- نجاح مشروع تجريبي للذكاء الاصطناعي ليس سوى البداية؛ فالميزة الحقيقية تتحقق عندما تتمكن الشركات من تكرار ما أثبت نجاحه عبر شبكة كاملة من المصانع.
- يجمع نموذج «القاعدة والريادة» بين أسس مشتركة على مستوى المصانع تشمل المقاييس والمهارات الرقمية والحوكمة، مع إتاحة المجال لمواقع مختارة لاختبار تطبيقات متقدمة.
- أسرع المؤسسات تعلماً هي تلك التي تصمم مشاريعها منذ البداية بحيث تكون قابلة لإعادة الاستخدام، مع تحديد واضح للمسؤوليات وتوفير التمويل اللازم لتكرارها في مواقع أخرى.
على مدى ثماني سنوات، أظهرت المصانع الأكثر تقدماً في العالم ما يمكن تحقيقه عندما تعمل التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي والتميز التشغيلي معاً.
وقد وثّق تقرير صادر عام 2026 عن شبكة المنارات العالمية، وهي مبادرة تسلط الضوء على أبرز مواقع التصنيع التي تستخدم التقنيات المتقدمة، 223 موقعاً في أكثر من 30 دولة و40 قطاعاً صناعياً، مستعرضاً أكثر من 1,150 حلاً.
لكن بالنسبة إلى الرؤساء التنفيذيين ومديري العمليات، يتمثل السؤال الأساسي في كيفية تكرار التميز الذي يحققه مصنع واحد عبر شبكة من المصانع التي تختلف في معداتها واقتصادياتها ومنتجاتها وقدرات القوى العاملة لديها.
وتكشف بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي عن هذا التحدي بوضوح. إذ لم تتمكن سوى 23 مؤسسة من مؤسسات «المنارات» من توسيع نطاق إعادة تشكيل عملياتها لتشمل ثلاثة مواقع أو أكثر. وفي الوقت نفسه، يعمل الذكاء الاصطناعي على تسريع وتيرة التقدم؛ إذ أصبح الذكاء الاصطناعي التحليلي وتعلم الآلة مدمجين في نحو 62% من أبرز خمس حالات استخدام لدى مصانع المنارات، بينما بلغت نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي 23% في عام 2025، مقارنة بـ9% في عام 2024.
ومن دون وجود آلية لنقل القدرات والخبرات، ستتسع الفجوة بين أفضل مصنع في الشبكة وبقية المصانع.
وأطلق على النهج المطلوب اسم نموذج «القاعدة والريادة». ويتعين على القادة إدارة ثلاثة متغيرات معاً: مستوى الريادة، أي مدى تقدم المواقع المختارة في تحسين الأداء؛ واتساع القاعدة، أي مدى امتلاك شبكة المصانع للأسس اللازمة لتحقيق قيمة رقمية قابلة للتكرار؛ وسرعة التكيف، أي مدى سرعة تحويل التعلم المثبت إلى قيمة في مواقع أخرى.
لماذا لا ينجح نسخ نموذج مصنع رائد في أغلب الأحيان؟
خلال أكثر من 100 زيارة إلى مصانع مختلفة، رأيت مراراً النمط نفسه. يتم تصميم المشاريع التجريبية حول مسؤول محلي قوي، ومجموعة بيانات محددة، وأفضل فريق متاح. وعندما يحاول مصنع آخر تبني الحل نفسه، تتغير التعريفات، وتختلف واجهات المعدات، وتصبح المسؤوليات التشغيلية غير واضحة، كما لا تعود الجوانب الاقتصادية مطابقة تماماً.
وهكذا، فإن ما يبدو في البداية مشكلة تتعلق بتكرار التكنولوجيا يكون في الواقع، في معظم الأحيان، مشكلة مرتبطة بالسياق ونموذج التشغيل.
