القائمة الرئيسية

ثمن اللامبالاة: لماذا أصبح التحرك لحماية المحيطات ضرورة لصون سبل العيش وصحة الكوكب

ثمن اللامبالاة: لماذا أصبح التحرك لحماية المحيطات ضرورة لصون سبل العيش وصحة الكوكب
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة الأهمية المتزايدة للمحيطات باعتبارها ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي وصحة الكوكب، وتوضح كيف أن تجاهل قيمتها البيئية والاقتصادية قد يؤدي إلى خسائر هائلة تمس التجارة والأمن الغذائي والسياحة وسلاسل الإمداد. كما تستعرض أبرز الفجوات التي تعرقل حماية المحيطات، والحلول والمبادرات الناجحة التي تثبت أن الاستثمار في الطبيعة ليس مجرد مسؤولية أخلاقية، بل ضرورة اقتصادية لبناء مستقبل أكثر استدامة وقدرة على الصمود.

  • يشكل المحيط جزءًا من البنية التحتية الأساسية للحياة البشرية، إذ تستند العديد من أنظمتنا وتقاليدنا إلى الطبيعة.
  • ولذلك، فإن حماية النظم البيئية الطبيعية، مثل المحيط، ليست مجرد واجب أخلاقي، بل ضرورة اقتصادية أيضًا.
  • تهدف مبادرة ACT Ocean التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى تبادل المعرفة وتوسيع نطاق الحلول الفعالة في مجال اقتصاد المحيطات.

تشكل الطبيعة والمحيط البنية التحتية التي تقوم عليها حياتنا ومجتمعاتنا. فثقافاتنا وتقاليدنا وسبل عيشنا تتأثر بأنماط الطقس والفصول، بل وحتى بالأنواع الحية التي تحيط بنا.

ومع ذلك، لطالما تجاهلنا الصلة القائمة بين هذه النظم البيئية وبين أنظمتنا الاقتصادية والسياسية، وهي لامبالاة تأتي بتكلفة باهظة يتحملها الاقتصاد العالمي.

ويُعد المحيط اليوم أحد أوضح الأمثلة على ذلك. فحماية النظم البيئية الطبيعية من أجل صون التنوع البيولوجي والحياة البشرية تمثل واجبًا أخلاقيًا. لكنها، في الوقت نفسه، ضرورة اقتصادية لحماية الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي، وكذلك لبناء قدرة المجتمعات في مختلف أنحاء العالم على الصمود في مواجهة تغير المناخ.

قيمة اقتصاد المحيطات

يشهد اقتصاد المحيطات نموًا متسارعًا بصورة كبيرة. فمنذ عام 1995، تضاعفت أنشطته الاقتصادية بالقيمة الحقيقية، من 1.3 تريليون دولار إلى 2.6 تريليون دولار في عام 2020. وبحلول عام 2050، يُتوقع أن تصل قيمته إلى 5.1 تريليون دولار. وفي العام الماضي وحده، ارتفع مؤشر الاقتصاد الأزرق بنحو 38%، متفوقًا على مؤشر S&P 500 بنحو الضعف، وهو ما جذب اهتمام المستثمرين باعتباره محركًا اقتصاديًا قويًا سيكون له دور مهم في تشكيل فرص الأعمال المستقبلية.

ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة واسعة في إدراك العلاقة بين اقتصاد المحيطات ومدى اعتماده عليه الاقتصاد العالمي ككل. ففي الواقع، يمثل المحيط السليم أساسًا لعدد من أكبر القطاعات الاقتصادية في العالم، بدءًا من التجارة ومصايد الأسماك والطاقة، ووصولًا إلى العقارات الساحلية والسياحة.

