- يشارك كونراد هيوز، مدير إحدى أبرز المدارس الدولية في لوس أنجلوس، والمدير السابق لمدرسة مماثلة في جنيف، رؤيته حول كيفية مساعدة الطلاب على التعلّم في عصر الذكاء الاصطناعي.
- ارتبط تراجع نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب "PISA" في القراءة والرياضيات والعلوم باستخدام روبوتات الدردشة، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن ظاهرة تفويض الجهد المعرفي للتكنولوجيا.
- تساعد أساليب التدريس التي تتطلب جهداً ذهنياً كبيراً، مثل تدوين الملاحظات بخط اليد، والقراءة من الكتب الورقية، والامتحانات الشفوية والمناظرات، الطلاب على الاستمرار في التفكير بأنفسهم.
خلال تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة، اجتاحت موجة تكنولوجية هائلة الفصول الدراسية، وصولاً إلى ما نشهده اليوم من ظهور الذكاء الاصطناعي كعامل رئيسي يعيد تشكيل قطاع التعليم. وفي الوقت الراهن، عادت الآراء بشأن ما ينبغي تدريسه إلى نقطة قريبة من بداياتها. فقد برزت أساليب التدريس التي تتطلب جهداً معرفياً كبيراً، وهي ممارسات صفية تضمن أن يفكر الطلاب بأنفسهم، بوصفها استراتيجية أساسية.
على مدى عقود، كنا نشتكي، وربما لأسباب معقولة، من أن النماذج التعليمية تنظر إلى الماضي أكثر مما ينبغي، وأنها تقليدية وبطيئة في التكيف مع واقع عالم سريع التغيّر. وكانت الكفاءات والمهارات المطلوبة للمستقبل في صميم معظم النقاشات التعليمية الجادة منذ سنوات. وشملت التوقعات المتعلقة بمهارات المستقبل أشكالاً مختلفة من الثقافة الرقمية، مثل حماية البيانات، والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، والمهارات التكنولوجية.
لطالما كانت القدرة على النجاح في بيئة تكنولوجية عاملاً مهماً، وستصبح أكثر أهمية في مستقبل تهيمن عليه التكنولوجيا بصورة أكبر. ومع ذلك، ركزت سلسلة حديثة من الدراسات على الآثار الضارة الناجمة عن تفويض الجهد المعرفي إلى التكنولوجيا والاعتماد المفرط عليها في الفصول الدراسية. وشملت هذه الدراسات أبحاثاً تناولت تأثير استخدام نماذج اللغة الكبيرة للمساعدة في كتابة المقالات على نشاط الدماغ، إلى جانب التراجع الحاد في نتائج القراءة والرياضيات والاستدلال العلمي ضمن اختبارات "PISA". كما تشهد ظاهرة "القراءة المتسرعة"، التي يقرأ فيها الأطفال بسرعة ولكن بصورة غير دقيقة، ارتفاعاً كبيراً.
ثلاثة مبادئ توجيهية للتدريس في عصر الذكاء الاصطناعي
قادنا كل ذلك مجدداً إلى مجموعة من المبادئ البسيطة نسبياً، لكنها شديدة الأهمية:
القراءة والكتابة، وحل المشكلات يدوياً، وحل المشكلات ذهنياً، والتعلّم القائم على المشاريع، والتقييمات التي تُجرى داخل الفصل الدراسي، جميعها أمور بالغة الأهمية. فهي تضمن أن يفكر الطلاب بأنفسهم، وأن يدربوا المكونات الأساسية للذكاء المرن، مثل الذاكرة العاملة، والتعرف على الأنماط، وسرعة معالجة المعلومات، بدلاً من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي للقيام بالعمل نيابة عنهم.
أصبحت المناظرات والامتحانات الشفوية والمناقشات الأكاديمية والتعلّم القائم على الحوار أكثر ضرورة في الفصول الدراسية اليوم. فمن خلالها، يطوّر الطلاب مهارات التفكير السريع أثناء المواقف المباشرة، إلى جانب الكفاءات المتعلقة بالتواصل والتفاعل مع الآخرين. ومن دون هذه المهارات، قد نواجه صعوبة في التواصل الجيد بعضنا مع بعض، لا سيما في ظل انتقال جزء كبير من التفاعل إلى البيئة الرقمية ووجود تراجع واضح في مهارات التواصل وجهاً لوجه خارج التجمعات الاجتماعية التي تتيح هذا النوع من التفاعل، مثل الفصل الدراسي.
يجب أن يكون دمج التكنولوجيا في الفصل الدراسي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، مقصوداً ومدروساً، لا أن يحدث بصورة تلقائية باعتباره أمراً مفروغاً منه. ففي كل مرة نفكر فيها في استخدام التكنولوجيا ضمن ممارساتنا التعليمية، علينا أن نأخذ في الاعتبار الفوائد والسلبيات المحتملة، وأن تكون لدينا رؤية تعليمية واضحة وصريحة بشأن الغرض من استخدام هذه التكنولوجيا في تجربة التعلّم المعنية، وكذلك المشكلات المحتملة التي قد تنشأ عنها. فعلى سبيل المثال، يجب أن تخضع أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة كمدرسين افتراضيين للتقييم والاختيار من جانب خبير في التعليم، كما ينبغي تصميم الواجبات التي تسمح باستخدام الإنترنت على أساس افتراض أن الطلاب سيستخدمون الذكاء الاصطناعي.
