مع إعادة العملات المستقرة تشكيل مشهد المدفوعات، تتجه البنوك الأمريكية إلى تقنية البلوك تشين لجعل الودائع أسرع وأكثر قابلية للبرمجة، من دون التخلي عن البنية القائمة للنظام المصرفي.
أعلنت تسع وثلاثون جمعية مصرفية على مستوى الولايات الأمريكية عن خطط لإنشاء «تحالف بنك تشين» (BankChain Alliance)، وهي شبكة بلوك تشين مصممة خصيصاً للقطاع المصرفي، ويستهدف إطلاقها في عام 2027 لدعم العملات المستقرة والودائع المرمّزة والمدفوعات الذكية. وسيتولى القطاع المصرفي تصميم الشبكة وتشغيلها، مع جعل قابلية التشغيل البيني مع الشبكات الأخرى هدفاً أساسياً. ووصفت كاثي كرانينغر، الرئيسة المؤقتة والرئيسة التنفيذية لجمعية مصرفيي فلوريدا، الهدف بأنه يتمثل في بناء بنية تحتية منظَّمة وآمنة يمكن للمؤسسات المالية من جميع الأحجام استخدامها، بما في ذلك البنوك المجتمعية الصغيرة التي لا تستطيع بناء مثل هذا النظام بمفردها.
ويسعى المشروع إلى إيجاد شريك تقني يتولى قيادة عملية تطويره، إلا أن نجاحه سيعتمد على الحصول على الموافقة التنظيمية، وعلى ما إذا كانت البنوك الأعضاء ستوجّه أحجاماً كبيرة من المعاملات عبر شبكة مشتركة بدلاً من الاستمرار في بناء أنظمة خاصة بها.
استجابة جماعية للضغوط التنافسية
لا ينبغي النظر إلى هذه المبادرة على أنها مجرد اكتشاف البنوك لتقنية البلوك تشين من أجل التقنية ذاتها. فمن الأفضل فهمها باعتبارها استجابة مؤسسية للضغط التنافسي الذي تفرضه العملات المستقرة، والتي نمت بسرعة لأنها تتيح انتقال الأموال بالسرعة نفسها تقريباً التي تنتقل بها الرسائل، في وقت لا تزال فيه أجزاء كبيرة من النظام المصرفي تُسوّي المدفوعات عبر بنى تحتية أقدم. والسؤال المحوري الذي يحاول «تحالف بنك تشين» الإجابة عنه هو ما إذا كان بإمكان البنوك تقديم التجربة الفورية والقابلة للبرمجة نفسها من خلال الودائع، وهي التزامات تعرف البنوك بالفعل كيفية إدارتها وتنظيمها، بدلاً من التنازل عن هذه الوظيفة لمصدري العملات المستقرة العاملين خارج نطاق النظام المصرفي.
ولا يُعد «تحالف بنك تشين» تطوراً منفرداً. فهو يأتي في خضم موجة أوسع وأسرع من تبني البلوك تشين بقيادة البنوك بين أكبر المؤسسات الأمريكية والدولية. فقد عالجت منصة «كينكسيس» (Kinexys) التابعة لـ«جي بي مورغان»، والمبنية حول رمز الودائع «JPM Coin»، معاملات تراكمية تتجاوز قيمتها 3 تريليونات دولار أمريكي، وهي تتعامل حالياً مع مليارات الدولارات من المدفوعات المؤسسية يومياً. وفي يناير 2026، توسعت المنصة لتعمل على شبكة «كانتون» (Canton Network) إلى جانب بنيتها الخاصة الأصلية. كما طورت «سيتي غروب» جهداً موازياً من خلال «خدمات سيتي للرموز» (Citi Token Services)، التي دمجتها في سبتمبر 2025 مع نظامها لتسوية الدولار على مدار الساعة، بهدف دعم التسويات العابرة للحدود بين بنوك متعددة.
