو من مفاضلات، ولذلك يجب على قادة الأعمال والحكومات تقييم هذه المسائل والعمل على معالجتها منذ البداية حتى لا تتحول إلى عوائق أمام التعاون بعد إنشاء الآليات.
ورغم أن هذه الاعتبارات لا تنطبق بالدرجة نفسها على جميع الصناعات، فإن ستة منها تستحق اهتماماً خاصاً:
– الشفافية مقابل حماية الأصول الحساسة: يتعين على القطاع الخاص الموازنة بين مشاركة المعلومات مع الحكومة وحماية ملكيته الفكرية وموقعه التنافسي. ويواجه القطاع العام معضلة موازية، إذ قد يحصل على بيانات قيّمة من قطاع الصناعة، لكنه قد يعرض بذلك مصادر وأساليب حساسة للكشف.
– مخاطر السمعة: يواجه كلا الطرفين احتمال تضرر السمعة نتيجة الارتباط الوثيق بالطرف الآخر. فإذا بدا أن القطاع الخاص متحالف بصورة مفرطة مع الحكومة، فقد يشعر العملاء بالقلق بشأن خصوصيتهم. وفي المقابل، قد تواجه الحكومة تصوراً بأنها تُخضع المصلحة العامة للضغوط التجارية أو أنها واقعة تحت نفوذ مصالح خاصة.
– التكاليف التجارية المباشرة: قد تطلب الحكومة من القطاع الخاص تقييد تكنولوجيا معينة أو حجبها للمصلحة العامة، مما قد يقلل الأرباح المحتملة أو يحد من الوصول إلى بعض الأسواق.
– المتطلبات التنظيمية مقابل المرونة والابتكار: قد يُطلب من القطاع الخاص الامتثال للوائح جديدة أو الاستثمار في المرونة وتخفيف المخاطر، وهي استثمارات ربما لم يكن ليعطيها الأولوية لولا ذلك، وهو ما قد يقلل من المرونة أو يبطئ الابتكار. وتترتب على ذلك تكاليف حقيقية، وقد تصبح السرعة والقدرة على التكيف خاضعتين لمتطلبات الامتثال والإجراءات.
– الاعتماد المتبادل والمخاطر النظامية: يتيح التعاون تقاسم الأعباء والوصول إلى البيانات والموارد المشتركة، لكنه ينشئ أيضاً علاقات اعتماد متبادل قد تؤدي إلى ظهور نقاط ضعف جديدة، وهي مخاطر ربما لم تكن لتوجد لو عمل كل طرف بصورة مستقلة.
– ترتيب أولويات المصالح: قد ينشأ توتر بين التزامات الأمن الوطني والمصالح التجارية العالمية. وقد يظهر ذلك عندما تغير الشركات ممارساتها التجارية استجابة للمخاوف المتعلقة بالأمن الوطني، حتى عندما يؤدي ذلك إلى تقييد الفرص التجارية.
وقد لا يكون التعامل مع هذه القضايا سهلاً في كثير من الحالات، ولا ينبغي أن يكون الهدف هو القضاء عليها تماماً. بل ينبغي الاعتراف بها وإدارتها بشفافية.
وهنا يمكن للمنظمات الدولية أو مراكز الفكر المساعدة عبر توفير بحوث مستقلة ومنصات محايدة للتفاعل واختبار القرارات تحت الضغط، بحيث تعمل في نهاية المطاف كمساحة آمنة لمحاولة تضييق الفجوة بين الحكومة والقطاع الخاص.
البدء على نطاق محدود ثم التوسع
نادراً ما تتمثل العقبة أمام توسيع التعاون الأمني بين القطاعين العام والخاص في نقص الأفكار؛ بل تتمثل في نقص الأطر المؤسسية التي تملك الموارد اللازمة للحفاظ على هذه الأفكار واستدامتها.
وغالباً ما تكون الاستجابة الافتراضية هي إنشاء هيئة جديدة، غير أن ذلك يفاقم المشكلة عبر إضافة تكاليف تنسيق جديدة إلى مشهد يعاني أصلاً من التجزؤ.
ويتمثل النهج الأكثر إنتاجية في العمل من خلال ما هو قائم بالفعل، وتحديد التجمعات التي يتمتع أعضاؤها بعلاقات ثقة راسخة، ومرونة في اتخاذ القرارات، وواجهات فعالة مع القطاع الخاص، وهي عناصر لا تستطيع الهيئات متعددة الأطراف ذات العضوية العالمية توفيرها هيكلياً بالدرجة نفسها.
