القائمة الرئيسية

إعادة التفكير في المرونة: تجنّب أزمة الطاقة المقبلة يتطلب نهجاً شاملاً للأنظمة

إعادة التفكير في المرونة: تجنّب أزمة الطاقة المقبلة يتطلب نهجاً شاملاً للأنظمة
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف كشفت أزمات الطاقة الأخيرة في أوروبا أن التهديدات المناخية والسيبرانية والمادية والجيوسياسية لم تعد منفصلة، بل أصبحت مترابطة وقادرة على إحداث تأثيرات متسلسلة عبر أنظمة الطاقة، وتوضح لماذا باتت المرونة تتطلب نهجاً شاملاً يدمج التخطيط والاستثمار والتنسيق بين الحكومات والشركات والجهات التنظيمية قبل وقوع الأزمات، لا بعد حدوثها.

  • لم يكن لانقطاع الكهرباء الذي شهدته شبه الجزيرة الأيبيرية عام 2025، ولا لموجات الحر الأوروبية عام 2026، سبب واحد منفرد؛ بل كان كلاهما نتيجة تداعيات متسلسلة انتشرت عبر أنظمة كانت تُدار بصورة منفصلة.
  • يقول أكثر من نصف كبار المتخصصين في قطاع الطاقة إن مؤسساتهم تفتقر إلى استراتيجية واضحة ومحددة للمرونة.
  • يجب أن تُبنى مرونة أنظمة الطاقة منذ مرحلة التصميم، وبالتنسيق بين الجهات العامة والخاصة، لا أن تُضاف لاحقاً بعد وقوع الأزمات والمشكلات.

في أبريل 2025، اجتاح انقطاع واسع للتيار الكهربائي البر الرئيسي في إسبانيا والبرتغال. وفي غضون ثوانٍ، توقفت شبكات النقل، وتعطلت شبكات الهاتف المحمول، وتحولت المستشفيات إلى مصادر الطاقة الاحتياطية. وكشف تحقيق أجرته لاحقاً لجنة تابعة للرابطة الأوروبية لمشغلي شبكات نقل الكهرباء أن الانقطاع نجم عن تفاعل معقد بين مجموعة من العوامل التقنية والعوامل المرتبطة بالتحكم في الشبكة.

وبعد عام واحد فقط، دفعت موجات الحر القياسية التي اجتاحت أوروبا الغربية الطلب على الكهرباء إلى مستويات قياسية جديدة خلال صيف 2026، ما دفع مشغلي شبكات الكهرباء إلى إصدار تحذيرات جديدة بشأن الإمدادات، في وقت امتدت فيه التداعيات عبر الحدود بين الدول.

لم يكن لانقطاعات الكهرباء التي حدثت في عام 2025، ولا للضغوط المستمرة التي تعرضت لها شبكات الكهرباء هذا العام، سبب واحد بعينه. ففي كل حالة، كان الأمر نتيجة سلسلة من ردود الفعل المتتابعة، سواء بدأت بعطل تقني أو بفشل في أنظمة التحكم أو بصدمة مناخية، ثم انتشرت آثارها عبر أنظمة وقطاعات كان من المعتاد في السابق أن تُدار بصورة منفصلة. وهذا تحول ينبغي لنا أن نوليه اهتماماً جدياً.

وعلى امتداد معظم العقد الماضي، تعاملت شركات الطاقة مع الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب المادي والظواهر الجوية المتطرفة والاضطرابات الجيوسياسية بوصفها مشكلات منفصلة، بحيث تكون لكل مشكلة فرقها الخاصة وميزانياتها الخاصة وسجلها المستقل للمخاطر. لكن مع ازدياد رقمنة أنظمة الطاقة وترابطها، يبدو أن هذا الفصل بين المخاطر أصبح في حد ذاته جزءاً من المشكلة.

تهديدات قطاع الطاقة لم تعد محصورة في مجال واحد

تعرضت خطوط أنابيب الغاز وكابلات الكهرباء الممتدة في قاع البحار لأضرار متعمدة خلال السنوات الأخيرة. كما تعرضت شبكات الكهرباء لأعمال تخريب مادي وهجمات إلكترونية. وتواجه محطات الغاز الطبيعي المسال وناقلاته تهديدات من الطائرات المسيّرة وعمليات الحصار، إلى جانب الظروف الجوية المعاكسة. وفي منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بدأ مشغلو شبكات الكهرباء بالفعل في تصميم منشآت طاقة الرياح بحيث تكون قادرة على تحمل الزلازل، وهو إجراء ضروري مع توسع مشاريع الطاقة المتجددة في أسواق تقع ضمن مناطق نشطة زلزالياً، بينما تتردد الحكومات في تشديد اللوائح التنظيمية خشية الإضرار بالقدرة التنافسية.

