القائمة الرئيسية

يمكننا قياس القدرة على التكيف مع المناخ... فلماذا لا نستثمر فيها؟

يمكننا قياس القدرة على التكيف مع المناخ... فلماذا لا نستثمر فيها؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة الفجوة الكبيرة بين تمويل التخفيف من تغير المناخ وتمويل التكيف معه، موضحة أن التطورات الحديثة في تحليلات المخاطر والتوائم الرقمية باتت تتيح قياس الخسائر المتجنبة والعائد الاقتصادي من استثمارات الصمود المناخي بدقة أكبر، لكنها تشير إلى أن القياس وحده لا يكفي، إذ يتطلب توسيع الاستثمار في التكيف وضع معايير موحدة، وبنية مشتركة للبيانات، وحوافز وآليات تمويل قادرة على تحويل تقليل المخاطر المناخية إلى قيمة اقتصادية قابلة للاستثمار.

  • لا يزال تمويل التكيف مع تغير المناخ متأخراً عن تمويل التخفيف من آثاره، لكن قياس فوائد التكيف أصبح ممكناً بصورة متزايدة.
  • أصبحت الحسابات الحالية لـ«الخسائر المتجنبة»، التي تعتمد على نمذجة المخاطر وإنشاء توائم رقمية للأصول، أكثر تطوراً ودقة باستمرار.
  • يتطلب بناء بنية مؤسسية قابلة للتوسع لتمويل التكيف ثلاثة تطورات رئيسية سبق أن تحققت في مجال التخفيف من تغير المناخ.

تتمثل إحدى التحديات المستمرة في مواجهة تغير المناخ في الفجوة التمويلية بين التكيف والتخفيف. فالتخفيف، أي الجهود الرامية إلى منع تغير المناخ أو الحد منه إلى أدنى مستوى ممكن، يستحوذ على أكثر من 90% من التدفقات العالمية للتمويل المناخي، التي بلغت 1.3 تريليون دولار في عام 2022، في حين بلغ متوسط التمويل السنوي المخصص للتكيف، أي الاستجابة لتداعيات تغير المناخ، نحو 68 مليار دولار فقط.

تمكن تمويل التخفيف من التوسع لأن الاقتصاد العالمي أنشأ بنية سوقية موحدة تستند إلى وحدات قابلة للتبادل وتحقيق قيمة مالية، سواء كانت أطناناً مترية معيارية من انبعاثات الكربون المتجنبة أو كيلوواط/ساعة من الطاقة المولدة. أما التكيف، فعلى النقيض من ذلك، فقد اتسم تاريخياً بطابع محلي ومجزأ للغاية. علاوة على ذلك، كانت القدرة على الصمود، وهي الخاصية التي يتم تعزيزها من خلال الاستثمار في التكيف، شديدة الصعوبة من الناحية المنهجية من حيث القياس والتقييم المالي.

لكن العائق التقني أمام قياس القدرة على الصمود يتلاشى بسرعة. وأصبح بإمكاننا الآن قياس هذه القدرة على نطاق واسع بفضل جيل جديد من أدوات وأساليب تحليل المخاطر المناخية. ويمثل ذلك فرصة لبناء آليات عالمية جديدة وبنية سوقية جديدة لتمويل التكيف، بما يساعده على بلوغ النطاق المطلوب.

خرافة صعوبة القياس

إن الافتراض القائل إن قيمة الاستثمار في التكيف لا يمكن قياسها كمياً يتجاهل عقوداً من الخبرة المتراكمة في مجال الهندسة المدنية. فقد أجرت مؤسسات مثل سلاح المهندسين في الجيش الأمريكي، على مدى أجيال، تحليلات دقيقة للتكلفة والمنفعة لمشروعات واسعة النطاق في مجال الحماية من الفيضانات وتحويل مجاري المياه. ومن بين الأمثلة على ذلك سدود الحماية في منطقة ميدل ريو غراندي ونظام تحويل مياه الفيضانات في فارغو-مورهيد.

وتتمثل العملية في إجراء نمذجة احتمالية للمخاطر الفيزيائية الأساسية، مثل عمق الفيضانات الشديدة وفترات تكرارها، ثم تقييم مدى ضعف الأصل أو المجتمع ومدى تعرضه لهذه المخاطر من أجل تقدير الأضرار المالية المحتملة. وبعد ذلك، يُعاد تشغيل النموذج مع إدخال تدخل هيكلي لتعزيز القدرة على الصمود وتقليل مستوى الضعف، ثم يُحسب التغير في الخسائر المتوقعة.

وتمثل هذه «الخسائر المتجنبة» الفائدة الناتجة عن تدخلات تعزيز القدرة على الصمود، ويمكن مقارنتها بتكلفة البناء لتقدير قيمة الاستثمار.