والسؤال المحوري الذي يحاول «تحالف بنك تشين» الإجابة عنه هو ما إذا كان بإمكان البنوك تقديم التجربة الفورية والقابلة للبرمجة نفسها من خلال الودائع، وهي التزامات تعرف البنوك بالفعل كيفية إدارتها وتنظيمها، بدلاً من التنازل عن هذه الوظيفة لمصدري العملات المستقرة العاملين خارج نطاق النظام المصرفي.
وأطلق بنك «BNY» خدمة للودائع المرمّزة موجهة إلى العملاء المؤسسيين، فيما قدم «HSBC» خدمة مماثلة لعملائه من الشركات. وأعلن «ويلز فارغو» في أغسطس 2026 أنه سيبدأ خلال خريف ذلك العام في تقديم ودائع مرمّزة لعملائه من الشركات، واختار الانضمام إلى شبكة مشتركة بدلاً من بناء شبكة خاصة به. وبشكل منفصل، تعمل «ذا كليرينغ هاوس» (The Clearing House)، المدعومة من بنوك من بينها «جي بي مورغان» و«بنك أوف أمريكا» و«سيتي» و«ويلز فارغو»، على تطوير شبكة خاصة بها للودائع المرمّزة المملوكة للبنوك، ويُستهدف إطلاقها خلال النصف الأول من عام 2027، وهو جدول زمني يكاد يتطابق مع الجدول المقرر لـ«تحالف بنك تشين».
وعند النظر إلى هذه الجهود مجتمعة، يتضح أن جمعيات البنوك على مستوى الولايات التي تقف وراء «تحالف بنك تشين» لا تبتكر استراتيجية جديدة بقدر ما توسّع نهجاً بدأت أكبر المؤسسات في إثبات جدواه، ولكن هذه المرة من خلال بنية مصممة خصيصاً لمنح البنوك الصغيرة والمتوسطة مكاناً مماثلاً على طاولة المنافسة.
الودائع المرمّزة والمخاطر التي تهدد الإقراض المصرفي
إن الفرق بين العملة المستقرة والوديعة المرمّزة أكثر أهمية مما قد يبدو للوهلة الأولى. فالعملة المستقرة تصدرها جهة نشأت أصلاً في قطاع العملات المشفرة، ويتم تداولها على شبكات بلوك تشين عامة، وتعمل كأداة لحاملها، أي إن من يمتلكها يتحكم فيها مباشرة من دون وجود علاقة وسيطة مع الجهة المصدرة. أما الوديعة المرمّزة فتبقى وديعة. فهي تظل داخل الهيكل التنظيمي المصرفي القائم، ويمكن أن تدفع فائدة، وتبقى مطالبة مالية على بنك محدد بدلاً من أن تكون أداة قابلة للتداول بحرية. ويتمثل الثمن المقابل في أن انتقال الودائع المرمّزة بين البنوك أقل سهولة. ويحاول «تحالف بنك تشين» وغيره من المبادرات الجماعية المماثلة معالجة هذا الاحتكاك من خلال تمكين استخدام رمز وديعة يصدره أحد البنوك الأعضاء والاعتراف به عبر الشبكة الأوسع.
وهذا الاحتكاك ليس أمراً عرضياً، بل هو جزء من الطريقة التي يعمل بها النظام المصرفي. وتوصف البنوك تقليدياً بأنها تقترض على المدى القصير وتقرض على المدى الطويل، إذ تقبل ودائع يمكن، من الناحية الفنية، سحبها في أي لحظة، بينما تستخدم الأموال نفسها لتمويل الرهون العقارية وقروض الشركات التي تُسدَّد على مدى سنوات عديدة. ويعمل هذا النظام لأن حركة الودائع في الواقع أبطأ بكثير مما توحي به شروطها التعاقدية. ويقيس الاقتصاديون ذلك باستخدام مؤشرين: متوسط العمر المرجّح، الذي يوضح المدة التي تميل فيها مجموعة من الودائع إلى البقاء في دفاتر البنك، و«بيتا الودائع»، الذي يوضح مدى استعداد هذه الأموال للانتقال إلى مكان آخر سعياً وراء زيادة هامشية في سعر الفائدة.
