- لا يزال نحو خُمس مساحة المحيطات في العالم بحاجة إلى الحماية بحلول عام 2030.
- يجب أن يترافق توسيع المناطق البحرية المحمية مع جهود لتحسين فاعليتها، إذ لا يُعتبر سوى 3.5% من مساحة المحيطات محمياً بصورة كافية.
- تعتمد الحماية الفعالة على القيادة المحلية، والحوكمة القوية، والتمويل طويل الأجل، والخبرة العلمية، والبيانات، والتكنولوجيا.
على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي، أطلق المنتدى الاقتصادي العالمي «رؤية أصدقاء العمل من أجل المحيطات لعام 2030»، التي تحدد الأولويات للسنوات الأخيرة من عقد شهد التزام المجتمع الدولي بأهداف طموحة لحماية المحيطات.
ومن بين أكثر هذه الالتزامات أهمية هدف «30×30». ففي إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي، اتفقت الحكومات على صون ما لا يقل عن 30% من المناطق البحرية والساحلية بحلول عام 2030. ومع بقاء أقل من أربع سنوات على الموعد المحدد، لم يعد التحدي يقتصر على إعلان مناطق حماية جديدة، بل أصبح يتمثل في ضمان تشغيل هذه المناطق وفاعليتها على أرض الواقع.
تغطي المناطق البحرية المحمية حالياً نحو 9.8% من مساحة المحيطات، وفقاً لبيانات «أطلس الحماية البحرية»، وهو مشروع تابع لمعهد الحفاظ على البيئة البحرية.
ووجد الباحثون أن ما لا يقل عن نصف المناطق البحرية المحمية القائمة لم يُنفذ فعلياً بعد أو لا يتمتع بالفاعلية التشغيلية اللازمة، أي إن الممارسات القائمة فيها لا تتوافق مع أهداف الحفاظ على التنوع البيولوجي. كما أشار «أطلس الحماية البحرية» إلى أن نحو 3.5% فقط من مساحة المحيطات تتمتع حالياً بمستوى حماية يعتبره الخبراء كافياً.
وتناول تقرير حديث صادر عن معهد سميثسونيان للأبحاث الاستوائية بعنوان «سد فجوة التنفيذ: تنمية القدرات لتحقيق هدف 30×30 البحري بفاعلية» إحدى السبل الممكنة لتغيير هذا الواقع من خلال تنمية القدرات وتبادلها، أي تعزيز قدرات الأفراد والمؤسسات والأنظمة عبر تطوير المهارات، وتوسيع المعرفة، وتوفير الدعم المؤسسي، بهدف تحسين الأداء وتحقيق الأهداف المشتركة.
وتشير أبحاث المعهد إلى أن تحقيق الأهداف الجماعية للتنوع البيولوجي ضمن مبادرة 30×30، وضمان استفادة المجتمعات من نتائجها، لن يكون ممكناً إلا إذا اضطلع الجميع بدورهم. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تحويل مجرد إعلان مناطق الحماية إلى حماية مستدامة وفعالة، والاستفادة من فرص تنمية القدرات التي تراعي السياقات الإقليمية ويتم تنسيقها بين مختلف عناصر جهود الحفاظ على البيئة.
ولذلك، يجب أن تتعامل المرحلة المقبلة من هدف 30×30 مع تحديين في الوقت نفسه: التوسع بصورة كبيرة في المساحات الخاضعة للحماية، وتحسين جودة الحماية القائمة بالفعل.
وتعكس «رؤية أصدقاء العمل من أجل المحيطات» هذا التحول من الطموحات إلى التنفيذ، إذ تجمع قادة من الحكومات وقطاع الأعمال والعلوم والمجتمع المدني حول المتطلبات العملية اللازمة لتحويل الالتزامات العالمية إلى نتائج مستدامة.
«قد يدعم التمويل قصير الأجل إعلان منطقة بحرية محمية، من دون توفير الموارد المستدامة اللازمة لإدارتها ومراقبتها وإنفاذ القواعد فيها.»
ما الذي يجعل الحماية البحرية فعالة؟
يوضح تقرير معهد سميثسونيان للأبحاث الاستوائية أنه لا يوجد نموذج واحد يصلح لجميع حالات الحفاظ الناجح على البيئة البحرية. فالظروف البيئية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية تختلف بدرجة كبيرة بين المناطق، كما تختلف هياكل الحوكمة والاحتياجات التمويلية وطبيعة علاقة المجتمعات بالمحيط. ولذلك، يجب أن تستند أساليب الحماية إلى السياقات الإقليمية والمحلية.
وتُعد المؤسسات القوية والقيادة المحلية عاملين أساسيين. فالمناطق المحمية تحتاج إلى أشخاص يمتلكون المهارات والموارد والصلاحيات اللازمة لإدارتها على المدى الطويل، إلى جانب شراكات مستدامة تجمع الحكومات والشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية والعلماء والمجتمع المدني والشركات والمؤسسات المالية.