لطالما كانت هذه العملية مكلفة وغير دقيقة إلى حد ما، ما أدى إلى خلق مخاطر مالية. ونتيجة لذلك، لم تكن سوى المؤسسات الكبيرة جداً، التي تتمتع بقدرات مالية كافية وبتفويضات قوية لبناء القدرة على الصمود، قادرة على تنفيذ مثل هذه الأعمال. لكن مع التقدم التكنولوجي السريع، أصبحت القدرة على إجراء حسابات الخسائر المتجنبة أكثر إتاحة وانتشاراً، كما أصبحت التقديرات أكثر دقة بكثير، ما يقلل من المخاطر المالية.

قياس القدرة على الصمود في الوقت الفعلي

بدأ مجال تحليلات المخاطر المناخية باستخدام صور الأقمار الصناعية والمعلومات المتاحة للجمهور والأدوات الرقمية لتحديد «درجات مخاطر» للأصول. ورغم أن هذه التقديرات كانت عامة إلى حد كبير، فإنها كانت مناسبة لعدد من الاستخدامات المهمة، مثل إدارة المحافظ العقارية أو تحديد أولويات التدابير اللازمة لحماية الأصول ضمن مجموعة محددة من المواقع.

وقد ساهمت هذه الاستخدامات في نمو صناعة تحليلات المخاطر المناخية بأكثر من 30% سنوياً. ومع نمو القطاع، تحسنت الأدوات المستخدمة فيه أيضاً.

أما الإمكانات المتاحة اليوم فهي لافتة للغاية. إذ أصبح من الممكن إنشاء توائم رقمية للأصول والمناطق المحيطة بها، وتعريضها لمحاكاة حاسوبية للمخاطر المرتبطة بالأحوال الجوية، ونمذجة الآثار المادية والمالية في ظل سيناريوهات مختلفة للتكيف. كما أصبحت تكلفة هذه القدرات منخفضة بما يكفي لإتاحتها في صورة خدمات.

وبالتالي، لم يعد قياس الخسائر المتجنبة أو العائد على الاستثمار الناتج عن تدخلات التكيف يتطلب دراسة هندسية تستغرق سنوات عدة. بل يمكن توفيره من خلال عملية حسابية ديناميكية وسهلة الوصول تستطيع أي مؤسسة استخدامها.

فعلى سبيل المثال، تمكنت شركة «ألفا جيو» المتخصصة في تحليلات المخاطر المناخية من توسيع خدماتها إلى ما يتجاوز درجات المخاطر المعدلة وفقاً للقدرة على الصمود، من خلال تطوير أداة لتحليل الأثر المالي تتنبأ بالنتائج المالية على مستوى كل أصل.

وتشمل أنواع الرؤى التي يمكن أن تقدمها هذه الأداة تقديرات على مستوى الأصول لـ«متوسط الخسائر السنوية»، وهي تقديرات بالغة الأهمية في تسعير التأمين، إلى جانب تقديرات للوفورات التي يمكن تحقيقها من خلال تدخلات مختلفة للتكيف. وهناك العديد من الشركات التي تقدم خدمات مماثلة.

سد الفجوة بين التحليل والعمل

على الرغم من هذا التقدم الكبير في قياس قيمة التكيف، فإن مستويات الاستثمار لم تبدأ بعد في الارتفاع بصورة ملموسة. وتشير بيانات مشروع الإفصاح عن الكربون إلى أن الشركات العالمية تحدد حالياً مخاطر مادية مرتبطة بالمناخ بقيمة تتجاوز 1.47 تريليون دولار، ومع ذلك فإن 9% فقط من الشركات التي شملها التقييم تفيد بأنها خصصت رؤوس أموال لتدابير التكيف مع تغير المناخ.

إذا كنا قادرين على قياس القدرة على الصمود، فلماذا لا نستثمر فيها بصورة أكبر؟

تكمن الإجابة في أن قدراتنا التحليلية الجديدة تحتاج إلى بنية مؤسسية واضحة تتيح استخدامها على نطاق واسع، وهذه البنية لم تُنشأ بعد. وتشير تجربة التخفيف من تغير المناخ إلى الحاجة إلى ثلاثة عناصر رئيسية:

  • القياس الموحد: في المراحل الأولى، كانت طرق حساب البصمة الكربونية غير متسقة ومجزأة. ولم يكتسب سوق التخفيف زخماً حقيقياً إلا عندما أرست أطر موحدة لغة مشتركة ومعيارية للمحاسبة.
  • بنية مشتركة للبيانات والمحاسبة: ينبغي أن تكون قابلة للتبني بسهولة من قبل الشركات الكبيرة والصغيرة، والحكومات على اختلاف أحجامها، والشركات الأصغر، بما يتيح جمع التقارير ومشاركتها. وفي مجال التخفيف، تحقق ذلك من خلال معايير الإفصاح الطوعية التي تطورت إلى أطر مشتركة للإفصاح المالي المرتبط بالمناخ.
  • الحوافز الاقتصادية: عمل مصممو الأسواق بعد ذلك على إنشاء آليات تحول التقدم المناخي إلى وفورات حقيقية في التكاليف أو آثار إيجابية على الإيرادات. فقد وفرت تعريفات التغذية واتفاقيات شراء الطاقة تدفقات إيرادات مضمونة لمشروعات الطاقة المتجددة، بينما فرضت أسواق الامتثال تكلفة مالية على الانبعاثات التي لم تتم معالجتها.

