القائمة الرئيسية

كيف يمكن للأنظمة الصحية وأصحاب العمل التعاون للوقاية من الأمراض المزمنة؟

كيف يمكن للأنظمة الصحية وأصحاب العمل التعاون للوقاية من الأمراض المزمنة؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن للتعاون بين الأنظمة الصحية وأصحاب العمل أن يشكل خط دفاع أكثر فاعلية ضد الأمراض المزمنة، من خلال تعزيز الوقاية والفحوصات المبكرة وربط الموظفين بمسارات علاج متكاملة، مع التركيز على أهمية التمويل طويل الأجل، والتنسيق بين القطاعات، واستخدام البيانات والخدمات الرقمية لتحسين النتائج الصحية وخفض التكاليف ودعم قوة عاملة واقتصادات أكثر صحة واستدامة.

  • تمثل الأمراض غير السارية نحو 75% من الوفيات العالمية غير المرتبطة بالأوبئة.
  • يمكن لأصحاب العمل دعم جهود الوقاية والفحوصات والكشف المبكر وتسهيل الوصول إلى الرعاية الصحية في مراحل مبكرة.
  • يتطلب تحقيق نتائج مستدامة تمويلاً طويل الأجل وتنسيقاً يمتد عبر جميع مراحل مسار الرعاية الصحية.

تُعيد الأمراض المزمنة، مثل أمراض القلب والسكري، تشكيل الأنظمة الصحية والاقتصادات على حد سواء، إذ تزيد الضغوط على أصحاب العمل والميزانيات العامة والخدمات الصحية. وفي عام 2023، شكّلت الأمراض غير السارية نحو 75% من الوفيات العالمية غير المرتبطة بالأوبئة، فيما تشير التقديرات إلى أن الأمراض المزمنة قد تكلف الاقتصاد العالمي 47 تريليون دولار بحلول عام 2030.

ويؤثر هذا العبء العالمي في الأشخاص من مختلف الأعمار وفي جميع البلدان، ما يسلط الضوء على الحاجة إلى استثمارات منسقة في مجال الوقاية. وعلى الرغم من الأدلة القوية التي تؤكد أن الوقاية والتدخل المبكر يسهمان في تحسين النتائج الصحية وخفض التكاليف على المدى الطويل، فإن معظم الأنظمة الصحية لا تزال تركز على العلاج التفاعلي للحالات التي وصلت بالفعل إلى مراحل متقدمة.

ويُظهر بحث نُشر عام 2026 حول تأثير الأمراض غير السارية، أجرته منظمة الشراكة من أجل استدامة النظم الصحية وقدرتها على الصمود (PHSSR)، فوائد تحقيق توافق أفضل بين مكونات الأنظمة الصحية، كما يوضح حجم التداعيات الناجمة عن إهمال الاستثمار في التدخل المبكر.

ويبين تحليل الشراكة وجود ديناميكيات مشتركة بين الأنظمة الصحية الوطنية في البلدان الثمانية التي شملتها الدراسة، وهي كندا وفرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا واليابان وبولندا وإسبانيا. وبغض النظر عن موقع هذه الأنظمة، فإنها غالباً لا تتدخل بالسرعة الكافية وتفوت فرص الاستفادة من أوجه التكامل فيما بينها. كما تُعالج الحالات الصحية التي تشترك في عوامل خطر متداخلة بصورة منفصلة، بينما لا تتوافق الموارد المتاحة في بعض البلدان بشكل كافٍ مع احتياجات السكان.

ويُعد التحرك المبكر لمواجهة الأمراض غير السارية أمراً أساسياً لدعم مشاركة الأفراد في سوق العمل، وضمان استدامة الأنظمة الصحية، وتعزيز قدرة الاقتصادات على الصمود.

كيف يمكن لأصحاب العمل دعم الوقاية من الأمراض المزمنة؟

تشترك الأنظمة الصحية وأصحاب العمل في مصلحة واحدة واضحة، وهي أن تمتع الأفراد بصحة أفضل يسهم في بناء قوى عاملة أقوى واقتصادات أكثر قدرة على الصمود.

ولهذا السبب يستثمر أصحاب العمل في الوقاية من خلال برامج الصحة في أماكن العمل، ومبادرات التثقيف الصحي، والمزايا الصحية المقدمة للموظفين. وقد بدأت الشركات الكبرى بالفعل في زيادة استثماراتها في هذا المجال، إذ يقدم 62% من أصحاب العمل الذين يزيد عدد موظفيهم على 20 ألف شخص برامج لإدارة مرض السكري، بينما يوفر 66% منهم تغطية لأدوية من فئة GLP-1 المستخدمة في إدارة السمنة.

