القائمة الرئيسية

ما الذي يتطلبه بناء اقتصاد قائم على الزراعة التجديدية؟

ما الذي يتطلبه بناء اقتصاد قائم على الزراعة التجديدية؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن للزراعة التجديدية أن تتحول من ممارسات فردية في المزارع إلى اقتصاد متكامل يكافئ حماية التربة والمياه وتعزيز الإنتاجية، من خلال تعاون المزارعين والشركات والمستثمرين والحكومات والمستهلكين، مع توضيح كيف يمكن للتمويل والبيانات والطلب الاستهلاكي والالتزامات طويلة الأجل أن تجعل الزراعة أكثر مرونة وربحية واستدامة، وتحول حماية الأرض إلى فرصة اقتصادية حقيقية.

  • حققت المزارع التي تعتمد ممارسات زراعية إيكولوجية تتوافق بدرجة كبيرة مع مبادئ الزراعة التجديدية زيادة متوسطة بلغت 14% في المحاصيل و45% في إجمالي الدخل.
  • للمزارع والشركات والمستثمرين والحكومات والمستهلكين جميعاً دور في بناء سوق زراعية تكافئ الممارسات التجديدية.
  • يتمثل الهدف في ربط ما تزرعه المزارع بما تشتريه الشركات، وما يموله المستثمرون، وما يختاره الناس، ضمن تحول شامل للسوق بأكمله.

في مكان ما من العالم في هذه اللحظة، ينظر أحد المزارعين إلى تربة لم تعد تمنحه بقدر ما كانت تمنحه في السابق. يأتي المطر في الوقت الخطأ، أو قد لا يأتي على الإطلاق. ولم تعد المحاصيل التي كان من الممكن الاعتماد عليها في الماضي مضمونة كما كانت، فيما يضيق هامش الخطأ في الزراعة موسماً بعد آخر. هذه هي الحقيقة التي تواجهها المزارع والمناظر الطبيعية الزراعية التي تنتج القهوة والكاكاو والشاي وغيرها من الأغذية التي يستهلكها العالم يومياً من دون أن يفكر كثيراً في مصدرها.

وتُظهر لنا خبرتنا في تحالف الغابات المطيرة، من خلال عملنا مع المزارعين الذين يطبقون ممارسات الزراعة التجديدية، أن هذا المسار ليس حتمياً. فعندما تتم استعادة صحة التربة، وحماية المياه، والعمل مع النظام البيئي بدلاً من العمل ضده، يمكن للمزرعة أن تصبح أكثر إنتاجية وأكثر قدرة على الصمود في الوقت نفسه.

وفي المزارع التي بدأت الانتقال إلى ممارسات الزراعة التجديدية، تتكرر روايات متشابهة بصور مختلفة: تربة تحتفظ بالمياه لفترة أطول، ومحاصيل تصبح أكثر استقراراً وانتظاماً، ومزارعون يتحدثون عن الأرض باعتبارها إرثاً يتوقعون أن يسلموه إلى أبنائهم.

وما يصفه هؤلاء المزارعون يجد انعكاساً متزايداً في الأبحاث. فقد أظهر تحليل شمل أنظمة زراعية في بلدان الجنوب العالمي تحقيق زيادة متوسطة قدرها 14% في المحاصيل و45% في إجمالي الدخل لدى الأنظمة الزراعية التي تستخدم ممارسات زراعية إيكولوجية تتوافق بدرجة وثيقة مع الزراعة التجديدية. وهذا يعني أن تعزيز القدرة على الصمود وزيادة الإنتاجية وتحسين سبل العيش لا ينبغي أن تكون أهدافاً متعارضة أو تسير في اتجاهات متناقضة.

لماذا لم تصبح الزراعة التجديدية حتى الآن ممارسة معتادة في قطاع الأعمال؟

الإجابة السهلة هي أن الانتقال إلى الزراعة التجديدية لا يزال يعاني نقصاً في التمويل. وهذا صحيح، لكنه لا يمثل القصة كاملة. فقد دفعت عقود من الممارسات الزراعية غير المستدامة، التي تفاقمت آثارها بسبب تغير المناخ، المزارعين إلى إعادة التفكير في الطريقة التي يزرعون بها الطعام الذي نأكله، وغالباً ما ينطوي ذلك على تكلفة ومخاطر حقيقية بالنسبة إلى سبل عيشهم. لكن السوق لم تُطالَب حتى الآن بتغيير الطريقة التي تكافئ بها هذا التكيف، وهذا الاستثمار، وهذه المخاطر.

ولا يستطيع المزارعون تحمل مسؤولية هذا الانتقال بمفردهم، كما أنه ليس من العدل أن نطلب منهم ذلك. فإذا أردنا من مزارع في البرازيل أو كينيا أن يخاطر بسنوات من دخله من أجل اتباع طريقة مختلفة في زراعة القهوة أو الشاي، فإن على بقية الأطراف أن تتغير أيضاً.