وتُعد التجمعات المصغرة نقاط ارتكاز طبيعية لهذه الاستراتيجية. ولا ينبغي أن يتمثل الهدف في تثبيت التعاون الأمني داخل تكتلات حصرية، بل في استخدام بيئات أصغر حجماً وعالية الثقة لاختبار الآليات التي يمكن لاحقاً تكييفها ضمن منصات إقليمية ومتعددة الأطراف وعابرة للقطاعات على نطاق أوسع.
ويمكن لمجموعة الدول السبع وغيرها من التجمعات الصغيرة نسبياً وعالية الثقة، التي تتميز بوجود مساءلة متبادلة، أن تعمل كساحات مفيدة للاختبار.
كما تستطيع التحالفات الرسمية والمنظمات الإقليمية الأوسع نطاقاً، مثل حلف شمال الأطلسي ورابطة دول جنوب شرق آسيا والاتحاد الأفريقي، توفير منصات لتكييف النماذج الناجحة وتوسيع نطاق استخدامها.
ومن المهم أن عدداً من هذه المؤسسات يمتلك بالفعل قنوات عمل فعالة مع القطاع الخاص يمكن تعميقها بدلاً من إنشائها من الصفر.
فمجموعة الأعمال السبع، وهي النظير الخاص بقطاع الأعمال لمجموعة الدول السبع وتضم أبرز اتحادات الصناعة من الدول السبع الأعضاء، تقدم بالفعل توصيات سياسية للحكومات بشأن الأمن الاقتصادي والمرونة السيبرانية، بما في ذلك دعوات صريحة لتعزيز معايير البنية التحتية الحيوية والاستعداد السيبراني الدولي.
كما تنسق مجموعة خبراء الأمن السيبراني التابعة لمجموعة الدول السبع، التي تأسست عام 2015، سياسات الأمن السيبراني وتجري تدريبات سنوية عابرة للحدود بين الدول الأعضاء.
وهذه ليست مجرد آليات استشارية هامشية، بل منصات راسخة للتعاون المستدام يمكن تكليفها بمعالجة نطاق أوسع من القضايا المتعلقة بالتعاون الأمني بين القطاعين العام والخاص.
وبالمثل، تعمل المجموعة الاستشارية الصناعية التابعة لحلف شمال الأطلسي، التي تمثل أكثر من 5,000 شركة في دول الحلف، على الربط بين متطلبات القدرات الحكومية والقدرات الصناعية.
كما تمتلك منظومة التعاون الدفاعي لدول الشمال الأوروبي، التي تسهّل التعاون بين خمس دول شمالية، مشاركة دائمة من القطاع الصناعي من خلال مجموعة التعاون الصناعي الدفاعي لدول الشمال الأوروبي.
وتنبع من ذلك منطقية واضحة للتوسع: ينبغي للأطر المصغرة أن تعمل كمختبرات لإثبات جدوى المفاهيم.
فعندما يثبت نموذج للتعاون فاعليته داخل تجمع أصغر وأكثر ثقة، يمكن عرض مخرجاته ومعاييره وممارساته لكي تعتمدها تحالفات أوسع، ومن ثم المؤسسات متعددة الأطراف.
فعلى سبيل المثال، اختبر برنامج COSMIC في سنغافورة تبادل المعلومات الاستخباراتية المالية بين البنوك بصورة آمنة، قبل أن يؤثر في أطر أوسع لمكافحة غسل الأموال.
ويساعد اختبار النماذج على نطاق أصغر قبل توسيعها على تفادي خطأ محاولة تصميم نموذج عالمي قبل إثبات فاعليته.
كما ينشئ هذا النهج مساراً عملياً لاجتذاب الجهات غير المنحازة أو المترددة في البداية، لأن النتائج المثبتة أكثر إقناعاً من المخططات المؤسسية النظرية.
البناء على النتائج الحديثة
لا ينبغي النظر إلى تفعيل التعاون بين القطاعين العام والخاص على أنه صفقة كبرى واحدة، بل باعتباره عملية متدرجة شبيهة بتدابير بناء الثقة التي أثبتت فعاليتها في دبلوماسية الحد من التسلح خلال الحرب الباردة: طوعية وتدريجية ومصممة لبناء القدرة على التنبؤ قبل طلب تحمل قدر أكبر من الانكشاف والمخاطر.