ومع ذلك، فإن الاستثمار في الرعاية الوقائية يستحق مزيداً من الاهتمام. فعلى مستوى المؤسسات حول العالم، توفر 20% منها فحوصات المؤشرات الحيوية للكشف عن مخاطر الإصابة بالسكري وأمراض القلب، فيما تقدم 14% منها فحوصات للكشف عن السرطان. وهذه ليست فكرة حديثة، فقد بدأت شركة فيليبس، على سبيل المثال، منذ ثلاثينيات القرن الماضي في توفير فحوصات الكشف عن مرض السل لموظفيها وأفراد أسرهم.

وتتطلب الوقاية الفعالة تنسيقاً بين عدد من الأطراف والجهات المعنية. فالإدارة المجزأة للارتفاع المتزايد في حالات الأمراض غير السارية لها عواقب مباشرة على الموظفين وأصحاب العمل على حد سواء، إذ تسهم في الإصابة بأمراض يمكن تجنبها، وتدهور النتائج الصحية، وارتفاع معدلات الغياب عن العمل، وزيادة تكاليف المزايا الصحية، وانخفاض الإنتاجية.

ولا يمكن للمبادرات التي يقودها أصحاب العمل أن تحل محل أنظمة الصحة العامة القوية، لكنها تستطيع أن تكمل دورها من خلال تعزيز الوقاية، والاستمرار في دعم مسارات رعاية صحية أكثر تكاملاً وتنسيقاً.

مواجهة الأمراض المزمنة تتطلب عملاً مشتركاً

تظل الجهود الوقائية الرامية إلى الحد من التعرض لعوامل الخطر، مثل فرض الضرائب على التبغ، ووضع حدود لمستويات الصوديوم، وإطلاق حملات لتحسين مستويات النشاط البدني، من الركائز الأساسية للاستراتيجيات الناجحة في مجال صحة السكان.

ورغم أن برامج الوقاية الأولية المصممة جيداً ضرورية بوضوح، فإنها وحدها ليست كافية للحد من العبء المتزايد للأمراض أو من تكاليف الرعاية في المراحل المتقدمة.

ولهذا السبب، وإلى جانب الوقاية الأولية، يُعد الكشف المبكر من خلال الفحوصات أمراً أساسياً للحد من العبء الذي تفرضه الأمراض المزمنة على أنظمة الرعاية الصحية. وعندما تكون هذه الفحوصات مرتبطة بإمكانية الحصول على العلاج، فإنها تصبح أيضاً ذات جدوى عالية من حيث التكلفة.

ومع ذلك، يشير بحث الشراكة من أجل استدامة النظم الصحية وقدرتها على الصمود إلى أن برامج فحص السرطان، رغم انتشارها الواسع، تشهد اختلافات كبيرة بين البلدان لا يمكن تفسيرها فقط بمدى توافر الموارد. أما بالنسبة إلى أنواع أخرى من الأمراض غير السارية، فلا تزال برامج الفحص المنهجي محدودة التطور، رغم العبء الذي تفرضه هذه الأمراض على أنظمة الرعاية الصحية وتوافر اختبارات منخفضة التكلفة وعلاجات فعالة.

ويتعين على أنظمة الرعاية الصحية بناء مسارات واضحة تربط بين الوقاية والفحص والتشخيص والإحالة والعلاج. فالوقاية والفحص وحدهما لا يكفيان إذا كان المرضى غير قادرين على الحصول على الأدوية أو الرعاية المتخصصة أو المتابعة الصحية المنسقة.

ويمكن لأصحاب العمل استكمال الخدمات التي يقدمها قطاع الرعاية الصحية عبر الاستثمار في برامج لتعزيز الصحة مصممة بما يتناسب مع احتياجات القوى العاملة، وتطوير تصميم المزايا الصحية، وتنفيذ مبادرات للتثقيف الصحي تساعد الموظفين على فهم عوامل الخطر التي يتعرضون لها وتشجعهم على المشاركة في برامج الفحص والكشف المبكر.

فعلى سبيل المثال، يمكن للمبادرات المرتبطة باليوم العالمي للقلب أن تساعد أصحاب العمل على رفع مستوى الوعي بعوامل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وتشجيع الموظفين على المشاركة في برامج الفحص.

وتوفر أماكن العمل بيئة استراتيجية لتعزيز الصحة، لما تتمتع به من بنية تحتية قائمة وإمكانية الوصول المنتظم إلى أعداد كبيرة من الأشخاص، إلى جانب قدرتها على التواصل مع فئات تكون غالباً أقل تمثيلاً في برامج الوقاية. كما يمثل أصحاب العمل أطرافاً مهمة في الحوار المتعلق بإعادة تشكيل القيمة التي تقدمها الرعاية الصحية، سواء على مستوى السياسات أو التمويل.

وتؤدي الخدمات الرقمية دوراً أساسياً في إنشاء مسارات صحية أكثر تكاملاً. فمن شأن تطوير خدمات رعاية صحية رقمية أكثر قابلية للتشغيل البيني على المستوى الوطني أن يتيح، على سبيل المثال، تبادل المعلومات بين خدمات الرعاية الأولية والرعاية المتخصصة، إلى جانب دعم المراقبة الدقيقة لمسارات الرعاية الصحية وأوقات الإحالة.

