- تعمل أدوات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي على تغيير الطريقة التي يتخذ بها المستهلكون قرارات الشراء، ما يجعل الحملات التسويقية الجامدة أقل ملاءمة للواقع الجديد.
- إن إضافة أدوات الذكاء الاصطناعي إلى الهياكل التسويقية القديمة لا تحقق قيمة كبيرة ما لم تتم إعادة تصميم سير العمل بالكامل.
- تحتاج فرق التسويق إلى التحول نحو نماذج مرنة ومستمرة تجمع بين الحكم البشري والتنفيذ الفوري المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
تخيل عدّاءة تستعد لخوض أول سباق لمسافة 10 كيلومترات في حياتها. تطلب من مساعد يعمل بالذكاء الاصطناعي أن يضع لها خطة تدريب، وأن يقترح أحذية تناسب أسلوبها في الجري، مع مراعاة إصابة قديمة في ركبتها. وفي غضون ثوانٍ، يحلل المساعد مئات المراجعات ويقترح خيارات مصممة خصيصاً لتلبية احتياجاتها.
ومع اقترابها من اتخاذ قرار الشراء، يجمع المساعد نصائح مفيدة من مقاطع الفيديو والنقاشات المنشورة على الإنترنت. ويتجاهل بريداً إلكترونياً عاماً أرسلته إحدى العلامات التجارية المتخصصة في المنتجات الرياضية. وعندما تصبح مستعدة للشراء، ينبهها إلى أن أحد تجار التجزئة لديه سياسة إرجاع سيئة، ثم يختار بديلاً يقدم خدمة التوصيل في اليوم التالي. وفي نهاية المطاف، تكاد الحملة التسويقية التي خططت لها العلامة التجارية بعناية فائقة ألا تظهر ضمن رحلة الشراء أصلاً.
هذه التجربة أصبحت ممكنة بالفعل. فالذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر ليس فقط الطريقة التي يعثر بها المستهلكون على المنتجات، بل أيضاً الطريقة التي يقررون بها ما الذي سيشترونه.
رحلة الشراء تغيّرت
نشأ نموذج الحملات التسويقية التقليدي حول جدول زمني محدد. وكانت أسابيع من العمل تسبق يوم الإطلاق، وبعد ذلك تستمر الحملة حتى تنتهي دورة حياتها. لكن المستهلكين اليوم يتبعون بشكل متزايد إيقاعاً مختلفاً تماماً.
فعلى مدى العقد الماضي، ومع تزايد عدد القنوات الرقمية، واصل المتسوقون زيادة عدد الطرق التي يستخدمونها للبحث عن المنتجات أو شرائها. وهم يستخدمون اليوم ضعف عدد القنوات التي كانوا يستخدمونها قبل عشر سنوات. ويعمل الذكاء الاصطناعي على تسريع هذا التحول بصورة كبيرة. فأكثر من نصف المستهلكين يستخدمون بالفعل أدوات بحث مدعومة بالذكاء الاصطناعي خلال رحلة الشراء، كما يمكن لمحادثة واحدة مع مساعد ذكي أن تختصر ساعات من البحث والمقارنة في بضع ثوانٍ.
وتشير بيانات استطلاعات إلى أن 73% من مستخدمي البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يستعينون بهذه الأدوات في المراحل الأولى من رحلة الشراء للتعرف على فئات المنتجات، بينما يعتمد أكثر من 60% منهم عليها في مراحل لاحقة من الرحلة لمقارنة منتجات محددة أو تلخيص المراجعات وفهمها.
أصبح الذكاء الاصطناعي الآن يقف بين العلامة التجارية والمستهلك الذي تريد الوصول إليه. فهو يستطيع تفسير احتياجات المستهلك، وتقييم العروض المنافسة، والتأثير في تحديد العلامات التجارية التي ستدخل دائرة اهتمامه من الأساس.
وقد تصل رسالة الحملة التسويقية في التوقيت نفسه الذي خططت له العلامة التجارية بدقة، ومع ذلك يمكن تصفيتها واستبعادها قبل أن يراها العميل. وهكذا تكون الحملة قد نُفذت وفق الجدول المحدد، بينما تكون عملية الشراء قد انتقلت إلى مكان آخر تماماً.
نموذج الحملات التسويقية صُمم لرحلة عميل لم تعد موجودة
لا تزال العديد من إدارات التسويق تعمل على شكل دفعات متقطعة. إذ يتم تطوير حملة والموافقة عليها، ثم إطلاقها، وبعد ذلك تتم مراجعة النتائج للاستفادة منها في الحملة التالية. ففترات التوقف جزء أساسي من هذا النموذج.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل أجزاء من هذه العملية أسرع بكثير. فمن الممكن أن تتقلص دورة الحملة التي كانت تستغرق من ستة إلى عشرة أسابيع إلى تنفيذ يتم في اليوم نفسه. كما يمكن اليوم إنشاء محتوى كان يستغرق إنتاجه عدة أيام خلال ساعات أو حتى دقائق.
وهذا يمنح المسوقين فرصة لاستخدام المعلومات الجديدة بسرعة أكبر. فيمكن للمسوق، على سبيل المثال، استخدام شخصية اصطناعية تمثل العميل لاختبار فكرة ما من دون الانتظار لإجراء جولة تقليدية من مجموعات التركيز.
