القائمة الرئيسية

مصمَّم من أجل الاقتصاد الدائري: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي وإعادة التدوير الحيوي إنعاش التصنيع الأوروبي

مصمَّم من أجل الاقتصاد الدائري: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي وإعادة التدوير الحيوي إنعاش التصنيع الأوروبي
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي وإعادة التدوير الحيوي القائم على الإنزيمات أن يسهما في إنعاش الصناعة الأوروبية، من خلال تحويل النفايات والمواد المعقدة إلى موارد قابلة لإعادة الاستخدام داخل سلاسل الإمداد. وتسلّط الضوء على نموذج النايلون 6,6، ودور التقنيات الحيوية وإعادة توظيف المصانع القائمة في تقليل الاعتماد على الهيدروكربونات المستوردة، بما يفتح الباب أمام صناعة أوروبية أكثر استدامة ومرونة وقدرة على المنافسة.

  • في ظل الأزمة التي تواجهها صناعة الكيماويات الأوروبية، يتعين على المصنعين البحث عن مصادر بديلة لتأمين سلاسل الإمداد الخاصة بهم.
  • لكي ينجح الاقتصاد الدائري تجارياً، يجب أن يكون قادراً على التعامل مع تعقيد المواد الحديثة ودمجها ضمن عملياته.
  • بدعم من الذكاء الاصطناعي، يمكن لإعادة التدوير القائمة على الإنزيمات وعمليات البلمرة أن تساعد في ضمان استمرارية سلاسل إمداد المواد الكيميائية.

ليس سراً أن صناعة الكيماويات في أوروبا تمر بأزمة. فمنذ عام 2022، ارتفع عدد حالات إغلاق المنشآت بمقدار ستة أضعاف، ما أدى إلى فقدان 37 مليون طن من الطاقة الإنتاجية، أي ما يعادل نحو 9% من إجمالي القدرة الإنتاجية المركبة. ويتمثل رد الفعل السياسي المعتاد في محاولة حماية ما تبقى من هذه الصناعة عبر فرض رسوم على الواردات وتقديم الدعم المالي. غير أن ذلك لا يعالج المشكلة الأساسية. فما تزال القارة تستورد احتياجاتها من الهيدروكربونات، ثم تحوّلها إلى منتجات نهائية باستخدام بعض من أعلى تكاليف الطاقة في العالم.

وتتجاوز أهمية هذا الأمر حدود قطاع الكيماويات نفسه. فالمواد الكيميائية تقع في بداية سلاسل إنتاج كل شيء تقريباً. ومن دون تدفقات منتظمة ومستقرة من المواد الكيميائية والبلاستيك والمواد الصناعية والغازات، يمكن أن تتوقف قطاعات تمتد من صناعة السيارات إلى إنتاج الأدوية. ومع ذلك، فإن هذه الموارد موجودة بالفعل داخل أوروبا، لكنها محتجزة في المنتجات المستعملة التي وصلت إلى نهاية عمرها الافتراضي، في ظل غياب حلول لإعادة التدوير تستطيع استعادة قيمة المواد الخام الموجودة فيها وإعادتها إلى سلاسل الإمداد المحلية.

تقدّر المفوضية الأوروبية أن ما يصل إلى 80% من الأثر البيئي للمنتج يتحدد في مرحلة التصميم. وقد أصبحت هذه النسبة إحدى الركائز الأساسية لسياسات الاتحاد الأوروبي، ولسبب وجيه. فإذا صُممت قطعة ملابس أو أحد مكونات السيارات أو عبوة تغليف باستخدام مواد لا يمكن إعادة تدويرها، فلن تتمكن أي منظومة لجمع النفايات في المراحل اللاحقة، مهما بلغت كفاءتها، من استعادة الموارد المحتجزة داخلها.

غير أن التصميم القابل لإعادة التدوير أكثر صعوبة مما قد توحي به هذه النسبة، فضلاً عن التساؤل حول كيفية التعامل مع المنتجات الموجودة بالفعل. فالمواد أحادية المكوّن ليست كافية لمعظم الاستخدامات. وقد أدت عقود من البحث والتطوير الصناعي إلى إتقان مزج المواد المختلفة لتحقيق خصائص وأهداف أداء محددة، ولا يمكن معالجة أزمة النفايات على حساب هذا الأداء. لذلك، يجب أن تكون التكنولوجيا قادرة على التعامل مع هذا التعقيد بدلاً من تجاهله. ويُعد الاقتصاد الدائري حلاً لمشكلة اعتماد أوروبا على الهيدروكربونات المستوردة، لكنه لن يكون ذا قيمة حقيقية ما لم يكن قادراً على المنافسة اقتصادياً.

ويُعد النايلون 6,6 مثالاً واضحاً على ذلك. إذ تنتج الصناعة أكثر من 3 ملايين طن منه سنوياً لاستخدامه في التطبيقات التقنية وتطبيقات السلامة والتطبيقات الصناعية عالية الأداء التي تتطلب جودة ثابتة ومتسقة. وفي الوقت نفسه، يُمزج هذا النوع من النايلون بمواد أخرى ويُستخدم ضمن طبقات مركبة ويُغطى بمنتجات مختلفة، ولهذا السبب لا يُعاد تدوير سوى نسبة ضئيلة للغاية منه اليوم. وهناك تحديان رئيسيان يقفان في طريق إعادة تدويره.