وعند تطبيق هذا النهج على التعاون الأمني بين القطاعين العام والخاص، فإنه يعني عدم البدء مباشرة بتبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن التهديدات النشطة، حيث تكون المخاطر والانكشاف في أعلى مستوياتهما، وإنما البدء بتنسيق منخفض المخاطر، مثل توحيد المصطلحات، وإنشاء قنوات اتصال للأزمات، وحتى إجراء تدريبات مشتركة تحاكي سيناريوهات مختلفة.
وتساعد هذه الأنشطة على بناء البنية التحتية للعلاقات التي يمكن أن يستند إليها لاحقاً تعاون أكثر تقدماً وحساسية.
وتوضح المبادرة المشتركة للدفاع السيبراني، التي أنشأتها وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية عام 2021، إمكانات هذا النهج وحدوده في الوقت ذاته.
فقد أظهرت استجابتها لثغرة Log4Shell في ديسمبر 2021 أن التعاون التشغيلي بين القطاعين العام والخاص ممكن عندما تكون العلاقات القائمة مسبقاً والتفويضات الواضحة موجودة بالفعل، ما يتيح تطوير وعي مشترك بالأوضاع بسرعة.
وعملت المبادرة باعتبارها آلية للتنسيق الفوري بين القطاعين العام والخاص، ولا سيما في تبادل المعلومات الذي بدأ خلال ساعات من الإعلان عن الثغرة.
والأهم أن فاعلية المبادرة جاءت تحديداً من حقيقة أنها أُنشئت قبل الأزمة وليس أثناءها؛ فقد استطاعت الشركات المتنافسة التصرف كجهات نظيرة وتبادل المعلومات السريعة التطور بشأن الوضع لأن الإطار اللازم لذلك كان موجوداً بالفعل.
والدرس بالنسبة إلى مجالات الأمن الأوسع، بما في ذلك المجالات التي تتجاوز الأمن السيبراني، هو أن المسار الممتد من خفض التصعيد إلى التعاون يجب بناؤه خلال فترات الهدوء النسبي.
أما انتظار وقوع الأزمة لتصميم بنية الاستجابة فهو، من الناحية الهيكلية، انتظار إلى وقت متأخر جداً.
كما يوضح التنسيق الأحدث بين صناعة الشحن والحكومات استجابة للأزمات الأمنية مدى فعالية التعاون بين القطاعين العام والخاص، لكنه يؤكد أيضاً ضرورة توسيعه ليتجاوز فترات الأزمات الأمنية.
فعلى سبيل المثال، أجرت حكومات عمليات بحرية لحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر عقب تصاعد هجمات الحوثيين على السفن التجارية، ومن بينها عملية EUNAVFOR ASPIDES التي أطلقها الاتحاد الأوروبي عام 2024.
كما أدت هذه الاستجابة إلى زيادة تبادل المعلومات من خلال إطلاق مركز المعلومات البحرية المشترك، الذي يجمع معلومات مفتوحة المصدر من الحكومات والمنظمات الدولية وغيرها من أصحاب المصلحة لتمكين شركات الشحن من تقييم المخاطر بسرعة بما يدعم التخطيط التشغيلي وصنع القرار.
ولا يزال هذا المركز قائماً، كما يقدم تحديثات بشأن الأوضاع الأمنية في مضيق هرمز.
ورغم أن هذه تطورات إيجابية، فإنها تعكس أيضاً ميلاً إلى ظهور التعاون كرد فعل على الأزمات بدلاً من أن يكون نتيجة تخطيط مسبق.
ولهذا هناك حاجة إلى حوار أكثر تنظيماً واستمرارية بين الحكومات ومختلف أصحاب المصلحة المشاركين في هذه الصناعة، بما في ذلك مشغلو البنية التحتية الوطنية الحيوية، وشركات الشحن، ومالكو السفن، والتجار، وشركات التأمين، وأطقم السفن، وذلك خارج فترات الهجمات الكبرى والنزاعات.