وبعد ذلك، يمكن لبيانات الأداء أن تحدد ما الذي يجب أن يحدث لاحقاً، بحيث تساعد كل نقطة تفاعل على تحسين النقطة التي تليها.
الذكاء الاصطناعي لن يصلح نموذج الحملات بمفرده
تبنى المسوقون أدوات الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة. ويستخدم نحو 60% منهم الذكاء الاصطناعي عدة مرات في الأسبوع، ومع ذلك فإن أقل من 10% يقولون إن الذكاء الاصطناعي يحقق قيمة عبر سير العمل التسويقي المتكامل من البداية إلى النهاية.
فاستخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج مسودة أولية أو لتحليل مجموعة من النتائج بسرعة أكبر لا يؤدي، في حد ذاته، إلى جعل بقية العمل يتحرك بالسرعة نفسها. وسرعان ما يضيع أي وقت تم توفيره إذا انتقل الناتج بعد ذلك إلى طوابير الموافقات نفسها، وعمليات التسليم نفسها بين الفرق، وإجراءات اتخاذ القرار نفسها.
ولا تزال معظم الشركات في هذه المرحلة. إذ يقول 28% فقط من المسوقين إن شركاتهم تعمل على إعادة تصميم جذرية لفرق التسويق وسير العمل. أما البقية، فيضيفون الذكاء الاصطناعي إلى العمليات القائمة بالفعل، ولا يزال جزء محدود فقط من هذا النشاط ينعكس فعلياً على النتائج المالية للشركات.
لنفترض أن الذكاء الاصطناعي استطاع اختصار يوم كامل من العمل إلى ساعات الصباح فقط. عندها يمكن للمسوق أن يقضي فترة ما بعد الظهر في فهم الأسباب التي تجعل العملاء يتصرفون بطريقة معينة، أو منح فكرة واعدة قدراً أكبر من الاهتمام، أو الاستجابة لمعلومات جديدة بينما لا تزال ذات قيمة وفائدة.
وإذا تم تعميم ذلك على فريق تسويق كامل، فإن الفرصة ستصبح أكبر بكثير من مجرد توفير بضع ساعات من العمل.
يجب أن يصبح سير العمل هو وحدة التغيير الأساسية
إن تحويل هذه القدرة الإضافية إلى نمو حقيقي يعتمد على الطريقة التي تتم بها إعادة تصميم العمل نفسه.
يحتاج قادة التسويق إلى دراسة كيفية انتقال العمل من إشارة صادرة عن العميل إلى قرار فعلي، ثم تحديد المواضع التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتصرف فيها، والمواضع التي يظل فيها الحكم البشري ضرورياً.
ومع تولي وكلاء الذكاء الاصطناعي جزءاً أكبر من أعمال التنفيذ وقدرتهم على الاستجابة للبيانات في وقت شبه فوري، سيحتاج المسوقون إلى امتلاك مهارات تمكّنهم من العمل بطريقة مختلفة.
وهذا يعني القدرة على توجيه الذكاء الاصطناعي، وتفسير ما ينتجه، وتحديد ما يستحق الاهتمام. كما سيتعين عليهم أيضاً الحكم على ما إذا كان العمل الناتج يتمتع بمستوى جودة كافٍ لعرضه أمام العميل.
ويمكن رؤية مثال على ذلك لدى إحدى شركات الأغذية العالمية التي أعادت بناء الطريقة التي تنتج بها المحتوى التسويقي باستخدام الذكاء الاصطناعي.
فقد نجحت المراحل الأولى من هذه المبادرة في خفض تكاليف الحملات بنحو 80%، وجعلت عملية الإنتاج أسرع بنحو 90%.
وساعد الذكاء الاصطناعي على إنشاء نسخ مختلفة من المحتوى مخصصة للأسواق المحلية، ما أتاح تعديل الأصول التسويقية بسرعة أكبر وبدقة أعلى.
وكانت العملية قد أعيد تصميمها بالكامل من البداية إلى النهاية، وهو ما سمح بامتداد هذه المكاسب عبر مختلف مراحل سلسلة توريد المحتوى.
وتؤدي هذه الطريقة الجديدة في العمل أيضاً إلى تغيير الأدوار والمسؤوليات، ومن يقوم بماذا، ومن يتحمل المسؤولية عن النتيجة.
وسيحتاج قطاع التسويق إلى مزيد من الأشخاص القادرين على توجيه العمل المشترك بين البشر والذكاء الاصطناعي، بحيث يقدمون الإبداع والحكم البشري اللازمين لتشكيل النتيجة، ويستخدمون الذكاء الاصطناعي لتعزيز هاتين القدرتين.
كما سيكون لإعادة تأهيل المهارات وتطويرها دور أساسي في هذا التحول.
ستظل الحملات التسويقية جزءاً مهماً من التسويق، لكنها لم تعد قادرة على أن تكون الساعة التي يعمل قطاع التسويق وفق إيقاعها.
ولتحويل الذكاء الاصطناعي إلى مصدر فعلي للنمو، يجب على المؤسسات التسويقية الانتقال إلى نموذج تشغيل مستمر ودائم، يجمع الرؤية والتحليل والإبداع والتنفيذ بصورة أكثر ترابطاً وتقارباً.