ووجد بحث نشره في أغسطس 2026 خبيران اقتصاديان في الاحتياطي الفيدرالي، روزي ليفي وسريني راماسوامي، أن نحو 80 في المئة من مخاطر أسعار الفائدة التي تتحملها البنوك حالياً — أي ما يقارب 8.5 دولار أمريكي من إجمالي 7 تريليونات دولار، وفق ما ورد في النص الأصلي، محسوبة بما يعادل آجال عشر سنوات — تدعمها الطبيعة البطيئة والثابتة نسبياً للودائع العادية. وإذا جعل الترميز الودائع تتحرك بسرعة أكبر وتسعى وراء العائد بصورة أكثر اندفاعاً، بما يؤدي إلى تقليص مدتها الفعلية بنسبة 10 في المئة فقط، فقد قدّر الباحثان أن البنوك ستفقد نحو 580 مليار دولار من قدرتها على تمويل الإقراض طويل الأجل. كما أن زيادة حساسية الودائع لأسعار الفائدة بنسبة 10 في المئة ستؤدي إلى فقدان 700 مليار دولار إضافية من تلك القدرة.
والنتائج العملية لمثل هذا التحول، إذا حدث على نطاق واسع، ليست نظرية. فالبنوك التي تواجه ودائع أسرع حركة وأكثر حساسية لأسعار الفائدة قد تستجيب من خلال الاحتفاظ باحتياطيات أكبر من الأصول عالية السيولة، مثل سندات الخزانة واحتياطيات البنوك المركزية، للحماية من التدفقات الخارجة المفاجئة، كما قد تعتمد بصورة أكبر على أشكال أخرى من الاقتراض بالجملة للحفاظ على محافظ قروضها، وهي أشكال من الاقتراض تميل تكلفتها إلى الاقتراب من التكلفة التي يدفعها المقرضون غير المصرفيين. وتشير الاستجابتان إلى ائتمان أكثر تكلفة وأقل توافراً للأسر والشركات، مع تراجع التمويل الرخيص نسبياً وطويل الأمد الذي توفره الودائع حالياً.
ولا يُعد نظام «بيكس» (Pix) نظيراً دقيقاً للودائع المرمّزة، إلا أن اتجاه التأثير — أي دفع المدفوعات الفورية البنوك نحو زيادة السيولة والابتعاد عن توفير الائتمان طويل الأمد — يتوافق إلى حد كبير مع ما تتوقعه أبحاث ليفي وراماسوامي.
ويقدم نظام المدفوعات الفورية البرازيلي «بيكس» لمحة تجريبية مبكرة عن هذه الديناميكية. فمنذ إطلاقه في عام 2020، وصل عدد مستخدمي «بيكس» النشطين إلى نحو 200 مليون مستخدم بحلول أوائل عام 2026، مع معالجة ما يقارب 650 مليار دولار أمريكي شهرياً، وهو ما يعادل نحو ربع الناتج الاقتصادي السنوي للبرازيل. ووجدت دراسة أُجريت عام 2025 باستخدام بيانات تنظيمية برازيلية أن البنوك التي كان عملاؤها يستخدمون «بيكس» بصورة أكبر احتفظت بمزيد من السندات الحكومية وغيرها من الأصول السائلة، وقلّصت مستوى الوساطة الائتمانية بصورة عامة. وضمن القروض التي واصلت تقديمها، اتجهت إلى زيادة حصة الإقراض عالي المخاطر للتعويض عن تشدد أوضاع السيولة في مجالات أخرى.