كما أن تركيب البنية التكنولوجية نفسها في كل مكان غالباً ما يكون غير مجدٍ اقتصادياً في شبكات المصانع القديمة القائمة بالفعل. وفي المقابل، فإن السماح لكل موقع ببناء حلوله بصورة مستقلة يؤدي إلى مضاعفة التكاليف وزيادة التجزؤ. لذلك يحتاج القادة إلى توحيد العناصر التي تسمح بانتقال المعرفة والخبرة بين المواقع، مع الحفاظ على الجوانب التي يجب أن تبقى محلية.
بناء القاعدة حول النتائج
تمثل القاعدة الحد الأدنى من الشروط التي يحتاج إليها كل موقع: وصول آمن إلى بيانات الآلات والعمليات ذات الصلة، وتعريفات موحدة للمؤشرات الأساسية، ومسؤوليات واضحة عن القرارات التشغيلية، وقدرة العاملين في الخطوط الأمامية على استخدام الأدوات الرقمية، ونظام حوكمة يربط كل حالة استخدام بالقيمة التجارية التي تحققها.
وينبغي أيضاً أن تحدد هذه القاعدة أين يُسمح بتشغيل البيانات والنماذج، ومتى يمكن للنماذج الأصغر والمتخصصة في مجالات محددة أن تقلل التكلفة واستهلاك الطاقة، وأين يجب أن تبقى السلطة في اتخاذ القرار بيد الإنسان. ولا ينبغي أن يؤدي توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إضعاف الأمن أو السيادة أو المساءلة.
وفي مثال توضيحي من مصنع قائم ضمن شبكة المنتدى، استخدم مصنع ACG Packaging Materials في شيروال بالهند نماذج تعلم آلي تجميعية جرى تدريبها باستخدام بيانات لأفضل دفعات الإنتاج تمتد لأكثر من عامين، ثم تم تطبيقها على معدات يبلغ عمرها 60 عاماً.
وأظهرت النتائج المعلنة تحسناً بنسبة 37% في معدل النجاح من المرة الأولى، وانخفاضاً بنسبة 43% في الوقت اللازم لإعداد الجودة. ولم تتطلب هذه المكاسب إنشاء مصنع جديد من الصفر، بل احتاجت إلى أسس قابلة للاستخدام ومشكلة تشغيلية محددة بوضوح.
«الميزة التنافسية في قطاع التصنيع ستصبح من نصيب الشركات القادرة على نشر التميز الموجود في أفضل مصانعها على نطاق أوسع.»
تصميم مواقع الريادة لتعليم الشبكة بأكملها
ينبغي اختيار مواقع الريادة استناداً إلى العوائد المحتملة التي يمكن أن تحققها وإلى حجم التعلم الذي يمكنها توفيره. وقد تتضمن المحفظة المناسبة مصنعاً مرتفع الحجم الإنتاجي، ومنشأة معقدة منخفضة الحجم الإنتاجي، وموقعاً يعتمد على أنظمة ومعدات قديمة. كما ينبغي أن يبدأ كل مشروع بسؤال يتعلق بالموقع الثاني: ما الذي يحتاج إليه مصنع آخر حتى يتمكن من إعادة استخدام هذه القدرة؟
ويشجع ذلك منذ البداية على تطوير واجهات مرنة، وتعريفات بيانات قابلة لإعادة الاستخدام، وضوابط للأمن السيبراني، ومواد تدريبية، ومسؤوليات تشغيلية محددة بوضوح. والمطلوب هو توحيد «القواعد النحوية»، لا توحيد كل جملة.
وفي أعمال استشارية جارية مع شركات تصنيع متنوعة، يجري تصميم تحولات على مستوى الشبكات تشمل وحدات أعمال ومنتجات ومصانع متعددة بمستويات مختلفة من النضج الرقمي. وتستخدم إحدى الشبكات عدة أنظمة لتنفيذ عمليات التصنيع، لكنها تفتقر إلى رؤية موحدة للنتائج التجارية.
