- يدرّ الاقتصاد الرياضي العالمي نحو 2.3 تريليون دولار سنوياً، إلا أن هياكل الحوكمة فيه لا تزال متأخرة عن تلك المعتمدة في فئات الأصول الاستثمارية الأكثر تقليدية.
- مع تعمّق دخول رأس المال المؤسسي إلى قطاع الرياضة، أصبح المستثمرون يطالبون بقواعد أكثر وضوحاً بشأن الملكية والمخاطر والمساءلة.
- ومع توقّع وصول حجم الاقتصاد الرياضي إلى 3.7 تريليون دولار بحلول عام 2030، باتت الحوكمة مسألة مرتبطة بالنمو، لا مجرد مسألة امتثال.
تدرّ الرياضة اليوم نحو 2.3 تريليون دولار سنوياً، ومن المتوقع أن تصل قيمة اقتصادها إلى 3.7 تريليون دولار بحلول عام 2030. ويعمل أكثر من 345 نادياً حالياً ضمن هياكل استثمارية لملكية أندية متعددة، مقارنة بأقل من 60 نادياً قبل عقد من الزمن. ولا يمثل ذلك مجرد تحول في طبيعة الملكية، بل أيضاً تحولاً في التوقعات المتعلقة بكيفية حوكمة الأصول الرياضية.
في أغسطس 2024، صوّت مالكو فرق الدوري الوطني لكرة القدم الأمريكية للسماح لشركات الاستثمار في الأسهم الخاصة بشراء حصص في الأندية، ولكن بشروط شديدة الدقة. ويتعين على الصناديق المعتمدة أن تمتلك ما لا يقل عن ملياري دولار من رأس المال الملتزم به. ولا يجوز لأي منها استثمار أكثر من 20% من أموالها في فريق واحد، أو امتلاك حصص في أكثر من ستة فرق، أو التخارج من الاستثمار قبل مرور ست سنوات. كما لا يُسمح بالمشاركة إلا للشركات التي خضعت مسبقاً للتدقيق والموافقة.
استخدمت البنوك وشركات التأمين مثل هذا النوع من القواعد على مدى عقود: حد أدنى لرأس المال، وسقف للتركيز الاستثماري، وفترة احتفاظ دنيا، وقائمة بالأطراف المقابلة المعتمدة. وقد لا يطلق أحد على هذه القواعد اسم «تنظيم مالي»، لكن منطقها مألوف تماماً.
يبلغ متوسط قيمة امتيازات فرق الدوري الوطني لكرة القدم الأمريكية نحو 10.7 أضعاف الإيرادات، مقارنة بـ6.4 أضعاف قبل خمس سنوات. وفي الدوري الإنجليزي الممتاز، تتراوح تقييمات الأندية الخمسة الكبرى بين ستة أضعاف الإيرادات و8.3 أضعافها، في حين تقل تقييمات معظم الأندية الأخرى عن أربعة أضعاف الإيرادات.
تفسر مخاطر الهبوط إلى درجات أدنى وهياكل حقوق البث الإعلامي جزءاً من هذه الفجوة، لكنها لا تفسرها بالكامل. فعندما تُطبق الحوكمة بصورة جيدة، يمكنها تحويل ولاء الجماهير وشغفها إلى تدفقات نقدية يستطيع رأس المال المؤسسي تقييمها وتمويلها بثقة.
تغيّر مالكو الأندية الرياضية، لكن نظام التشغيل لم يتغير
تحوّل رأس المال، لكن الحوكمة خضعت لعمليات ترميم بدلاً من إعادة تصميم شاملة.
أضاف قطاع الرياضة المزيد من الشفافية، وسياسات الحماية، ومدونات الأخلاقيات، ولجان التدقيق. إلا أن البنية الأساسية ظلت على حالها: الأشخاص الذين يتولون الحوكمة يتم انتخابهم من قبل الجهات التي يشرفون عليها.
فهذه المؤسسات هي جمعيات عضوية صُممت أساساً حول مبدأ التمثيل، وليست شركات مدرجة في البورصة بُنيت من أجل رقابة المساهمين.