ومن شأن ذلك مساعدة جميع الأطراف على فهم قدرات بعضها بعضاً بصورة أفضل، وتطوير بروتوكولات مشتركة بشأن المسائل ذات الاهتمام المشترك، مثل تحديد الحالات التي يمكن فيها للسفن تعطيل بث أنظمة التعرف الآلي بهدف الحد من المخاطر الأمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي والأمني.
3. التكنولوجيا: فرصة ملحّة للتعاون
يتطلب عصر الذكاء الاصطناعي نماذج جديدة للتعاون في مجال الأمن العالمي.
بقلم: كات دافي وسمير ساران
خلال معظم القرن الماضي، كانت التكنولوجيات ذات التداعيات الوجودية أو النظامية على الأمن مملوكة للدولة بحكم التصميم.
فقد كانت أنظمة مثل منشآت المواد الانشطارية، وأنظمة توجيه الصواريخ، والبنية التحتية لاستخبارات الإشارات، سرية وممولة من ميزانيات الدفاع، ويشغلها موظفون يحملون تصاريح أمنية.
وكان القطاع الخاص يزود الحكومات بالأنظمة الفرعية والمكونات، لكنه لم يكن يمتلك القدرات الأساسية بالكامل.
كما صُممت البنى الأمنية وآليات الحوكمة، مثل معاهدات عدم الانتشار النووي وأنظمة ضوابط التصدير الاستراتيجية، للحد من انتشار التكنولوجيات ذات التأثير الكبير.
أما الذكاء الاصطناعي فيقلب هذا النموذج بالكامل.
وتوجد أربع سمات مميزة للمجال الأمني في عصر الذكاء الاصطناعي: ملكية القطاع الخاص، والطبيعة مزدوجة الاستخدام للتكنولوجيا، وغموض تحديد المسؤولية، والبنية التحتية الرقمية التي تقوم عليها هذه التكنولوجيا.
ولذلك يجب أن يبدأ التفكير في التعاون مع القطاع الخاص من الاعتراف بأنه موجود بالفعل في صميم البنية الأمنية.
فالقدرات الأكثر تأثيراً في عالم اليوم، وهي نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، يجري تطويرها وامتلاكها وتسعيرها ونشرها من جانب عدد محدود من الشركات الكبرى التي توفر بنى حوسبة ضخمة.
وتمتلك هذه الشركات وتدير طبقات متعددة من منظومة الذكاء الاصطناعي، منها البنية التحتية السحابية، والقدرات الحاسوبية، ومسارات البيانات.
كما تحدد الشروط وديناميكيات التوزيع التي تشكل إمكانية الوصول إلى القدرات في عصر الذكاء الاصطناعي.
ورغم تمركز هذه الشركات في عدد محدود من الدول، فإن نطاق تأثيرها واسع، إذ تدعم منصاتها التجارة والاتصالات والدفاع والحوكمة في مختلف أنحاء العالم.
والدول ليست الوصي الفعلي على هذه التكنولوجيات المتقدمة، لكنها كثيراً ما تسعى إلى ممارسة السيطرة عليها.
غير أن الشركات نفسها هي التي تتمتع بنفوذ هائل في هذا المجال. فعندما تقيد شركة للذكاء الاصطناعي الوصول الأولي إلى أكثر نماذجها قدرة، يمكن أن تغير بدرجة كبيرة القدرات الاستراتيجية لدولة ما.
ولهذا تشكل هذه الشركات وأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تديرها نقاط تحكم طبيعية لأي بنية أمنية.
وسيتعين على الحكومات والصناعات المختلفة في القطاع الخاص إيجاد طرق لبناء الثقة والتعاون مع هذه الشركات إذا أُريد دمج الذكاء الاصطناعي ومعالجة آثاره بصورة صحيحة في الأطر الأمنية المستقبلية.
كانت المقاربات الأمنية في القرن السابق تفترض إمكانية تحديد الجهات والأصول، وإمكانية تحديد المسؤولية عن الأفعال.
أما في حالة الذكاء الاصطناعي، فالقدرة موزعة على بنى تحتية تابعة للشركات، ويتم تحديثها باستمرار، وقد لا تكون آثارها متوقعة بالكامل حتى لدى الشركات التي طورت النموذج ودربته، إلى أن يجري تقييمه أو نشره.
