- يستطيع الذكاء الاصطناعي توليد الأفكار بوتيرة أسرع، لكنه لا يستطيع التغلب على نظام يمنع مشاركة الأفكار واختبارها والبناء عليها.
- تواجه الحكومات والشركات حالياً خطر نقص الاستثمار في منظومة المعرفة التي يحتاج إليها الذكاء الاصطناعي لكي يساهم فعلياً في تحقيق النمو الاقتصادي.
- إذا أرادت الحكومات تحقيق النمو الاقتصادي والسيادة التكنولوجية مقابل استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، فعليها أيضاً المساعدة في تسهيل تدفق البيانات والأفكار.
غالباً ما يجري الترويج للذكاء الاصطناعي على أساس أنه سيؤدي إلى مزيد من الاكتشافات والاختراقات العلمية. ويعتقد داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، أن وتيرة الاكتشافات في علم الأحياء يمكن أن ترتفع بمقدار عشرة أضعاف أو أكثر إذا توفر عدد أكبر بكثير من الباحثين الموهوبين والمبدعين، وهو ما يشير ضمنياً إلى أن وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يساهمون في توفيره.
ويقوم هذا التصور على افتراض أن الحد الأساسي الذي يقيّد إنتاج المعرفة هو مستوى الذكاء المتاح. لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فالحكومات والشركات تستثمر مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي بناءً على وعد بأنه سيسرّع الابتكار والنمو الاقتصادي بشكل كبير. ولكن ماذا لو لم يكن أكبر عائق أمام الاكتشافات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي هو نقص الذكاء، بل الطريقة التي ننظم بها المعرفة ونتشاركها؟
لقد حصد الباحثون بالفعل الكثير من الثمار العلمية السهلة المنال، ما جعل الوصول إلى كل اكتشاف أو معرفة جديدة أكثر صعوبة وكلفة وبطئاً من السابق.
وتشير تقديرات إلى أن الحفاظ على مستوى النمو الذي حققته الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي يتطلب اليوم عدداً من الباحثين يزيد بنحو 41 مرة. ويُطرح أتمتة إنتاج الأفكار باستخدام الذكاء الاصطناعي باعتبارها وسيلة لتعويض هذا التراجع. وقد لخّص الأكاديمي في جامعة ستانفورد تشارلز جونز هذا التصور على أنه عالم تستطيع فيه «الآلات ابتكار جميع الأفكار الممكنة»، بما يقود إلى الوصول إلى أقصى مستويات الإنتاجية.
لكن، في حين يستطيع الذكاء الاصطناعي توليد الأفكار بسرعة أكبر، فإنه لا يستطيع تجاوز نظام يمنع مشاركة تلك الأفكار واختبارها وتطويرها والبناء عليها. ولهذا السبب، ينبغي للحكومات التي تسعى إلى تحقيق النمو الاقتصادي والسيادة التكنولوجية من خلال استثماراتها في الذكاء الاصطناعي أن تتعامل مع المعرفة المفتوحة باعتبارها بنية تحتية أساسية.
وإذا لم تفعل ذلك، فإنها تخاطر باستثمار مليارات الدولارات في جعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً، في الوقت الذي تقل فيه استثماراتها في منظومة المعرفة التي تحتاج إليها هذه التكنولوجيا لكي تحقق بالفعل نمواً اقتصادياً.
تسهيل مشاركة المعرفة العلمية
تتراجع كفاءة منظومة الابتكار نتيجة للطريقة التي ننظم بها هذه المنظومة، إلى جانب الحوافز غير المتوافقة وإحاطة المعرفة بقيود تحد من الوصول إليها واستخدامها.
وتتبعت دراسة أكاديمية أمريكية امتدت على مدى 45 عاماً نشاط تسجيل براءات الاختراع في جميع الشركات الأمريكية، وليس فقط الشركات الصناعية المدرجة في الأسواق التي اعتمدت عليها دراسات سابقة. وأظهرت الدراسة أن النمو، وليس الأفكار في حد ذاتها، أصبح أكثر صعوبة في تحقيقه. فقد ارتفع عدد براءات الاختراع التي يتم إنتاجها مقابل كل دولار يُنفق على البحث بصورة مطردة خلال تلك العقود الأربعة.
وتشير الدراسة إلى أن تدفق المعرفة المشتركة إلى المنتجات التي تنتجها الشركات قد ضعف. ويفترض مؤلفو الدراسة أن أكبر الشركات، التي تمتلك معظم براءات الاختراع المرتبطة بالاكتشافات الكبرى، يمكنها منع منافسيها من الاستفادة من أفكارها أو عرقلة نموهم، وأحياناً تفعل ذلك من خلال الاستحواذ عليهم.
وفي الواقع، توثق دراسة أكاديمية أخرى تناولت صناعة الأدوية أن ما بين 5% و7% من عمليات الاستحواذ تهدف إلى إيقاف مشاريع الأدوية لدى الشركات المستحوذ عليها بدلاً من تطويرها أو البناء عليها.
وهكذا، فإن تدفق الابتكار لا يتراجع بسبب نقص المعرفة، بل نتيجة تركّزها في عدد محدود من الشركات.