وفي شبكة أخرى، اكتمل التصميم وبدأ التنفيذ من خلال نظام لتنفيذ عمليات التصنيع ونظام متقدم للتخطيط والجدولة. والهدف عملي وواضح: تمكين القادة من تقديم عروض لأعمال جديدة اعتماداً على بيانات فعلية حول تكلفة المنتج، ومدة التسليم، والقدرة الإنتاجية المتاحة فعلياً.
ويجب أن يدعم التصميم عمليات الموازنة بين مدة التسليم والتكلفة وقرارات التصنيع داخلياً أو الشراء من الخارج وتوافر الموارد والصيانة وتوسيع الطاقة الإنتاجية، مع تمكين الشبكة من إعادة التخطيط كلما تغيرت القيود. وتشكل بنية تكامل مشتركة ومركز قيادة على مستوى الشبكة أساس القاعدة، بينما تحدد حالات الاستخدام المختارة في مواقع الريادة ما يمكن نقله إلى بقية الشبكة.
كما يعتمد نقل الخبرات على الأشخاص والمؤسسات. ويوضح المنتدى كيف جمع موقع شركة Mettler Toledo في تشانغتشو بين خبراء داخليين وجامعات وموردين ومواقع أخرى، ثم وسّع نطاق تحوله ليشمل ستة مواقع إضافية. وتساعد مجتمعات الممارسة على نقل الخبرة والحكم العملي الذي يقف وراء الحل، وليس فقط الشفرة البرمجية الخاصة به.
جعل نقل الخبرات مسؤولية قيادية
ينبغي للرؤساء التنفيذيين ومديري العمليات مراجعة مستوى الريادة واتساع القاعدة وسرعة التكيف معاً. أما البديل فينطوي على خطر مكافأة نماذج متطورة لكنها معزولة، أو منصات موحدة تحقق الاتساق من دون أن تؤدي إلى تحسين ملموس.
ويحتاج كل برنامج ريادي إلى مسؤول يتولى إعادة استخدامه، وميزانية لتمويل العناصر الأساسية القابلة لإعادة الاستخدام، وموقع مستقبِل يلتزم بتوفير القدرة التشغيلية اللازمة لتطبيقه. فمعيار النجاح ليس مجرد نشر الحل، بل تحقيق قيمة فعلية في السياق التالي.
ويغير هذا النموذج أيضاً طريقة تخصيص رأس المال. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن العائد المتوقع في موقع المشروع التجريبي، ينبغي للقيادة أن تطلب دراستي جدوى: الأولى تتعلق بالقيمة المحلية، والثانية بالقيمة الناتجة عن إمكانية نقل الحل إلى مواقع أخرى.
وقد يستحق مشروع ذو عائد أقل قليلاً على مستوى الموقع الأولوية إذا كان يخلق قدرة قابلة لإعادة الاستخدام عبر شبكة كبيرة من المصانع.
وفي المقابل، قد يظل تطبيق ذو عائد مرتفع محصوراً في موقع واحد عندما تكون ظروفه التشغيلية فريدة. وهذا يجعل قابلية نقل الحل معياراً تصميمياً يجب أخذه في الاعتبار قبل الموافقة على التمويل، كما يوضح العناصر التي ينبغي أن تصبح جزءاً من منصة مؤسسية، أو منتج مشترك، أو إعداد خاص بموقع محدد.
ورغم أن جميع المصانع لا تحتاج إلى الوصول إلى الوجهة نفسها، فإنها جميعاً تحتاج إلى الاستفادة مما تتعلمه الشبكة. لقد أظهرت شبكة المنارات العالمية المدى الذي يمكن أن تصل إليه مستويات الريادة. أما الميزة التنافسية المقبلة في قطاع التصنيع، فستكون من نصيب الشركات القادرة على نشر التميز الموجود في أفضل مصانعها على نطاق أوسع.