وفضلاً عن ذلك، يمكن استخدام النموذج الأساسي نفسه لأغراض دفاعية وهجومية، وغالباً من خلال تعديلات محدودة على التعليمات أو طبقات البرمجيات المحيطة به أو طرق توزيعه.
وتجعل هذه الطبيعة مزدوجة الاستخدام التنظيم أكثر صعوبة، لكنها تجعل أيضاً الاعتماد على التصحيح الذاتي للأسواق وحدها خياراً غير واقعي.
ويزداد الأمر تعقيداً عند محاولة تحديد المسؤولية.
فعندما تعمل أدوات استغلال الثغرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وحملات التضليل، والوكلاء المستقلون عبر الحدود والمنصات، فإنها تطمس الحدود بين المطور والجهة التي تنشر النظام والمستخدم والوسيط.
وبذلك تصبح المسؤولية موزعة حتى عندما يكون الضرر مركزاً.
وعندما يكون تحديد المسؤولية غامضاً، يصبح الردع أكثر صعوبة في التطبيق، لأنه لا يعود واضحاً من يجب معاقبته أو تقييده أو إجباره على تغيير السلوك.
ولذلك تصبح الأدوات الأمنية القديمة، القائمة على تحديد المسؤولية والردع والسيطرة، عاجزة عن معالجة المشكلة بالكامل، ما يجعل بناء بنية جديدة شرطاً مسبقاً للتعاون الأمني.
آليات التعاون في أمن الذكاء الاصطناعي
إن تعميق التعاون بين القطاعين العام والخاص في التكنولوجيات المتقدمة يعني دمج القطاع الخاص داخل الديناميكيات التشغيلية للأمن نفسه.
ويبدو أن أكثر البنى الواعدة لتحقيق ذلك يجب أن تكون قطاعية وتقنية ورقابية في الوقت ذاته.
ويمكن أن تتمثل إحدى الآليات القطاعية في شبكات موثوقة لتبادل المعلومات بشأن الحالات غير الاعتيادية، تشارك فيها شركات الحوسبة السحابية الكبرى، ومطورو النماذج، وشركات الاتصالات، إلى جانب فرق الاستجابة لطوارئ الحاسوب والوكالات الوطنية المعنية بالأمن، لتبادل مؤشرات إساءة الاستخدام المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتوجد نماذج شبيهة بذلك بالفعل في الأمن السيبراني، حيث تساعد مجموعات تبادل معلومات التهديدات، مثل مراكز تبادل المعلومات وتحليلها القطاعية، والترتيبات الوطنية لدمج المعلومات السيبرانية، الجهات العامة والخاصة على اكتشاف الهجمات المنسقة بسرعة.
فعلى سبيل المثال، تجمع المبادرة المشتركة للدفاع السيبراني في الولايات المتحدة وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية مع شركاء كبار من قطاع الصناعة، مثل مايكروسوفت وغوغل وأمازون ويب سيرفيسز، لتبادل مؤشرات الاختراق في الوقت الفعلي.
وفي مجال الذكاء الاصطناعي، لن يقتصر مثل هذا الترتيب على مشاركة عناوين بروتوكول الإنترنت أو بصمات البرمجيات الخبيثة، بل سيشمل أيضاً أنماط التعليمات، وسلوكيات إساءة استخدام النماذج، والاستخدامات المشبوهة لواجهات البرمجة، وغيرها.
ويمكن لآلية تقنية أن تركز على تحديد العتبات وإجراء مراجعات قبل الإطلاق العام.
وبموجب هذا النموذج، تتعاون الحكومات ومطورو النماذج المتقدمة في تصميم العتبات التي تؤدي إلى زيادة التدقيق الحكومي، مثل الوصول إلى مجموعات أدوات حساسة، أو إنتاج مخرجات قوية بصورة غير معتادة في المجالات السيبرانية أو البيولوجية، أو ظهور سلوكيات مشبوهة من أنظمة وكيلة ذات قدر كبير من الاستقلالية.
وتوجد سوابق جزئية لمثل هذه الآليات القائمة على العتبات في أنظمة ضوابط التصدير الاستراتيجية وضمانات الأمن النووي، حيث تحدد عتبات معينة الحالات التي تستوجب تطبيق تدقيق إضافي أو قيود أو متطلبات للإبلاغ.