يتمثل التحدي الأول في الكيمياء. فالروابط التي تربط جزيئات النايلون 6,6 ببعضها قوية للغاية، وهذا بالتحديد ما صُممت هذه المادة من أجله. ويمكن للأساليب الحرارية والكيميائية القاسية تفكيك هذه الروابط، لكنها تفعل ذلك بتكلفة مرتفعة، وتنتج مواد منخفضة الجودة، كما أنها لا تستطيع التعامل بكفاءة مع المواد المخلوطة.

أما كيمياء الحياة، فتقدم مساراً أفضل. فالإنزيمات آلات بيولوجية تنفذ تفاعلات معقدة بسرعات هائلة، وكل ذلك في درجة حرارة الغرفة وتحت الضغط الجوي الطبيعي، أي في الظروف نفسها التي تعمل فيها الحياة. ومن شأن تسخير هذه الدقة على المستوى الذري وتطبيقها على نطاق صناعي أن يفتح الباب أمام اختراقات كبيرة في مجال التصنيع المستدام.

لكن العقبة كانت دائماً تتمثل في عملية البحث. فالإنزيم الواحد يمكن أن يمتلك عدداً من المتغيرات المحتملة يفوق عدد الذرات الموجودة في الكون. إلا أن التطورات في الذكاء الاصطناعي وعلم الأحياء الحاسوبي غيّرت المعادلة المتعلقة بهذا البحث.

وتقوم نماذج شركة «إيبوك» (Epoch)، المدرَّبة على ما يمكن وصفه بلغة الحياة، بعملية ضبط دقيق باستخدام بيانات مملوكة للشركة يتم الحصول عليها من مختبراتها العملية. ومن خلال الجمع بين التصميم التوليدي وهذه البيانات عبر دورات تطوير متكررة، يمكن ضغط ما يعادل مليارات السنين من التطور الطبيعي إلى فترة لا تتجاوز بضعة أسابيع. ويحقق هذا التحول الكبير في تطوير المحفزات مستوى من الأداء يجعل الاقتصاد الدائري قادراً على المنافسة تجارياً.

أما التحدي الثاني، فهو الذي يحدد ما إذا كان من الممكن توسيع نطاق هذه التكنولوجيا. فإعادة البوليمر إلى مكوناته الأساسية لا تكون مفيدة إلا إذا أمكن إدخال هذه المكونات مباشرة في سلاسل الإمداد القائمة، وهذا يعني ضرورة إعادة تركيبها من خلال عملية البلمرة. والبلمرة، شأنها شأن معظم عمليات المعالجة الكيميائية، تتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة وتصاريح معقدة، كما يستغرق إنشاء مرافقها وقتاً طويلاً. ولا يمكن لتحول أوروبا نحو قاعدة كيميائية دائرية وأكثر قدرة على الصمود أن ينتظر إنشاء منشآت صناعية جديدة بالكامل من الصفر.

وهنا نعود إلى تلك الطاقة الإنتاجية البالغة 37 مليون طن. فالبنية التحتية موجودة بالفعل. والإيمان بإعادة توظيف الأصول الصناعية لا يقتصر على مجرد أفكار نظرية. ففي يوليو 2026، جمعت شركة «إيبوك» بين تحديات الكيمياء والتوسع الصناعي واستحوذت على منشأة لبلمرة النايلون 6,6. وبذلك، حصلت الشركة دفعة واحدة على قدرة إنتاجية بمستوى صناعي عالمي، وعقود من الخبرة في التصنيع، وفريق يتمتع بخبرة واسعة، لتصبح شركة متكاملة رأسياً.

ويكتسب هذا التكامل أهمية بالنسبة إلى مشتري النايلون بقدر ما يهم الشركة نفسها. فهو يتيح لهم فصل المخاطر المرتبطة بسلسلة الإمداد عن المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا. ومن خلال الاستفادة من المواد التي تنتجها المنشأة حالياً، يتم وضع الأسس التي تسمح بإدخال المنتجات المعاد تدويرها، والقابلة للاستخدام المباشر كبديل للمواد التقليدية، بسلاسة خلال السنوات المقبلة. وفي وقت تتزايد فيه مطالب المستهلكين وصناع السياسات بالانتقال نحو الاقتصاد الدائري، فإن القدرة على الإنتاج على نطاق واسع وإدارة المخاطر هي ما يميز الابتكار الحقيقي عن مجرد فكرة جذابة معروضة في عرض تقديمي.

ويمكن أن يشكل هذا نموذجاً للمستقبل. ففي الوقت الذي يجري فيه التخلي عن أجزاء من القاعدة الصناعية الأوروبية، يحتاج المنتجون القائمون على الاقتصاد الدائري إلى هذه الأصول تحديداً. ويمكن تغيير مصدر الجزيئات التي تمر عبر المفاعلات، لكن الهياكل المعدنية للمصانع والتصاريح والخبرات والمعرفة المتراكمة في المواقع الصناعية لا تحتاج إلى أن تختفي.

غير أن هذه الأصول لن تبقى متاحة إلى الأبد. فبمجرد إخراج مصنع كيميائي من الخدمة، تنتهي صلاحية التصاريح، وتتفرق القوى العاملة، وتختفي الفرصة. ولا يزال أمام إعادة التدوير باستخدام الإنزيمات الكثير لإثباته، إلا أن الاستقلال عن الهيدروكربونات، وتحقيق الاستدامة، وإحياء صناعة آخذة في التراجع يمكن أن تكون جميعها أجزاء من مشروع واحد. تمتلك أوروبا بالفعل الأدوات التي تحتاج إليها؛ وما عليها الآن سوى البدء في استخدامها.

المصدر

مقالات ذات صلة