وإذا أضفنا إلى ذلك حالة عدم اليقين بشأن السياسات، وتقادم أصول البنية التحتية، والتفاوت في جودة مراقبة شبكات الكهرباء، فإن الصورة التي تتشكل أمامنا لا تتمثل في قائمة من التهديدات المنفصلة، بل في حالة واحدة مترابطة من انكشاف نظام الطاقة العالمي لمجموعة متشابكة من المخاطر. ففي الإكوادور، على سبيل المثال، أدى الجفاف في عام 2024 إلى انهيار شبه كامل لشبكة الكهرباء، لأن البلاد تحصل على نحو ثلاثة أرباع احتياجاتها من الكهرباء من الطاقة الكهرومائية. ولذلك فهذه الأزمة تمثل في الوقت نفسه قضية مناخية، وقضية تتعلق بالإمدادات، وقضية تتعلق بالبنية التحتية، ولا يمكن لأي منظور من هذه المنظورات الثلاثة بمفرده أن يفسر ما حدث بصورة كاملة.

وتدعم بيانات الاستطلاعات هذه الصورة أيضاً. فقد أظهر بحث «رؤى صناعة الطاقة لعام 2026» الصادر عن شركة DNV، والذي استند إلى ردود أكثر من ألف من كبار المتخصصين في قطاع الطاقة، أن أكثر من نصف المشاركين يقولون إن مؤسساتهم لا تمتلك استراتيجية واضحة للمرونة يتم تحديدها وتحديثها بانتظام. كما أن بالكاد ثلث هؤلاء يتوقعون زيادة الاستثمار في المرونة المناخية خلال العام المقبل، حتى في الوقت الذي أصبحت فيه المخاطر المادية المرتبطة بالمناخ أكثر وضوحاً وصعوبة في تجاهلها.

المرونة أصبحت الآن قضية مطروحة في مجالس الإدارة

لسنوات طويلة، كان مفهوم المرونة يُفهم أساساً من منظور الامتثال؛ أي الالتزام بمعيار للسلامة، أو اجتياز عملية تدقيق، أو تلبية متطلبات جهة تنظيمية بعد وقوع المشكلة. لكن هذا لم يعد كافياً.

فالحكومات تنظر بصورة متزايدة إلى قطاع الطاقة باعتباره جزءاً من البنية التحتية الوطنية الحيوية. وأصبحت التوجيهات الأوروبية المتعلقة بمرونة الكيانات الحيوية وأمن الشبكات وأنظمة المعلومات تفرض على الجهات المشغلة إثبات قدرتها النظامية على مقاومة التهديدات المادية والسيبرانية، بدلاً من الاكتفاء بالإبلاغ عن الحوادث بعد وقوعها. وفي الولايات المتحدة، جرى الاستناد إلى قانون الإنتاج الدفاعي لعام 1950 للتعامل مع مكونات شبكات الكهرباء وسلاسل الإمداد المرتبطة بها باعتبارها أولوية للأمن القومي.

ويعكس هذا التحول التنظيمي حقيقة اقتصادية واضحة. فمعادلة الطاقة الثلاثية، التي تقوم على الأمن والقدرة على تحمل التكلفة والاستدامة، لا يمكن أن تصمد إذا انهار أي ركن من أركانها. فانقطاعات الكهرباء وصدمات الإمدادات تؤدي إلى ارتفاع الأسعار على الأسر والشركات على حد سواء، كما أن الوقاية من الأزمات تكون باستمرار أقل تكلفة من التعامل مع نتائجها بعد وقوعها.

وهكذا انتقلت المرونة من مجرد بند في ملف للامتثال التنظيمي إلى قضية مطروحة على مستوى مجالس إدارات الشركات، كما أصبحت بصورة متزايدة قضية تهم وزارات المالية أيضاً.

ما الذي يتطلبه النهج الشامل للأنظمة؟

يتطلب سد الفجوة بين إدراك وجود تهديد واتخاذ إجراءات فعلية لمواجهته معالجة ثلاث نقاط ضعف محددة.