ويتمثل السؤال التصميمي الرئيسي في ما الذي يحدث بعد تجاوز العتبة: هل يؤدي ذلك إلى توقف مؤقت في النشر، أم إلى تقييد الوصول، أم إلى فرض متطلبات للتخفيف من المخاطر، أم إلى مزيج من هذه الإجراءات؟
وفي مجال الذكاء الاصطناعي، قد يعني ذلك تبادل معلومات استخباراتية في الوقت الفعلي بشأن أداء النماذج قبل إطلاقها، والسماح لخبراء موثوقين من القطاع الخاص بوصول محدود إلى بيئات تقييم مصنفة أو مقيدة.
أما آلية الرقابة فيمكن أن تتمثل في نظام للضمان والتدقيق، تقوم بموجبه جهات تدقيق مستقلة باختبار الأنظمة قبل عمليات النشر العامة أو عالية المخاطر، من حيث إمكانية إساءة الاستخدام، والقدرة على الصمود، والأضرار اللاحقة المحتملة.
وسيكون ذلك شبيهاً بالدور الذي تؤديه جهات التدقيق المستقلة في سلامة الطيران أو المحاسبة المالية، حيث توفر فحصاً خارجياً موثوقاً قبل نشر الأنظمة على نطاق واسع.
وبالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، قد يعني ذلك قيام المدققين بتقييم النماذج من حيث إمكانية إساءة استخدامها، ومدى فعالية حواجز الحماية في مواجهة محاولات تجاوز القيود، وقابليتها للتلاعب.
ومع وجود دعم قانوني، فإن الفشل في التدقيق سيؤدي إلى منع نشر النموذج بدلاً من مجرد تحذير العملاء.
وقد تكون آليات الرقابة مفيدة بصورة خاصة في معالجة المخاوف من إمكانية تسبب العملات المشفرة والأصول المالية الرقمية في اضطرابات في الأسواق المالية العالمية.
ويمكن للجهود المشتركة بين القطاعين العام والخاص في هذا المجال أن تساعد على الحماية من استخدام التكنولوجيات المتقدمة في غسل الأموال أو في عمليات الشراء غير المشروعة للتكنولوجيات العسكرية من قبل دول مارقة أو جهات سيئة النية.
ويجري بالفعل تنفيذ بعض هذه الممارسات، لكن التقدم غير متساوٍ، كما أن البنية الأوسع للضمان التي يحتاج إليها العالم لدعم التوافق والتبني على نطاق واسع لا تزال غير متوافرة.
وقد عمل مركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة مع معهد أمن الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة على إنشاء ترتيبات لاختبار النماذج قبل نشرها بالتعاون مع شركات متخصصة في الذكاء الاصطناعي، بحيث يتمكن الخبراء التقنيون في الحكومة والشركات من فحص النموذج نفسه قبل أن يصبح متاحاً للجمهور.
وتقدم مجموعة العمل الهندية للذكاء الاصطناعي الآمن والموثوق، التي أُطلقت خلال قمة نيودلهي لتأثير الذكاء الاصطناعي عام 2026، مساراً مختلفاً.
فهي تُعقد بمبادرة من الحكومة، لكنها تقودها الصناعة، وتتيح للدول التي لا تمتلك نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة مطورة محلياً التأثير في مخرجات الحوكمة العالمية.
كما أطلقت سنغافورة مبادرة AI Verify عام 2022، وهي آلية طوعية ومفتوحة المصدر وقابلة للتشغيل البيني، أسست أطر اختبار تتمحور حول 11 مبدأ معترفاً به عالمياً للذكاء الاصطناعي.
ومنذ إطلاقها، ساعدت المبادرة على إنشاء وتوزيع أدوات تشمل بيئات اختبار تجريبية للذكاء الاصطناعي التوليدي، وأدوات للتقييم، وآليات أولية للإبلاغ، ومعايير مشتركة بين الشركات والصناعات والحكومات.
كما يتطلب دمج القطاع الخاص في هذا التعاون الأمني وجود مساءلة، والاعتراف بأن القطاع الخاص يسهم في تشكيل بيئة التهديد بالقدر نفسه الذي تفعله الدول.
فإذا أُسيء استخدام نموذج ذكاء اصطناعي مطور تجارياً في التجسس أو التخريب أو الخداع أو الاحتيال، فلا يمكن للقطاع الخاص الادعاء بالحياد الكامل.