وينقل الشحن البحري نحو 90% من حجم التجارة العالمية، كما أن نصف النشاط السياحي العالمي تقريبًا يتمركز في المناطق الساحلية، في حين تمر 95% من الاتصالات العالمية عبر كابلات ممتدة تحت سطح البحر. وفي الوقت نفسه، يعتمد مليارات الأشخاص على المأكولات البحرية باعتبارها مصدرًا أساسيًا للبروتين والتغذية، فيما يستمر الطلب على منتجات مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية في الارتفاع. وكل هذه الأنشطة هي، في جوهرها، صناعات مرتبطة بالمحيط، حتى وإن لم يكن بعضها يُصنف تقليديًا بهذه الطريقة.

كيف يمكن أن تكلفنا اللامبالاة مليارات الدولارات؟

تكمن خطورة هذا الانفصال في أنه يزيد من ثمن اللامبالاة. فعندما لا نأخذ في الحسبان مساهمة الطبيعة والمحيط في خلق القيمة الاقتصادية، يمكن أن تصل الخسائر إلى مليارات الدولارات.

ويمكننا بالفعل رؤية آثار ذلك اليوم من خلال التأثيرات القوية للظواهر المناخية الدورية، مثل ظاهرة التذبذب الجنوبي لظاهرة النينيو. وتنشأ هذه الظاهرة من النينيو والنينيا، وهما نمطان مناخيان يؤثران في درجات حرارة المحيطات، إلى جانب التذبذب الجنوبي، وهو تغير يحدث من سنة إلى أخرى في الضغط الجوي فوق منطقة المحيطين الهندي والهادئ المدارية. ويمكن لهذه الظاهرة أن تؤثر في أنماط هطول الأمطار حول العالم، وأن تسهم في زيادة موجات الحر الشديد والجفاف.

كما تؤدي العواصف الشديدة والفيضانات بصورة متزايدة إلى توقف الموانئ عن العمل، ما يعطل سلاسل الإمداد، في حين يؤدي الصيد الجائر وموجات الحر البحرية إلى الإضرار بالشعاب المرجانية وتجمعات الأسماك، وهو ما يؤثر بدوره في الأمن الغذائي وسبل عيش الصيادين والعاملين في قطاع السياحة الذين يعتمدون عليها.

ويمكن النظر إلى قناة بنما كمثال واضح. فقد تسبب الجفاف المرتبط بظاهرة النينيو خلال عامي 2023 و2024 في خفض عدد عمليات العبور اليومية عبر القناة من 38 إلى 22 عملية، كما أدى إلى انخفاض إجمالي حركة العبور بنسبة 29% خلال ذلك العام. ومع تكرار ظاهرة النينيو، عادت القناة إلى فرض قيود على غاطس السفن بسبب الجفاف، في حين بدأت شركات النقل البحري في إضافة رسوم إضافية تنتقل تكلفتها مباشرة إلى أسعار السلع.

وفي أماكن أخرى، أصبحت الآثار المتتابعة للصدمات المناخية في الاقتصاد العالمي واضحة بالفعل. فالمواقع العقارية المعرضة للعواصف وتآكل السواحل تتحول إلى مناطق يصعب أو يتعذر الحصول فيها على تغطية تأمينية، في حين يُتوقع أن يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى نزوح سكان دول بأكملها.

وستواصل هذه المخاطر التي تهدد المجتمعات والعمليات العالمية وسلاسل الإمداد والقطاع المالي والأطر التنظيمية تصاعدها ما لم يتبنى اقتصاد المحيطات ممارسات تجديدية وأطرًا استباقية تساعد على توقع المخاطر والتعامل معها قبل تفاقمها.

الفجوات التي تعرقل التحرك من أجل المحيطات

تتمثل الفجوة الأولى في أنه، رغم الفوائد الاقتصادية الهائلة التي يوفرها المحيط، فإن قيمته الاقتصادية لم تُقاس بصورة صحيحة وشاملة حتى الآن. ونتيجة لذلك، ظل المستثمرون على نحو منهجي يستثمرون أقل مما ينبغي في حمايته وفي التخفيف من الآثار السلبية التي يتعرض لها.