يجب على الشركات أن ترغب في تأمين إمدادات مستقرة وقادرة على الصمود بالقدر الذي يجعلها مستعدة لدفع تكلفتها حتى قبل أن تصبح النتائج واضحة للعيان. ويجب أن يتمكن المستثمرون من الوثوق في أن التحول نحو الممارسات التجديدية يقلل المخاطر، ولا يمكن اكتساب هذه الثقة من خلال النوايا الحسنة وحدها، بل يجب أن تستند إلى أرقام وبيانات فعلية. كما يحتاج المستهلكون إلى فهم ما الذي تدعمه اختياراتهم قبل أن نتوقع منهم تغيير الطريقة التي يتسوقون بها. وعلى الحكومات أن تنظر إلى المناظر الطبيعية القادرة على الصمود والإنتاج الزراعي المستدام باعتبارهما أصولاً وطنية، لأنهما كذلك بالفعل.

ما المطلوب لبناء اقتصاد قائم على الزراعة التجديدية؟

ما الذي يتطلبه الأمر فعلياً إذاً لبناء النصف الآخر من السوق؟

يقع جزء من المسؤولية على عاتق المشترين، الذين يتعين عليهم تغيير ما يكافئونه ونوعية الالتزامات التي يقدمونها. فالشركة التي تحتاج إلى مزارع قادرة على الصمود ينبغي أن تجعل هذه الحاجة واضحة في قرارات الشراء التي تتخذها، وأن تمنح المزارعين سبباً ووسائل تمكنهم من الاستثمار في أراضيهم. فالالتزام بشراء المحاصيل لعدة سنوات يمنح المزارع أساساً مختلفاً تماماً لاتخاذ قرارات الاستثمار مقارنة بوعد عام بشراء منتجات أكثر استدامة.

وعندما يتضمن ذلك الالتزام دعماً لتكاليف الانتقال ومكافآت مقابل التحسينات التي تم التحقق منها، يحصل المقرضون على معلومات ملموسة بشأن الإيرادات المتوقعة والطريقة التي ستُتقاسم بها المخاطر. وبهذه الطريقة يمكن أن تتحول مصلحة الشركة في ضمان إمدادات مستقرة وآمنة إلى أساس يتيح توفير التمويل.

ولدى الحكومات أيضاً أسباب قوية للمشاركة تتجاوز حدود سلاسل التوريد التابعة لأي شركة بعينها. فالقدرة على الصمود في القطاع الزراعي ترتبط بالأمن الغذائي وعائدات الصادرات وفرص العمل في المناطق الريفية. كما أن حماية الغابات ومستجمعات المياه تولد منافع لا تستطيع عائدات بيع المحاصيل وحدها تمويلها.

ويمكن للتمويل الحكومي والخيري أن يدعم تحقيق هذه النتائج، مع تغطية تكاليف المساعدة الفنية وتحمل جزء من المخاطر المبكرة المرتبطة بمرحلة الانتقال. وبعد ذلك، يمكن لرأس المال التجاري تقييم الفرص التي تستند إلى التزامات شراء أقوى وتقاسم للتكاليف بين مختلف الأطراف.

وينبغي التخطيط لهذه المساهمات حول المزارع والمناظر الطبيعية نفسها، مع تحديد واضح للمسؤوليات والاتفاق على مقاييس لقياس التقدم. ويحتاج المزارعون إلى الدعم قبل أن تتحقق جميع المنافع المتوقعة، في حين يمكن استخدام المدفوعات الإضافية لمكافأة النتائج عندما تبدأ في الظهور.

كما ينبغي أن يعكس التمويل القيمة التجارية والبيئية والعامة مجتمعة لعملية الانتقال، بحيث يدعم كل طرف من الأطراف المساهمة النتائج المرتبطة بمصالحه الخاصة.

وتُعد الأدلة والبيانات هي التي تمنح هذه الالتزامات المصداقية. فالشركات والمستثمرون يحتاجون إلى فهم الكيفية التي يؤثر بها تغيير الممارسات الزراعية في الإنتاجية والدخل ومدى التعرض للصدمات المناخية. كما يجب أن تستند الادعاءات البيئية إلى أدلة تثبت إحراز تقدم في مجالات مثل صحة التربة أو التنوع البيولوجي أو الانبعاثات.

ويمكن لمعيار واضح أن يحدد ما هو متوقع، بينما يمكن لآليات ضمان مستقلة التحقق من مدى الالتزام به. كما أن تتبع النتائج ومقارنتها بنقطة انطلاق محددة بوضوح يساعد على معرفة ما الذي يحققه الاستثمار فعلياً، ويوفر أساساً لمكافأة التقدم المحرز.

