- اعتمدت مرونة سلاسل الإمداد تاريخياً على هوامش أمان مثل زيادة المخزون، وتعدد الموردين، وتوفير طاقات احتياطية، وغالباً ما كان ذلك على حساب الكفاءة.
- تتيح التطورات في الذكاء الاصطناعي للمؤسسات اليوم السعي إلى تحقيق المرونة والكفاءة في الوقت نفسه، من خلال تقليل حالة عدم اليقين بدلاً من إضافة المزيد من الازدواجية والاحتياطيات.
- يسهم جيل جديد من الشركات الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي في جعل قدرات المرونة المتقدمة أكثر سهولة في الوصول إليها، ما يغيّر الطريقة التي تبني بها المؤسسات سلاسل إمداد مرنة وتحقق بها ميزة تنافسية.
على مدى عقود، تقبّل قادة سلاسل الإمداد ما بدا وكأنه مفاضلة لا مفر منها: فإما أن تعمل المؤسسات على تحسين سلاسل الإمداد بهدف تحقيق الكفاءة، من خلال تقليل التكاليف والمخزون إلى الحد الأدنى وتعظيم الاستفادة من الأصول، أو أن تستثمر في المرونة من خلال بناء قدر أكبر من المرونة التشغيلية والازدواجية وتعدد الخيارات.
وكان تحقيق الأمرين معاً يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أمراً غير واقعي. إلا أن التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي بدأت تتحدى هذه الفرضية.
ويأتي هذا التحول في وقت بالغ الأهمية. فالانقسامات الجيوسياسية، والاضطرابات المرتبطة بالمناخ، والتهديدات السيبرانية، وعدم اليقين الاقتصادي، كلها عوامل تكشف محدودية سلاسل الإمداد التي جرى تحسينها بالدرجة الأولى لتحقيق الكفاءة.
وتشير التقديرات إلى أن اضطرابات سلاسل الإمداد تكلف الشركات ما يصل إلى 1.6 تريليون دولار سنوياً من نمو الإيرادات العالمية المفقود. وفي الوقت نفسه، لم تطور سوى 29% من المؤسسات القدرات اللازمة للاستعداد للمستقبل.
وفي المقابل، يرى ما يقرب من ثلاثة من كل أربعة قادة أعمال اليوم أن المرونة تمثل محركاً للنمو والميزة التنافسية، وليست مجرد وسيلة لإدارة المخاطر.
"ما يتغير ليس فقط قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مدى سهولة نشرها وتطبيقها."
الذكاء الاصطناعي الوكيلي يغيّر طريقة بناء مرونة سلاسل الإمداد
تشير مرونة سلاسل الإمداد إلى قدرة المؤسسة على استشعار الاضطرابات في وقت مبكر، وامتصاص آثارها، وتكييف العمليات استجابة لها، والتعافي بسرعة كافية للحفاظ على الأداء. وتاريخياً، اعتمدت المرونة على إنشاء هوامش أمان من خلال زيادة المخزون، وتعدد الموردين، وتوفير طاقات احتياطية. ولا تزال هذه الأساليب مهمة في بعض الحالات، لكنها تأتي بتكلفة.
فوفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يؤدي تنويع الموردين إلى زيادة التكاليف الثابتة، في حين يؤدي ارتفاع مستويات المخزون إلى تجميد رأس المال العامل، ما يفرض على الشركات موازنة المرونة مع تكلفة الاحتفاظ بالمخزون.
ويتيح ظهور الذكاء الاصطناعي الوكيلي اتباع نهج مختلف لبناء المرونة. فبفضل قدرته على تنسيق تدفقات العمل والتصرف بصورة مستقلة، أصبح بإمكان المؤسسات توقع الاضطرابات وتنسيق الاستجابات بسرعة أكبر.
فعلى سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي الوكيلي مراقبة ملايين نقاط البيانات ومصادر الأخبار العالمية لاكتشاف الإشارات المبكرة والضعيفة عبر شبكات الموردين، وتقييم المخاطر التشغيلية بصورة مستمرة والتنبيه إليها، ونمذجة السيناريوهات البديلة في الوقت الفعلي، وتنسيق الاستجابات وتدفقات العمل المرتبطة بها عبر التخطيط والمشتريات والتصنيع والخدمات اللوجستية.
وتتوقع المؤسسات التي تتقدم نحو تطوير قدرات سلاسل إمداد ذاتية التشغيل تقليص أوقات الاستجابة للاضطرابات بنسبة 62%، وتقليل أوقات التعافي بنسبة 60%، بما يخفض متوسط مدة الاستجابة من أحد عشر يوماً إلى أربعة أيام فقط.
ويؤدي ذلك إلى تحويل سلاسل الإمداد من أنظمة تكتفي بامتصاص الاضطرابات إلى أنظمة أكثر استجابة وقدرة على التكيف. ومن خلال ذلك، يمكن للمؤسسات بشكل متزايد السعي إلى تحقيق المرونة والكفاءة في آن واحد، بدلاً من التعامل معهما باعتبارهما أولويتين متعارضتين.