وبعض القواعد لا تكتفي بالسماح بعدم الاستقلالية، بل تفرضها. إذ تشترط لوائح الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أن يشغل المرشحون للجنة التنفيذية مناصب فعلية داخل إحدى الاتحادات الأعضاء. ووفق مفهوم الشركات المدرجة، تصبح الاستقلالية هنا غير متاحة عملياً.
ولا يقتصر هذا النمط على كرة القدم. فالمجلس التنفيذي للجنة الأولمبية الدولية يتكوّن بالكامل من أعضاء اللجنة نفسها، بينما أنشأ المجلس الدولي للكريكيت مقعداً مستقلاً واحداً في عام 2017.
وتوجد نماذج بديلة. فبعد مراجعة مستقلة أُجريت عام 2022، أضاف الاتحاد الدولي للرجبي ثلاثة مديرين مستقلين إلى جانب الممثلين المنتخبين وممثلي اللاعبين والمسؤولين التنفيذيين.
كما أن تركيبة مجالس الإدارة لها بُعد تجاري أيضاً. فقد وجدت شركة MSCI أن الشركات التي تضم مجالس إدارتها ما لا يقل عن 30% من النساء حققت عوائد تراكمية تفوقت بنسبة 19% على الشركات الأخرى خلال خمس سنوات. ومع توقع تجاوز إيرادات الرياضة النسائية الاحترافية ثلاثة مليارات دولار في عام 2026، بزيادة قدرها 340% منذ عام 2022، فإن الاتحادات التي تعكس مجالس إدارتها تركيبة هذا الجمهور ستكون في وضع أفضل لتوسيع قاعدة المشاركة وبناء جماهير جديدة.
ولا ينبغي أن يكون الاختيار بين التمثيل والاستقلالية خياراً حصرياً؛ إذ يمكن الجمع بينهما.
الرياضة تمتلك بالفعل دليلاً للحوكمة
يفرض قانون حوكمة الرياضة في المملكة المتحدة على الهيئات التي تحصل على أكثر من مليون جنيه إسترليني من التمويل العام ألا يزيد عدد أعضاء مجالس إدارتها على 12 عضواً، وأن يكون ما لا يقل عن 25% من أعضاء المجلس مديرين مستقلين غير تنفيذيين، إلى جانب فرض حدود زمنية لمدة العضوية وإنشاء لجنة ترشيحات ذات أغلبية مستقلة.
وقد جُمّد تمويل بقيمة تسعة ملايين جنيه إسترليني لاتحاد تنس الطاولة في إنجلترا بعد أن رفض أعضاؤه قواعد تعيين مجلس الإدارة.
لكن هذه القواعد لا تنطبق إلا على الهيئات الوطنية المنظمة للرياضة التي توزع منحاً عامة، ولا تشمل الاتحادات الدولية أو الدوريات التجارية التي تعتمد على عائدات حقوق البث العالمية والرعاية.
قد تحتاج الرياضة ذات النطاق التجاري الكبير إلى نموذج مختلف، لكنها تحتاج إلى الدرجة نفسها من الانضباط.
أي مؤسسة تموّل أصلاً طويل الأجل تطرح ثلاثة أسئلة: من يتخذ القرار؟ ومن يراقب صانع القرار؟ وماذا يحدث عندما تسوء الأمور؟
في الشركات المدرجة، تكون الإجابات واضحة: تتخذ الإدارة القرارات ضمن صلاحيات يحددها مجلس إدارة يتمتع أغلب أعضائه بالاستقلالية، وتكون هناك جهة تنظيمية قانونية قادرة على التدخل وفرض إجراءات المعالجة.
أما في الهيئات الرياضية الحاكمة، فالأمر أقل وضوحاً. من يتخذ القرار؟ جمعية من الأعضاء، أو مجلس يتكوّن منهم. ومن يراقبهم؟ لجنة يتم انتخابها من الجمعية نفسها. وماذا يحدث عند وقوع المشكلات؟ اللجوء إلى المحاكم، أو إلى هيئة مختصة بالمنافسة، أو إلى البرلمان، وجميعها جهات تتدخل عادة بعد فوات الأوان وبتكلفة مرتفعة.
تؤدي الاستقلالية أربع وظائف أساسية:
- مساءلة الإدارة بشأن تخصيص رأس المال.
- الإشراف على العلاقة مع المدققين.
- التحكيم في حالات التعارض بين مصالح المؤسسة ومصالح أعضائها.