ويتحقق هذا التقييد من خلال اتفاقيات نقل المواد وتراخيص الملكية الفكرية التي تؤخر المشاريع وتحد من الأشياء التي يُسمح للشركات الأصغر بالقيام بها. كما أن النتائج السلبية للأبحاث غالباً ما لا يتم نشرها، ما يدفع باحثين آخرين إلى تكرار الأبحاث غير المجدية نفسها.
كل ذلك يخلق احتكاكات وعوائق تعرقل انتقال الأفكار وتدفقها.
إرساء أسس النمو الاقتصادي
يصف أمودي مثل هذه العوائق بأنها «قيود يفرضها البشر». ويرى أن القيود التي تفرضها القوانين واللوائح التنظيمية والمقاومة العامة تمثل جزءاً من المشكلة، ويتوقع أن يتمكن الذكاء الاصطناعي مع مرور الوقت من تجاوزها.
لكن الحكومات تخاطر بارتكاب خطأ جوهري في السياسات إذا استثمرت بكثافة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي تهمل فيه البنية التحتية للمعرفة المفتوحة التي تجعل الابتكار المدعوم بالذكاء الاصطناعي ممكناً.
فعلى سبيل المثال، رفضت أربع مجلات أكاديمية بحث فرانسيسكو موخيكا الذي حدّد فيه نظام كريسبر بوصفه نظاماً مناعياً لدى البكتيريا.
كما خُفّضت مكانة كاتالين كاريكو، الحائزة لاحقاً على جائزة نوبل، داخل جامعتها عام 1995 لأنها لم تتمكن من الحصول على منح لتمويل أبحاثها في الحمض النووي الريبي المرسال، وهي الأبحاث التي ساهمت لاحقاً في إنقاذ ملايين الأرواح وقادتها إلى الفوز بجائزة نوبل.
وهذه أمثلة على سوء تنظيم المنظومة العلمية، وليست أمثلة على نقص الذكاء أو القدرات الفكرية.
فحتى نظام ذكاء اصطناعي كان من الممكن أن يوصي بخفض مكانة كاريكو لأنها لم تكن تستوفي معايير الترقية المعتمدة آنذاك. وربما كان بحث موخيكا سيُرفض أيضاً بصرف النظر عن مستوى خبرة أو بصيرة المحرر الذي كان يراجعه.
وبعبارة أخرى، فإن توفير قدر إضافي من العبقرية أو القدرات الفكرية لم يكن بالضرورة ليغيّر تلك النتائج.
ومن ثم، فإن أكثر القيود البشرية كلفة لا تكمن في المقاومة القانونية بقدر ما تكمن في الطريقة التي نختار بها تنظيم البحث والتطوير.
سياسات للذكاء الاصطناعي تدعم تدفق الأفكار
يتطلب تحقيق نمو اقتصادي واسع النطاق تغيير الطريقة التي يتم بها تنظيم العلوم والبحث العلمي.
فالعوائد المتزايدة التي تدفع النمو الاقتصادي الكلي تنبع من طبيعة الأفكار التي لا تتسم بالتزاحم، بمعنى أن بإمكان الجميع استخدامها في الوقت نفسه دون أن يؤدي استخدام شخص أو شركة لها إلى منع الآخرين من استخدامها.
وإذا أرادت الحكومات تحقيق النمو والسيادة التكنولوجية مقابل استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مراكز البيانات وشبكات الكهرباء وتدريب النماذج، فعليها أن تقلل القيود المفروضة على النمو العام التي تجعل الشركات المحلية تعتمد على الشركات العملاقة.
وينبغي للحكومات أن تشترط المشاركة المفتوحة للبيانات الموحّدة بصيغ قابلة للاستخدام والتشغيل البيني بين الأنظمة المختلفة.
كما ينبغي لها أن تطلب من المؤسسات عدم استخدام براءات الاختراع لتقييد الأبحاث في المجالات التي لا تزال فيها المعرفة والأدوات قيد التطوير بهدف استخدامها على نطاق واسع في مختلف أنحاء المجال، وألا تسمح بحجب نشر النتائج السلبية للأبحاث.
وإلى جانب ذلك، ينبغي للحكومات تقديم دعم مالي لمنصات البيانات المفتوحة التي لا تقتصر مهمتها على وضع صيغ موحدة للبيانات وتحديد معايير الجودة، بل تضمن أيضاً إمكانية إعادة إنتاج النتائج من خلال تشجيع الجهات المختلفة على مشاركة نتائجها عبر مسابقات مفتوحة.
وتعمل منظمة «Conscience» غير الربحية، التي ساهمتُ في إطلاقها، بالفعل على تطبيق هذا النهج من خلال مبادرة «BEACON».
إن حجم الفوائد التي تستطيع البلدان تحقيقها من الذكاء الاصطناعي يعتمد بدرجة مماثلة على البنية التحتية للمعرفة التي يتم إنشاؤها من خلال السياسات الحكومية والمؤسسية، بقدر اعتماده على الذكاء الاصطناعي نفسه.
فالاستثمار بمليارات الدولارات في أحد هذين النظامين مع تجاهل الآخر يمثل استثماراً ضعيفاً من حيث الجدوى، وسيؤدي في نهاية المطاف إلى الحد من النمو الاقتصادي.