لكن المساءلة وحدها ليست كافية. فالقطاع الخاص يحتاج إلى حوافز تجعل السلامة متوافقة مع استمرارية الأعمال والسمعة وإدارة المسؤولية القانونية والوصول إلى الأسواق.
وتوجد بعض هذه الحوافز بالفعل، لكنها مجزأة.
فالشركات تسعى إلى تقليل المخاطر النظامية، والحصول على وضوح تنظيمي أثناء الأزمات الجيوسياسية، والتمتع بوصول موثوق إلى معلومات التهديدات الحكومية.
أما الحكومات فتسعى من جانبها إلى الكشف الأسرع عن المخاطر، ورؤية تقنية أفضل، وامتلاك وسائل تؤثر بها في سلوك الأنظمة التي لا تسيطر عليها بالكامل.
ويمكن لهذا الاعتماد المتبادل أن يدعم تعاوناً أكثر استدامة.
كما أن زيادة اليقين في المشتريات الحكومية، التي تمثل حصة كبيرة من إيرادات النماذج المتقدمة، توفر حافزاً قوياً للقطاع الخاص للعمل عن قرب مع الحكومات.
ولذلك فإن ضبط الحوافز والعتبات والشرعية بصورة صحيحة ليس مسألة ثانوية تأتي بعد تصميم الحوكمة، بل هو جوهر مهمة تصميم البنية الأمنية المقبلة.
وفي جوهره، فإن التحدي سياسي ومؤسسي أكثر منه تحدياً يتعلق بالقدرات التقنية.
فإذا طُلب من القطاع الخاص تحمل التكاليف دون وضوح كافٍ، فسوف يقاوم أو يقدم أداءً ضعيفاً.
وإذا سُمح للدولة بالهيمنة على هذه الآليات دون امتلاك خبرة كافية، فسوف تفشل بدورها.
ويعني دمج القطاع الخاص منحه التزامات محددة، وقنوات محمية للتعاون، ودعوته إلى المشاركة بما يتجاوز مجرد منحه مقعداً على طاولة النقاش، بحيث يشارك أيضاً في القرارات المتعلقة بالتنفيذ.
كما يعني ذلك تضييق فجوة الثقة، عبر تخفيف مخاوف الحكومات بشأن هيمنة الشركات وعدم وضوح عملياتها، وفي الوقت نفسه معالجة مخاوف الشركات بشأن المسؤولية القانونية، والتدخل الحكومي المفرط، والضرر التنافسي.
ولن يتشكل مستقبل التعاون الأمني من خلال المعاهدات الكبرى وحدها، بل أيضاً من خلال بنية موثوقة للتفاعل الروتيني.
وإذا نجح العالم في تطوير أشكال جديدة فعالة من الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المجال التكنولوجي، فإن ذلك سيضع الأساس لنظام أمني ملائم لعصر غيرته الخوارزميات والآلات.
4. توصيات: نحو تعاون أكثر فاعلية بين القطاعين العام والخاص في مجال الأمن العالمي
تؤدي الحكومات، وبصورة متزايدة القطاع الخاص، أدواراً مهمة في إدارة تحديات الأمن العالمي. وفيما يلي مجموعة من التوصيات لتحسين التعاون بين الطرفين.
بقلم: دبي أبو الهول الفلاسي، مينا العريبي، كارولين بيرسون، كات دافي، راشيل إليهووس، دينا إسفندياري، فلورنس غاوب، سفيان الخطيب، لين كوك، سمير ساران، وتونغ تشاو
التحرك استباقياً لبناء أسس التعاون
ينبغي لقادة الأعمال والحكومات اتخاذ خطوات متعمدة لإنشاء آليات للتعاون. وينبغي أن توجه ثلاث أولويات هذا العمل:
– توضيح الأدوار والمسؤوليات والمساءلة: ينبغي للحكومات والشركات والمنظمات الدولية أن تعمل معاً لتحديد أدوار ومسؤوليات واضحة وآليات للمساءلة في إطار التعاون. ويصبح التعاون أقوى عندما تكون التوقعات والضمانات وترتيبات الحوكمة مفهومة بوضوح لدى جميع الأطراف.