النقطة الأولى هي التواصل. ففي كثير من الأحيان، تكون الجهات العاملة في الصناعة هي أول من يكتشف تهديداً ناشئاً، وليس الحكومات. ومع ذلك، لا تزال قنوات نقل هذه المعلومات الاستخباراتية إلى مؤسسات الدولة مجزأة في معظم الأسواق.

أما النقطة الثانية فهي الرؤية والوضوح بشأن سلاسل الإمداد. فالشركات ترسم بصورة روتينية خرائط لمورديها المباشرين، لكنها نادراً ما تتمكن من رؤية البرمجيات والبرمجيات الثابتة والمكونات المادية الموجودة في طبقات أعمق من سلاسل التوريد الخاصة بها. ويحد هذا القصور من فعالية استراتيجيات مثل نقل سلاسل الإمداد إلى الدول الصديقة، بحيث تظل نتائجها جزئية في أفضل الأحوال.

أما النقطة الثالثة فتتمثل في السلطة القانونية. وتشير DNV إلى أن شركات المرافق في الولايات المتحدة تخشى عمليات توغل الطائرات المسيّرة بالقرب من المحطات الفرعية للكهرباء، لكنها في كثير من الأحيان لا تمتلك التفويض القانوني اللازم لاعتراض تلك الطائرات. وهذا نوع من المخاطر التشغيلية لا يمكن لأي خطة داخلية للشركة أن تحله بمفردها.

وقد وصفت «يوريليكتريك»، وهي الهيئة التجارية التي تمثل قطاع الكهرباء في أوروبا، الاستعداد للهجمات الهجينة بأنه أصبح «واقعاً طبيعياً جديداً»، وهي تدعو الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى توفير دعم أوضح وأكثر فعالية لشركات المرافق.

وتقترح DNV الآن إطاراً من أربع خطوات يعمل بصورة دورية، ويشمل تحليل المخاطر، وتحديد أولويات الاستثمار، والتنفيذ، والتحقق والتقييم، وذلك عبر خمسة أبعاد تمتد من الأصول المادية إلى سلاسل الإمداد.

وقد تختلف التفاصيل من مؤسسة إلى أخرى، لكن الاتجاه العام لا يختلف: يجب أن تكون المرونة جزءاً أصيلاً من تصميم أنظمة الطاقة منذ البداية، وأن تُبنى بالتنسيق بين الجهات العامة والخاصة، بدلاً من إضافتها لاحقاً بعد أن يكون الخلل أو الضرر قد وقع بالفعل.

لغة مشتركة وتحرك منسق مطلوبان

لا تستطيع شركة واحدة أو جهة تنظيمية واحدة أو دولة واحدة التعامل مع هذه المشكلة بمفردها، لأن المخاطر التي تخلقها لا تحترم بدورها تلك الحدود المؤسسية أو الوطنية.

وما يحتاج إليه قطاع الطاقة هو لغة مشتركة للمخاطر، لغة تسمح لشركة مرافق وجهة تنظيمية وهيئة حكومية بوصف نقطة الضعف نفسها بالطريقة ذاتها، والاتفاق على الطرف الذي يجب أن يتحرك أولاً لمعالجتها.

وبعد ذلك تقع على عاتق مالكي الأصول والمشغلين مسؤولية تأمين بنيتهم التحتية، بينما تؤدي الحكومات دوراً بالغ الأهمية في توفير معلومات أوسع نطاقاً بشأن التهديدات، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتمكين تبادل المعلومات، وتنسيق الاستجابة للحوادث، ووضع أسس تنظيمية تستند إلى تقييم المخاطر بما يرفع مستوى المرونة في القطاع بأكمله.

ويمكن لإطار DNV أن يدعم هذين المستويين من المسؤولية، بدءاً من الأصول الفردية والمحافظ الاستثمارية، وصولاً إلى أنظمة الطاقة والمناطق الأوسع نطاقاً.

ومن دون جهد منسق من هذا النوع، فإننا نخاطر بالإبقاء على أنظمة الطاقة محمية داخل صوامع منفصلة، في مواجهة تهديدات تجاوزت منذ وقت طويل قدرة أي جهة منفردة على إدارتها أو التعامل معها بمفردها.

المصدر

مقالات ذات صلة