- إدارة عمليات التعاقب القيادي دون وجود مصلحة مباشرة في النتيجة.
أما في الجمعيات القائمة على العضوية، فتقع الوظائف الأربع كلها على عاتق أشخاص يكون التزامهم الأساسي تجاه الجهة التي انتخبتهم. وهذا التوتر بنيوي وليس شخصياً.
ويكمن السؤال الصعب في ما ينبغي أن يفعله مجلس الإدارة عندما يتعارض ما هو أفضل للرياضة على مدى عشرين عاماً مع ما هو أفضل للأعضاء الذين سيعيدون انتخابه بعد عامين.
القرارات التجارية تحتاج إلى رقابة تجارية
تتضح الفجوة بصورة خاصة عندما تنشئ هيئة رياضية حاكمة شركة تجارية تابعة، لكنها تُبقي على حوكمة المؤسسة الأم من دون تغيير.
فقد قام أحد الدوريات الأوروبية لكرة القدم بفصل حقوقه الإعلامية في شركة مستقلة، وباع لشركة استثمار خاصة حصة دائمة تبلغ 13% من الإيرادات التجارية مقابل 1.5 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 1.7 مليار دولار.
كانت الأداة التجارية جديدة، لكن مجلس الإدارة الذي وافق عليها لم يكن كذلك. وعندما تعثرت سوق حقوق البث الإعلامي، ظلت حصة المستثمر قائمة.
في أسواق رأس المال التقليدية، فإن ديمومة التزام من هذا النوع في مقابل مصدر إيرادات شديد التقلب هي تحديداً من المسائل التي توجد لجان التدقيق أو المخاطر المستقلة لفحصها والتدقيق فيها.
كل خطر مرتبط بالحوكمة لا يستطيع المستثمر تسعيره يتحول إلى مخاطرة يضيف تكلفتها إلى شروط الاستثمار. ولذلك، فإن الحوكمة مسألة نمو وليست مجرد مسألة امتثال.
يفترض الانتقال من اقتصاد رياضي بقيمة 2.3 تريليون دولار إلى 3.7 تريليون دولار استمرار تدفق رأس المال. لكن صناديق التقاعد وشركات التأمين وصناديق الثروة السيادية تتبنى آفاقاً استثمارية طويلة الأجل وتتمتع بقدرة محدودة على تحمل المخاطر، ولذلك تحتاج إلى رؤية واضحة للضوابط والرقابة كي تتمكن من تسعير المخاطر المحتملة.
ولا تؤدي الحوكمة الضعيفة بالضرورة إلى منع رأس المال من دخول قطاع الرياضة، لكنها تجعله أكثر تكلفة وأكثر حذراً وأكثر ارتباطاً بالشروط.
وتستطيع الرياضة تحمل تكلفة تحسين الحوكمة. لكن السؤال هو ما إذا كانت قادرة على الاستمرار في تحمل الخصم الذي تدفعه نتيجة غياب تلك الحوكمة.
المرحلة المقبلة هي مسألة تصميم
لا توجد إجابة واحدة، بل مجموعة من الأسئلة المتعلقة بتصميم أنظمة الحوكمة:
من ينبغي أن يعيّن أعضاء مجلس الإدارة المستقلين في اتحاد لا يملك مساهمين؟
كيف ينبغي تحقيق التوازن بين تمثيل الرياضيين والأندية والاتحادات الوطنية؟
هل ينبغي للمستثمرين والجهات الراعية فرض معايير أعلى من خلال شروطهم؟
هل ينبغي للقطاع الرياضي أن يقود عملية الإصلاح بنفسه، أم أن التنظيم سيُفرض عليه في نهاية المطاف؟
ومع تعمق دخول رأس المال المؤسسي إلى قطاع الرياضة، يصبح ترك هذه الأسئلة من دون إجابات أكثر صعوبة.
لقد أصبحت الرياضة أكبر حجماً وأكثر تعقيداً من الناحية التجارية إلى درجة لم تعد معها أنظمة الحوكمة المصممة لعصر سابق مناسبة لها. ولن تعتمد مرحلة نموها المقبلة على قدرتها على جذب رأس المال فحسب، بل أيضاً على بناء الثقة التي تضمن بقاء هذا الرأس المال فيها.