إتاحة الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع تغذي موجة جديدة من ابتكارات الشركات الناشئة
بلغ الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مستويات قياسية. فقد وصلت استثمارات الشركات في الذكاء الاصطناعي إلى 252.3 مليار دولار في عام 2024، فيما نما القطاع بأكثر من ثلاثة عشر ضعفاً منذ عام 2014. وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد الاستفسارات المتعلقة بالأنظمة متعددة الوكلاء بنسبة 1,445% بين عامي 2024 و2025، ما يعكس النمو السريع لاهتمام المؤسسات بالذكاء الاصطناعي الوكيلي وأنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة.
وما يتغير اليوم ليس فقط قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مدى سهولة نشرها. فحتى وقت قريب، كانت العديد من أكثر قدرات الذكاء الاصطناعي تقدماً متاحة فقط للمؤسسات التي تمتلك خبرات تقنية كبيرة وقدرات استثمارية مرتفعة.
أما اليوم، فإن تزايد سهولة الوصول إلى النماذج التأسيسية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي يسهم في إتاحة هذه القدرات على نطاق أوسع، ويُحدث تحولاً جذرياً في مشهد الابتكار.
وقد أتاح هذا التحول ظهور منظومة سريعة النمو من الشركات الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، تعمل على تحويل الذكاء الاصطناعي الوكيلي إلى حلول عملية في مجالات مثل استخبارات مخاطر الموردين، وأتمتة تدفقات عمل المشتريات، وأنظمة التصنيع المرنة، وتنسيق سلاسل الإمداد.
وبدلاً من استبدال أنظمة المؤسسات القائمة، تساعد هذه الشركات المؤسسات على اعتماد قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة بوتيرة أسرع، من خلال حلول مصممة للتكامل مع البنى التقنية الحالية.
ويخلق ذلك فرصة كبيرة للمؤسسات التي تسعى إلى تعزيز قدرتها على الصمود والمرونة.
وعلى الرغم من الوتيرة السريعة للابتكار، لا يزال التنفيذ يمثل تحدياً كبيراً. فهناك عقبات عديدة، من بينها تجزؤ البيانات بين الموردين ومقدمي الخدمات اللوجستية والأنظمة الداخلية، ونقص المواهب المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، ووجود أنظمة مؤسسية قديمة، وكلها عوامل تجعل دمج الذكاء الاصطناعي عملية صعبة وبطيئة ومكلفة.
وتساعد هذه العوائق مجتمعة على تفسير السبب في أنه، رغم المستويات القياسية للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، لم تطور سوى 22% من المؤسسات قدرات متقدمة في سلاسل الإمداد والعمليات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
كما أن هذه التحديات تغير الطريقة التي يتعين على المؤسسات التفكير بها في بناء قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من تطوير كل شيء داخلياً، يمكن للمؤسسات الاستفادة من الشركات الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي للحصول على الخبرات، والبنى الأساسية للبيانات، والحلول الجاهزة للنشر التي تساعد على تسريع اعتماد الذكاء الاصطناعي.
"يتعين على القادة تحديد القدرات التي ينبغي تطويرها داخلياً، والمجالات التي يمكن للشركات الناشئة وشركاء المنظومة الآخرين أن يكملوا فيها نقاط قوة المؤسسة."
كيفية التعامل مع منظومة الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد
مع استمرار تطور منظومة الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، يتغير أيضاً التحدي الذي يواجه القيادات. فهناك بالفعل العديد من الحلول التي تقدمها الشركات الناشئة، لكن السؤال الأصعب يتمثل في تحديد المجالات التي ينبغي البحث فيها، والأولويات التي يجب التركيز عليها، وكيفية التعاون مع هذه الشركات بفعالية.
ولمساعدة المؤسسات على التعامل مع هذا التحول، يستند تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي "دور الشركات الناشئة في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد المدعومة بالذكاء الاصطناعي"، الذي أُعد بالتعاون مع شركة أكسنتشر، إلى مقابلات مع أكثر من 50 من قادة القطاعات والشركات الناشئة والمستثمرين والأكاديميين، إلى جانب تحليل لأكثر من 600 شركة ناشئة متخصصة في الذكاء الاصطناعي.
ويستكشف البحث دور منظومة الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي في تعزيز المرونة عبر سلاسل الإمداد والعمليات، كما يقدم إطاراً عملياً يساعد المؤسسات على تحديد الحالات التي يكون من الأنسب فيها شراء حلول الذكاء الاصطناعي، أو إقامة شراكات بشأنها، أو تطويرها داخلياً.
ويتعين على القادة تحديد القدرات التي ينبغي تطويرها داخل مؤسساتهم، والمجالات التي يمكن فيها للشركات الناشئة وشركاء المنظومة الآخرين أن يكملوا نقاط قوتهم.
وفي نهاية المطاف، قد لا تكون المؤسسات التي تبني أكثر سلاسل الإمداد مرونة هي تلك التي تمتلك أكبر الميزانيات المخصصة للذكاء الاصطناعي، بل تلك التي تنجح بصورة أفضل في تحديد القدرات الأكثر أهمية، والوصول إليها، وتوسيع نطاق استخدامها بفعالية.