– تنسيق الحوافز بدلاً من محاولة جعلها متطابقة: ينبغي للتعاون بين القطاعين العام والخاص أن يعترف بأن الحكومات والشركات تعمل وفق تفويضات وآفاق زمنية وهياكل مساءلة مختلفة. وبدلاً من محاولة القضاء على هذه الاختلافات، ينبغي لأطر التعاون تحديد المصالح المتقاطعة، مثل الاستقرار والقدرة على الصمود وإمكانية التنبؤ، ومواءمة الحوافز حول نتائج مشتركة.
– بناء الثقة من خلال التعاون التدريجي: يمكن للحكومات والشركات والمنظمات الدولية بناء الثقة بالبدء بتدابير عملية لبناء الثقة، مثل توحيد المصطلحات وإجراء تدريبات مشتركة تحاكي سيناريوهات محتملة وتبادل أفضل الممارسات، قبل التوسع إلى أشكال تعاون أكثر حساسية.
إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون مع الحفاظ على المرونة
ينبغي للحكومات إنشاء آليات مستدامة للتفاعل مع القطاع الخاص بشأن القضايا الأمنية الاستراتيجية.
ويمكن لمنصات الأطراف الثالثة، بما في ذلك الاجتماعات العالمية القائمة، أن توفر مواعيد دورية محددة لهذا التفاعل. وعلى وجه التحديد، ينبغي إعطاء الأولوية لما يلي:
– تطوير قنوات لتبادل المعلومات والتواصل أثناء الأزمات: ينبغي للحكومات وشركات القطاع الخاص العاملة في الصناعات الحيوية إنشاء آليات موثوقة لتبادل المعلومات وقنوات اتصال للأزمات قبل وقوع الاضطرابات. وينبغي أن تدعم هذه القنوات الاستجابة لحالات الطوارئ والحوار المستمر على حد سواء، لتحسين الاستعداد والوعي بالأوضاع والعمل المنسق.
– تعزيز الاستعداد عبر التخطيط المشترك المستمر والمعايير المشتركة: ينبغي للحكومات والشركات أن تحدد بصورة مشتركة نقاط الضعف، وتضع خططاً للطوارئ، وتجري تدريبات منتظمة، وتعمل من أجل زيادة مواءمة البروتوكولات عبر الاختصاصات القضائية والمناطق والقطاعات المختلفة. فالأطر المشتركة تعزز قابلية التشغيل البيني وتقلل التجزؤ أثناء الأزمات العابرة للحدود.
– اختبار نماذج جديدة من خلال تحالفات موثوقة: ينبغي للمنظمات الإقليمية والتجمعات المصغرة والمنصات متعددة أصحاب المصلحة اختبار مقاربات جديدة للتعاون الأمني بين القطاعين العام والخاص قبل توسيع نطاق النماذج الناجحة. وتوفر المنتديات القائمة فرصاً لإثبات ما ينجح فعلاً، بالتوازي مع بناء الثقة لدى نطاق أوسع من أصحاب المصلحة.
بناء القدرة على التعاون
ينبغي للقطاع الخاص على وجه الخصوص بناء القدرات اللازمة للتعاون مع القطاع العام بطرق ذات مغزى. وتتمثل الأولوية الرئيسية في ما يلي:
– توسيع قدرة الشركات على المشاركة في منتديات الأمن العالمي: ينبغي للشركات الاستثمار في القدرات الداخلية اللازمة للمشاركة الفعالة في القضايا الجيوسياسية وقضايا الأمن العالمي، بما في ذلك الحوكمة على مستوى الإدارة التنفيذية، والتحليل الجيوسياسي، والتعاون بين القطاعات.
ومع بناء الشركات لهذه القدرات، ستتمكن من تعزيز شبكاتها وحوارها مع القطاع العام للمساعدة على تحسين الاستجابات الجماعية للتحديات الأمنية والتعامل مع الاستقطاب السياسي.
ومع ازدياد ترابط مشهد الأمن العالمي، سيعتمد التعاون الفعال بدرجة أقل على إنشاء مؤسسات جديدة بالكامل، وبدرجة أكبر على تعزيز الآليات العملية التي تتيح للحكومات والشركات والمنظمات الدولية التخطيط والتنسيق والعمل معاً.
وتقدم هذه التوصيات إطاراً أولياً لتطوير تعاون أمني بين القطاعين العام والخاص يتسم بالثقة والمساءلة والقدرة على التعامل مع تحديات الأمن العالمي الناشئة.