كما أن الوصول إلى بيانات محدثة، ضمن إطار قوي للخصوصية والحوكمة، من شأنه أن يسهل تحديد المجالات التي تحتاج إلى تدخل. وبالمثل، يمكن لجمع آراء الموظفين وملاحظاتهم أن يساعد على اكتشاف المخاطر في مراحل مبكرة، وأن يوضح المجالات التي يواجه فيها الأشخاص صعوبات في الوصول إلى الرعاية الصحية التي يحتاجون إليها.

كيف يمكن للأنظمة الصحية مساعدة أصحاب العمل في مواجهة الأمراض المزمنة؟

يشير تحليل الشراكة من أجل استدامة النظم الصحية وقدرتها على الصمود إلى ثلاث طرق يمكن من خلالها لصناع السياسات دعم أصحاب العمل أثناء تنفيذ المبادرات المتعلقة بالرعاية الصحية:

1. مواءمة أنظمة الرعاية الصحية على المستويين الوطني والإقليمي

يوفر استعداد أصحاب العمل للاستثمار في البرامج الداعمة للوقاية والتثقيف الصحي والتدخل المبكر فرصة أمام أنظمة الرعاية الصحية العامة لتحقيق توافق أفضل بين استراتيجيات الوقاية والموارد وطرق تقديم الخدمات.

ويكتسب تحقيق هذه المواءمة على المستوى الوطني أو الإقليمي أهمية خاصة بالنسبة إلى أصحاب العمل متعددي الجنسيات الذين يرغبون في تطبيق استراتيجيات متسقة للوقاية بين موظفيهم في مختلف البلدان والمناطق. إذ تمثل الاختلافات المحلية في مسارات الرعاية الصحية ومدى توافر الخدمات تحدياً أمام تقديم برامج متكافئة وفعالة لجميع الموظفين.

ويمكن للحكومات تعزيز هذا التنسيق من خلال وضع حوافز تكافئ الاستثمار في الوقاية وتحسين فرص الحصول على الرعاية الصحية.

2. تمويل الرعاية الصحية لعدة سنوات والتنسيق بين القطاعات

يمثل النموذج الحالي لتمويل أنظمة الرعاية الصحية العامة أحد أبرز العوائق أمام الاستثمار في الوقاية. ففي كثير من الأحيان، تكون مصادر التمويل مقيدة بدورات الميزانيات السنوية، في حين تتطلب الوقاية استثمارات مستدامة تمتد لعدة سنوات.

ولتمكين أنظمة الرعاية الصحية من تحقيق وقاية أفضل والتدخل في مراحل مبكرة، يجب أن يكون التمويل الصحي مرناً ومستداماً، مع تخصيص موارد تغطي مسار الرعاية بأكمله، بدءاً من الفحص وصولاً إلى العلاج.

كما أن الالتزامات التمويلية متعددة السنوات من شأنها أن تعكس الطبيعة طويلة الأجل للفوائد التي توفرها الوقاية من الأمراض. ويمكن أيضاً أن يسهم التتبع الشفاف لمصادر التمويل والنتائج الصحية في حماية ميزانيات الرعاية الصحية من الاضطرابات قصيرة الأجل.

3. تتبع مسارات الرعاية الصحية والنتائج الصحية

يتطلب إعطاء الأولوية للوقاية والفحص، إلى جانب تغيير نماذج التمويل، وجود هيكل قوي للحوكمة. وفي كثير من الحالات، لا تزال أنظمة الحوكمة تعاني قصوراً في مجالي المتابعة والمساءلة، ما يؤدي إلى استمرار الاضطرابات التي تؤثر في مسارات الرعاية الصحية.

وغالباً ما توجد عمليات للرصد على المستوى الوطني، لكنها لا تكون مصحوبة بالسلطة الكافية لاتخاذ إجراءات تصحيحية. فتحديد المشكلات أمر مفيد، لكنه يفقد الكثير من قيمته إذا لم تتوافر القدرة على تقديم الحلول أو التأثير في القرارات المتعلقة بالميزانيات.

ويمكن أن يسهم تطوير سجلات شاملة للأمراض غير السارية في توفير بيانات عن معدلات الإصابة وعوامل الخطر، إلى جانب إظهار المجالات التي لا تزال تشهد تفاوتات في النتائج الصحية.

دعم اقتصادات أكثر صحة

لا يستطيع أصحاب العمل حل أزمة الأمراض المزمنة بمفردهم. لكن من خلال ربط جهود الوقاية في أماكن العمل ببرامج الفحص والتشخيص والعلاج الممولة من القطاع العام، يمكنهم مساعدة الأنظمة الصحية على التدخل في مراحل مبكرة، قبل أن تتحول الحالات التي يمكن التعامل معها والسيطرة عليها إلى أمراض مكلفة ومهددة للحياة.

المصدر

مقالات ذات صلة