فكيف يمكن أن يبدو ذلك من منظور التكيف؟

1. تعزيز القياس الموحد

يتطلب التكيف وضع تصنيفات موحدة. إذ يتعين على المؤسسات المالية ووكالات الائتمان وقادة الشركات استخدام لغة تحليلية مشتركة حتى يُنظر إلى النفقات الرأسمالية المخصصة لتعزيز القدرة على الصمود باعتبارها عاملاً يسهم في زيادة قيمة المؤسسة.

وبدلاً من الاعتماد فقط على درجات المخاطر، يمكن للجهات التنظيمية أو الأسواق النظر في اعتماد منهجيات موحدة لمؤشرات مثل التغير في القيمة المعرضة للمخاطر المناخية أو متوسط الخسائر السنوية المتجنبة.

ومن شأن دمج هذه المؤشرات في التصنيفات القائمة أن يوفر للشركات والممولين لغة مالية مشتركة تسمح بتقييم الإنفاق على التكيف إلى جانب الاستثمارات الرأسمالية التقليدية.

2. بنية مشتركة للبيانات والمحاسبة

يتطلب توسيع نطاق التكيف وجود طبقة بيانات موحدة يمكن للشركات الكبرى والحكومات على اختلاف أحجامها والشركات الصغيرة تبنيها بسهولة، بما يسمح لها بجمع التقارير ومشاركتها مع شركائها والأطراف التي تتعامل معها.

وينبغي تصميم هذه الطبقة الشاملة وسهلة الوصول من البيانات بحيث تستوعب مستويات متعددة من الدقة المكانية، من أجل تغطية مجموعة واسعة من الأصول المادية، مثل المباني والبنية التحتية، إضافة إلى الآفاق الزمنية المختلفة المستخدمة في نمذجة المخاطر، والتحديد الواضح لأنواع المخاطر، وقوائم شاملة لتدابير التكيف، وغيرها من المعايير التي كانت مجزأة في السابق.

ومن شأن إنشاء طبقة بيانات مفتوحة المصدر خاصة بالقدرة على الصمود أن يعزز مصداقية مزودي الخدمات التجارية المشاركين ووضوح أدوارهم.

3. حوافز السوق

إن تحويل الخسائر المتجنبة القابلة للقياس إلى قيمة قابلة للاستثمار على نطاق واسع يتطلب أكثر من مجرد تحليلات للبيانات. فتعبئة رؤوس أموال كبيرة للاستثمار في التكيف تحتاج أيضاً إلى دافع اقتصادي واضح وهياكل تمويلية مبتكرة.

ومن أمثلة آليات السوق القادرة على تحويل خفض المخاطر إلى آثار إيجابية على المدخرات والأرباح ما يلي:

  • الديون المرتبطة بالقدرة على الصمود وشروط التأمين التفضيلية: من خلال دمج مؤشرات موحدة للقدرة على الصمود في التصنيفات الائتمانية وإصدارات السندات ووثائق التأمين، تستطيع البنوك وشركات التأمين تقديم خصومات للمقترضين الذين يخفضون مستوى مخاطر أصولهم عبر الاستثمار في تعزيز القدرة على الصمود.
  • التمويل المختلط والتسهيلات بشروط ميسرة: اعتمدت مشروعات الطاقة النظيفة في مراحلها المبكرة بشكل كبير على تعريفات التغذية الحكومية ودعم بنوك التنمية حتى تصبح قابلة للتمويل. ويمكن لبنوك التنمية متعددة الأطراف ووكالات ائتمان الصادرات أن توفر رؤوس أموال تتحمل الخسائر الأولى وشرائح من القروض الميسرة من أجل خفض مخاطر مشروعات البنية التحتية للقدرة على الصمود على المستوى البلدي أو الإقليمي.
  • آليات سيولة مرتبطة بمعايير محددة: بالنسبة لسلاسل الإمداد الحيوية والمناطق الزراعية المعرضة للخطر والأصول التجارية، يمكن لتمويل التكيف الاستفادة من عقود قائمة على معايير محددة، تدفع التعويضات عند تحقق مؤشرات بيئية متفق عليها مسبقاً.

لقد تم أخيراً تجاوز العقبة الأولى التي كانت تحول دون توسيع اقتصاد التكيف، والمتمثلة في تشخيص المخاطر المادية وقياس العائد الاقتصادي للاستثمار في التكيف.

وأصبحت معظم الأدوات التحليلية التي نحتاج إليها متاحة بالفعل. غير أنه لا يزال هناك الكثير مما ينبغي القيام به لسد الفجوة بين القياس والعمل.

وتقع المسؤولية الآن على عاتق قيادات الشركات والمستثمرين المؤسسيين وصناع السياسات لوضع المعايير وبنية البيانات وآليات السوق اللازمة لتوجيه رؤوس الأموال نحو بناء القدرة على الصمود.

المصدر

مقالات ذات صلة