ويلعب طلب المستهلكين أيضاً دوراً في جعل الزراعة التجديدية ذات قيمة تجارية. فالقدرة على الصمود التي تتمتع بها مزرعة للقهوة أو سلامة مستجمع مياه لا تكون عادة ظاهرة في المنتج النهائي. ويمكن للعلامات التجارية أن تجعل هذه المنافع ذات معنى بالنسبة إلى المستهلكين من خلال الربط بين الأطعمة التي يستمتعون بها وبين الأشخاص والأماكن التي تنتجها.

ويتطلب ذلك من الشركات أن تولي شرح هذه الجوانب القدر نفسه من الاهتمام الذي توليه عند الحديث عن جودة المنتجات ومصدرها، مع دعم الادعاءات المتعلقة بها بأدلة قادرة على الصمود أمام التدقيق.

ومع ازدياد وعي المستهلكين بالمنتجات المرتبطة بتحسينات موثوقة واختيارهم لها، يصبح لدى الشركات سبب إضافي للحفاظ على التزاماتها تجاه المزارعين. لكن لا يمكن أن يعتمد هذا الانتقال بالكامل على علاوة سعرية يدفعها المستهلكون الأكثر ثراءً. فالشركات لديها بالفعل مصلحة تجارية في ضمان إمدادات موثوقة، كما أن الحكومات لديها مصلحة في الحفاظ على استمرارية الزراعة وقدرتها على البقاء.

كيف يمكن لطلب المستهلكين أن يدفع عجلة التغيير؟

يمتلك طلب المستهلكين القدرة على أن يصبح عاملاً دافعاً ضمن حركة أوسع نطاقاً نحو الزراعة المستدامة. لكن لتحقيق ذلك، يجب تمكين المستهلكين من الوصول إلى المعلومات التي يحتاجون إليها حتى يتمكنوا من اتخاذ قرارات شراء واعية تدعم هذه الممارسات.

ومن شأن تعزيز طلب المستهلكين أن يولد تأثيراً محفزاً عبر سلسلة توريد الزراعة التجديدية بأكملها: فالمزيد من الطلب يعني المزيد من الاستثمار، والمزيد من الإقراض، والمزيد من الدخل للمزارعين.

ومع وجود طلب أقوى من المستهلكين باعتباره قاعدة لهذا التحول، إلى جانب تحسين التنسيق على امتداد سلسلة القيمة، يمكن لممارسات الزراعة التجديدية أن تصبح المعيار السائد، وهو ما يحمل فوائد لنا جميعاً.

وهذا تحديداً ما نعمل على تعزيزه في تحالف الغابات المطيرة. فمعيار الزراعة التجديدية الخاص بنا يوفر إطاراً للتغيير، بالتوازي مع تقديم الدعم الفني للمزارعين والعمل على مستوى المناظر الطبيعية من أجل حماية الغابات ومستجمعات المياه وسبل العيش.

وتساعد البيانات وآليات الضمان على بناء المصداقية، في حين تجعل علامة تحالف الغابات المطيرة وهويته التجارية هذا العمل معروفاً وقابلاً للتمييز بالنسبة إلى المستهلكين.

وهناك أدلة على أن هذا النهج ينجح بالفعل. ففي سيغواتيبيكي في هندوراس، أصبحت مجموعة تضم 73 من صغار منتجي القهوة أول مجموعة في البلاد تحصل على شهادة معيار الزراعة التجديدية التابع لتحالف الغابات المطيرة. وجاء ذلك تتويجاً لسنوات من العمل على بناء صحة التربة وتحسين ممارسات إدارة المزارع بالشكل الذي يتطلبه هذا المعيار.

وخلال موسم حصاد 2025/2026، وجد هذا العمل طريقه إلى فرصة تجارية فعلية، إذ حصلت شركة القهوة العالمية لافاتزا على القهوة التي تستخدمها في علامتها التجارية «La Reserva de ¡Tierra!» من هؤلاء المزارعين. ويمثل ذلك مثالاً ملموساً على كيفية ترجمة شهادة الزراعة التجديدية إلى فرصة في السوق، وهي فرصة لم تأتِ إلا بعد سنوات من العمل التأسيسي داخل المزارع نفسها.

وفي هندوراس، أسهم الربط بين المصداقية والبيانات الميدانية والقدرات الحقيقية التي يمتلكها المزارعون في دعم تغييرات ملموسة على أرض الواقع وإشراك العملاء في عملية الانتقال.

ولهذا السبب لم يعد هدفنا الجماعي يقتصر ببساطة على سد فجوة التمويل التي يواجهها المزارعون. فالهدف أصبح أكبر من ذلك بكثير: يتمثل في ربط ما تزرعه المزارع، وما تشتريه الشركات، وما يموله المستثمرون، وما تحميه الحكومات، وما يختار الناس منحه قيمة، ضمن تحول واحد متكامل في السوق يكافئ أخيراً من يمنح الأرض أكثر مما يأخذ منها.

المصدر

مقالات ذات صلة