العودة إلى الأساسيات من أجل التقدم إلى الأمام
الأمر المثير للاهتمام هو أن جزءاً كبيراً من هذا التوجه يمثل في الواقع عودة إلى الأساسيات: القلم والورق، والعمل على حل المشكلات من دون مساعدة التكنولوجيا، والتواصل الشفهي، وقراءة الكتب. قبل عشرين عاماً، كان من الممكن النظر إلى هذه الممارسات باعتبارها قديمة أو متجاوزة، بينما يُنظر إليها اليوم على أنها ضرورية للمستقبل.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن نعلّم الطلاب كيفية تصميم الخوارزميات، والآليات الاجتماعية والعاطفية المستخدمة لجذب المستخدمين في وسائل التواصل الاجتماعي، والتأثيرات البيئية للذكاء الاصطناعي، وكيفية التفكير من أجل صياغة التعليمات للذكاء الاصطناعي، بدلاً من استخدام التعليمات لجعل الذكاء الاصطناعي يفكر نيابة عنا. وينبغي أن تستمر الثقافة المتعلقة بالبيانات والتكنولوجيا في التطور داخل الفصول الدراسية، إلى جانب التعليم الأخلاقي والإبداعي والنقدي في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. فالمسألة لا تتعلق بالابتعاد عن التكنولوجيا، وإنما باستكمالها بأنواع التعلّم الضرورية لضمان ألا نسلّم لها قدراتنا من دون تفكير أو وعي.
أما النهج الأقل إثارة للاهتمام في التعامل مع هذا التحول في النموذج، أو ربما هذه العودة إلى نموذج سابق، فهو اللجوء إلى الحظر والمنع: لا مزيد من الذكاء الاصطناعي في المدارس، ولا مزيد من الهواتف، وتقليل استخدام التكنولوجيا. لكن هذه الإجراءات وحدها لن تحقق شيئاً، لأن ما يهم ليس ما نتوقف عن فعله، وإنما ما نختار أن نفعله بالفعل. لقد حان الوقت لصياغة رؤية واضحة لنوع التدريس والتعلّم والتقييم الذي نحتاج إليه.
دور أساليب التدريس التي تتطلب جهداً معرفياً كبيراً
تشمل أساليب التدريس التي تتطلب جهداً معرفياً كبيراً الممارسات الصفية، واستراتيجيات التعلّم في المنزل والواجبات المنزلية، والتقييمات والمهام التي تضمن أن يفكر الطلاب بأنفسهم، وأن يطوّروا ذاكرتهم طويلة المدى وذاكرتهم العاملة. وفي عالم تتراجع فيه مستويات التفكير النقدي والقدرة الذهنية، من الضروري أن يتبنى المعلمون والقادة هذه الرؤية وأن يتعاملوا مع التكنولوجيا بصورة مقصودة ومدروسة.
وربما ليس من المستغرب أن تتمثل الأدوات الرئيسية لهذه الأساليب في المهارات الحسابية والقراءة والكتابة، وهي الأسس القديمة التي تمثل العمود الفقري للتعليم الرسمي.
ينبغي تدوين الملاحظات بخط اليد، وقراءة الكتب من صفحاتها الورقية، مع اختبار الطلاب للتأكد من استيعابهم لما يقرؤونه. كما ينبغي تعزيز مهارات الحساب الذهني من خلال تكليف الطلاب بحل مسائل رياضية من دون استخدام التكنولوجيا، ويجب اختبار الذاكرة بصورة متكررة.
كذلك ينبغي إطالة أمد المناقشات، وربط الأفكار المعقدة من زوايا متعددة، ودفع الطلاب إلى توسيع قدرات ذاكرتهم العاملة، بحيث يحتفظون بعدة أفكار في أذهانهم في الوقت نفسه، بينما يعالجون أفكاراً أخرى ويستجيبون لآراء الأشخاص من حولهم.
وينبغي للآباء قراءة الكتب، وكذلك القراءة لأطفالهم ليلاً حتى سن متقدمة نسبياً، على الأقل حتى سن الحادية عشرة. كما ينبغي لهم الانخراط مع أطفالهم في نقاشات تساعد على توسيع مفرداتهم وتحسين قدرتهم على استخدام تراكيب لغوية أكثر تعقيداً.
إذا ركزنا على هذه الأمور ضمن نهج يعتمد على أساليب التدريس التي تتطلب جهداً معرفياً كبيراً، فسيصبح استخدام الشاشات والذكاء الاصطناعي أقل أهمية، ومن المرجح أن يصبح الأشخاص الذين يستخدمونهما أكثر قدرة على التمييز واتخاذ القرارات الواعية بشأن كيفية الاستفادة منهما.
وعندها لن يتمحور السؤال حول كيفية إبعاد الطلاب عن التكنولوجيا، لأن ذلك ليس حلاً، وإنما حول كيفية إعدادهم لاستخدامها بصورة جيدة وفعالة.