ويتطلب تحقيق الهدف الرابع عشر من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، المتعلق بالحياة تحت الماء، توفير نحو 175 مليار دولار سنويًا. ومع ذلك، لا يزال هذا الهدف الأقل تمويلًا بين أهداف التنمية المستدامة، إذ يعتمد إلى حد كبير على المساعدات الإنمائية الرسمية والأعمال الخيرية، بدلًا من التمويل القادم من الجهات التجارية.

وفي الوقت نفسه، لا تزال الاستثمارات الموجهة إلى الممارسات الضارة مرتفعة. فقد أفاد برنامج الأمم المتحدة للبيئة هذا العام بأن 7.3 تريليون دولار تُضخ في أنشطة بشرية تضر بالطبيعة، من بينها أشكال الدعم التي تشجع على إنتاج الوقود الأحفوري واستهلاكه. كما أن نحو ثلثي الدعم الحكومي الموجه إلى قطاع مصايد الأسماك يشجع على الصيد الجائر. وفي المقابل، لم يُستثمر سوى 220 مليار دولار في الحلول القائمة على الطبيعة، منها 23 مليار دولار فقط قدمها القطاع المالي الخاص.

أما الفجوة الثانية فتتمثل بصورة أكبر في الفشل في بناء أنظمة وأدوات تقيس ما له أهمية فعلية. فنصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي يعتمد بدرجة متوسطة أو كبيرة على الطبيعة، ومع ذلك تميل المقاييس التقليدية للناتج المحلي الإجمالي والنمو الاقتصادي إلى مكافأة استخراج الموارد، في الوقت الذي لا تعترف فيه بصورة كافية بالآثار الناجمة عن استنزاف هذه البنية التحتية الطبيعية، أو تسيء تقديرها.

ولحسن الحظ، حاولت بعض النماذج إدراج قيمة الطبيعة في الحسابات الاقتصادية للمساعدة على الحد من تدميرها. فعلى سبيل المثال، جربت الصين مفهوم «إجمالي ناتج النظام البيئي»، الذي يمنح قيمة نقدية للخدمات التي توفرها الطبيعة، مثل تنظيم المياه وتخزين الكربون، في محاولة لجعل الخسائر الناتجة عن تدهور الطبيعة أكثر وضوحًا وقابلية للقياس.

وكان من نتائج ذلك زيادة الاستثمار في الطبيعة. ففي عام 2023، أنفقت الصين على التحول الأخضر ضعف ما أنفقته أي دولة أخرى، وتركز جانب كبير من هذه الاستثمارات على إنتاج الطاقة النظيفة وتكنولوجيا البطاريات ومشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب مجالات أخرى عديدة.

نماذج ناجحة للتحرك من أجل المحيطات

يتطلب التصدي لهذه التحديات جهودًا تراكمية ومتواصلة من القادة والمجتمعات، تقوم على فهم واضح لمدى اعتمادنا على المحيط وللآثار التي نحدثها فيه. والخبر الجيد هو أن الحلول موجودة بالفعل، وقد شهدنا حالات ناجحة تؤكد إمكانية تطبيقها.

وتظهر إحدى أوضح الإشارات إلى ذلك في قطاع الطاقة المتجددة البحرية. فقد أسهمت مبادرات مثل «البنية التحتية المسؤولة للطاقة المتجددة» التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي في تحويل صحة المحيط إلى عنصر يدخل في الاعتبارات التجارية، بحيث أصبح الأداء البيئي عاملًا يؤثر في القدرة التنافسية.

وفي عام 2022، خصصت هولندا ما يصل إلى 90% من تقييم مناقصات طاقة الرياح البحرية للمعايير النوعية، بينما وصلت هذه النسبة إلى 30% في الاتحاد الأوروبي و25% في فرنسا، وهو ما ساعد على مكافأة المشروعات التي تعطي أهمية للتنوع البيولوجي ومشاركة المجتمعات المحلية. وفي الوقت نفسه، تساعد شركات مثل أورستد وإيبردرولا في تشكيل معايير مشتركة من خلال اتخاذ خطوات تتجاوز المتطلبات التنظيمية الحالية في قطاع طاقة الرياح البحرية.