ولا يُعد نظام «بيكس» نظيراً دقيقاً للودائع المرمّزة، إلا أن اتجاه التأثير — أي دفع المدفوعات الفورية البنوك نحو زيادة السيولة والابتعاد عن توفير الائتمان طويل الأمد — يتوافق إلى حد كبير مع ما تتوقعه أبحاث ليفي وراماسوامي.
النقاش النقدي الأوسع
وفوق هذه التطورات المؤسسية والسوقية، يدور نقاش أوسع بشأن الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه النظام النقدي للجيل المقبل. ويقترح بنك التسويات الدولية إطاراً يرى أن أي نظام مرشح ليكون العمود الفقري للنقود يجب أن يجتاز ثلاثة اختبارات: أولها «الوحدة»، أي أن يتم تداوله دائماً بالقيمة الاسمية نفسها من دون الحاجة إلى إجراء فحوص إضافية؛ وثانيها «المرونة»، أي أن يكون قادراً على التوسع بمرونة لتلبية احتياجات الاقتصاد من المدفوعات من دون حدوث اختناقات؛ وثالثها «النزاهة»، أي قدرة النظام على مقاومة الجرائم المالية.
ووفق هذا الإطار، يرى بنك التسويات الدولية أن الودائع المصرفية التجارية المرمّزة تنسجم بصورة طبيعية مع النظام الحالي ذي المستويين، الذي تستند فيه الودائع إلى احتياطيات البنوك المركزية، في حين أن العملات المستقرة تفشل في الاختبارات الثلاثة جميعها. فهي أدوات لحاملها يمكن تداولها من دون إشراف الجهة المصدرة؛ كما يمكن تداولها بقيم غير متسقة، بما يقوض مبدأ الوحدة؛ فضلاً عن أن بنيتها، التي تتطلب توفير أموال نقدية جديدة مقدماً مقابل أي إصدار جديد، تحد من المرونة بطرق لا تنطبق على الودائع المصرفية العادية.
ويبدو أن البنوك، بمختلف أحجامها، باتت تعتبر النقود الفورية والقابلة للبرمجة أمراً لا مفر منه، وتتحرك لضمان أن تُبنى هذه النقود على ميزانياتها العمومية، لا أن تنشأ خارجها.
ويقع «تحالف بنك تشين» عند نقطة تقاطع هذه التطورات. فهو يمثل محاولة من جانب تحالف واسع من البنوك لتقديم السرعة وقابلية البرمجة اللتين جعلتا العملات المستقرة جذابة، من دون التخلي عن البنية الأساسية القائمة على الودائع والرقابة الاحترازية وتأمين الودائع، وهي العناصر التي يرى بنك التسويات الدولية أنها تحافظ في المقام الأول على الثقة في النقود. وسيتوقف نجاح التحالف على مجموعة من المسائل العملية، من بينها اختيار شريك تقني يتمتع بالكفاءة، والحصول على الموافقة التنظيمية، وإقناع البنوك الكبيرة والصغيرة بالاتصال بشبكة مشتركة بدلاً من بناء بدائل خاصة بها، على غرار ما بدأت «جي بي مورغان» و«سيتي» و«BNY» و«HSBC» و«ويلز فارغو» القيام به بصورة مستقلة ومن خلال «ذا كليرينغ هاوس».
لكن الخلاصة الأوسع تتجاوز أي مبادرة منفردة. فالبنوك بمختلف أحجامها باتت، على ما يبدو، تعتبر النقود الفورية والقابلة للبرمجة أمراً حتمياً، وهي تتحرك لضمان أن تُبنى هذه النقود على ميزانياتها العمومية بدلاً من أن تنشأ حولها وخارج سيطرتها. وإذا لم تتحرك بالسرعة الكافية، فمن المرجح أن يصل منطق التسوية الفورية، الذي أثبت نظام «بيكس» البرازيلي إمكانية تطبيقه على نطاق وطني، إلى الولايات المتحدة عبر العملات المستقرة بدلاً من ذلك، وبشروط لم يكن للبنوك أي دور في وضعها.