ومن ثم، فإن تنمية القدرات تتجاوز بكثير مجرد تقديم التدريب. فهي تشمل توفير البيئة الداعمة التي تتيح لجهود الحفاظ على البيئة النجاح، بما في ذلك الحوكمة والسياسات المستقرة، والتمويل طويل الأجل وسهل الوصول، وإشراك أصحاب المصلحة بصورة شاملة، والوصول إلى البيانات والتكنولوجيا، ودمج الأولويات البيئية والاجتماعية، والتواصل الفعال مع الجمهور.
ويتمثل التحدي في ضمان أن تؤدي هذه الظروف فعلياً إلى دعم التنفيذ على أرض الواقع، وأن تمتلك المؤسسات المحلية القدرة على الحفاظ عليها واستدامتها بمرور الوقت.
تمويل الحماية الفعالة
يوضح التمويل كيف يتجسد هذا التحدي عملياً. إذ يتوسع التمويل المستدام للمحيطات من خلال السندات الزرقاء، والصناديق المخصصة، وآليات التمويل المختلط. وخلال منتدى الاقتصاد الأزرق والتمويل لعام 2025، تم تحديد استثمارات قائمة تتجاوز قيمتها 25 مليار دولار، إضافة إلى تأمين التزامات جديدة بقيمة 8.7 مليار يورو حتى عام 2030.
لكن توافر رأس المال لا يضمن بالضرورة تحقيق حماية فعالة.
فقد يتيح التمويل قصير الأجل إعلان منطقة بحرية محمية، من دون توفير الموارد المستدامة اللازمة للإدارة والمراقبة وإنفاذ القواعد. كما قد تواجه المؤسسات المحلية عقبات كبيرة في الوصول إلى التمويل الدولي، رغم أنها غالباً ما تكون من الجهات الأقدر على تحقيق نتائج ملموسة في مجال الحفاظ على البيئة.
ولذلك، يتمثل التحدي في ربط الموارد المالية المتزايدة بشكل أكثر فاعلية باحتياجات الحفاظ على البيئة على المدى الطويل. ويتطلب ذلك توفير دعم مستدام، وتحسين وصول الجهات المحلية المنفذة إلى التمويل، وضمان امتلاك المسؤولين عن إدارة المناطق المحمية للموارد التي يحتاجون إليها للقيام بمهامهم بفاعلية على المدى الطويل.
ربط التكنولوجيا بالقدرات
تمثل التكنولوجيا تحدياً مماثلاً. فقد أسهم التقدم في الأقمار الاصطناعية والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية الخاصة بالمحيطات في تحسين قدرتنا على مراقبة النظم البيئية البحرية، والكشف عن الأنشطة غير القانونية، وفهم التغيرات البيئية. غير أن الوصول إلى معلومات أفضل لا يؤدي، بمفرده، إلى إدارة أفضل.
ففي العديد من المناطق، تحد قلة التدريب وضعف البنية التحتية الرقمية والدعم المؤسسي من قدرة الحكومات ومديري المناطق المحمية والمجتمعات الساحلية على استخدام هذه الأدوات بفاعلية. ولذلك، يجب أن يترافق الاستثمار في التكنولوجيا مع الاستثمار في الأشخاص والمؤسسات المسؤولة عن استخدامها.
ويتمثل التحدي في ربط التطورات التكنولوجية بصورة أكثر فاعلية باحتياجات الإدارة. ومع توسع جهود الحماية لتشمل مناطق أكبر وأكثر بُعداً، يمكن للبيانات الأفضل أن تعزز عمليات المراقبة وإنفاذ القواعد، ولكن فقط إذا امتلك المسؤولون عن المناطق المحمية المهارات والأنظمة والصلاحيات اللازمة لتحويل المعلومات إلى إجراءات عملية.
جمع الموارد والخبرات
سيصبح الجمع بين هذه العناصر أكثر أهمية مع اقتراب عام 2030. فلا يزال من الضروري صون ما يقارب خُمس مساحة المحيطات العالمية خلال أقل من أربع سنوات، وهو ما يتطلب إحراز تقدم داخل المياه الخاضعة للسيادة الوطنية، وكذلك في المناطق الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنية.
ويجعل حجم هذا التوسع وسرعته جودة الحماية بنفس أهمية المساحة المشمولة بها. فتحقيق هدف 30×30 لن يتطلب فقط إضافة مناطق جديدة إلى نطاق الحماية، بل يحتاج أيضاً إلى الحوكمة والتمويل والشراكات والقدرات التقنية اللازمة لضمان استمرار هذه الحماية وتحقيقها فوائد بيئية قابلة للقياس.
وهنا يمكن لرؤية «أصدقاء العمل من أجل المحيطات» أن تسهم في تشكيل المرحلة المقبلة. فمن خلال الجمع بين القيادة السياسية والخبرات الإقليمية والتمويل والابتكار، يمكن للمبادرة المساعدة في تعزيز الظروف اللازمة للحفاظ على البيئة وتوسيع نطاق الحلول الفعالة.
لقد حدد العالم بالفعل حجم طموحه. وتتمثل المهمة من الآن وحتى عام 2030 في تحويل هذا الطموح إلى نتائج دائمة وملموسة. وفي نهاية المطاف، لن يُحكم على نجاح هدف 30×30 فقط بناءً على حجم مساحة المحيطات التي تمت حمايتها، بل أيضاً بناءً على ما تحققه هذه الحماية فعلياً.