كما بدأت الموانئ في تنفيذ المزيد من الممارسات الإيجابية تجاه الطبيعة والمحيط للتخفيف من تأثير تغير المناخ في أعمالها. ففي ميناء غواياكيل في الإكوادور، تحولت الرواسب الناتجة عن عمليات التجريف، التي كانت تمثل في السابق تكلفة مرتبطة بالتخلص منها، إلى جزيرة من أشجار المانغروف تبلغ مساحتها 50 هكتارًا. وفي الوقت نفسه، تتشارك موانئ دونكيرك وأنتويرب-بروج أنظمة المياه الصناعية، ما يساهم في خفض التكاليف المرتبطة بالنظم البيئية للموانئ.

كما بدأ قطاع السياحة الساحلية يشعر بصورة متزايدة بتأثير الصدمات المناخية في المحيط، إذ ينعكس تدهور النظم البحرية بصورة مباشرة على الإيرادات. فعلى سبيل المثال، يمكن للشعاب المرجانية التي تتعرض لتدهور شديد أن تفقد ما بين 80% و90% من زوارها.

وللتعامل مع هذا التحدي، تدير شركة إيبيروستار، التي تعتمد منتجعاتها في منطقة البحر الكاريبي على الشعاب المرجانية التي تشكل جزءًا من تجربة السياحة التي تقدمها، مشاتل خاصة بالشعاب المرجانية للمساعدة على حماية السواحل التي يعتمد عليها نشاطها التجاري.

وأخيرًا، يجب أن نركز على القادة الذين يسهمون في تشكيل مستقبل المحيطات. ومن خلال مبادرة «تسريع التحولات الحاسمة للمحيطات» أو ACT Ocean التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، يجري جمع قادة الأعمال والمستثمرين مع الحكومات وأصحاب المصلحة من الأوساط العلمية والمجتمع المدني، بهدف تبادل المعرفة وتوسيع نطاق الحلول الفعالة المتعلقة باقتصاد المحيطات، وذلك من خلال الابتكار والاستثمار وتطوير أطر سياسات داعمة ومُمكِّنة.

لماذا يجب النظر إلى الطبيعة والمحيط باعتبارهما بنية تحتية؟

لقد جرى تجاهل صحة الكوكب لفترة طويلة بما يكفي، ونحن نشعر اليوم بعواقب ذلك. والمحيط مثال واضح على إخفاق أوسع نطاقًا، إذ بنينا، على مدى قرن من الزمن، نماذج اقتصادية استبعدت الطبيعة من حساباتها.

وسيتشكل مستقبل اقتصاد المحيطات بفعل تغير المناخ والتكنولوجيا والتحول في قطاع الطاقة والعوامل الجيوسياسية، وهو ما يعني أن حماية النظم البيئية ليست مجرد ضرورة أخلاقية، بل ضرورة اقتصادية أيضًا.

ومن خلال فهم الروابط القائمة بين النظم البيئية السليمة والاقتصاد، يمكن للشركات دمج المخاطر والفرص المتعلقة بالمحيطات في استراتيجيات أعمالها. أما الشركات التي تبدأ في القيام بذلك الآن، فستكون في موقع أفضل لتعزيز قدرتها على الصمود، وجذب الاستثمارات، والاستفادة من القيمة الاقتصادية على المدى الطويل.

لقد بدأت البشرية بالفعل تشعر بعواقب تجاهل صحة الكوكب. ومع ذلك، لا يزال هناك مجال للأمل. فمن خلال العمل على الابتكار والتعاون وتوسيع نطاق الأفكار الجديدة والحلول الفعالة، يمكننا المساعدة في إعادة تشكيل مستقبل الكوكب وإعادة تصور النموذج الاقتصادي العالمي بما يعود بالنفع على الجميع، والبداية يمكن أن تكون من المحيط.

المصدر

مقالات ذات صلة