القائمة الرئيسية

تغيّر المناخ يغيّر حياتنا اليومية... وبناء اقتصاد للتكيّف أصبح ضرورة

تغيّر المناخ يغيّر حياتنا اليومية... وبناء اقتصاد للتكيّف أصبح ضرورة
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف بات تغيّر المناخ يدفع العالم نحو بناء «اقتصاد التكيّف»، حيث تتحول التحديات المناخية المتزايدة إلى فرص استثمارية وتجارية واعدة في مجالات مثل التبريد والبناء المقاوم للمناخ والزراعة الذكية، وتوضح كيف يمكن للحكومات والشركات والمستثمرين الاستفادة من هذه الأسواق الناشئة لدعم النمو والمرونة وتحقيق ازدهار أكثر قدرة على الصمود في مستقبل أشد تأثراً بالمناخ.

  • مع تزايد المخاطر المناخية، ستنشأ فرص جديدة لتوفير سلع وخدمات ميسورة التكلفة ومربحة، تلائم عالماً بات يتأثر بصورة متزايدة بتغيّر المناخ.
  • تُعد أنظمة التبريد ومواد البناء والزراعة من بين القطاعات المتكيفة مع المناخ التي تشهد معدلات نمو كبيرة وملحوظة.
  • ينبغي للحكومات أن تعمل على إيجاد بيئة سياسات تمكينية تتيح الاستفادة من هذه الصناعات الناشئة وتضمن قدرتها على النمو والازدهار.

أصبحت الجوانب الاقتصادية المرتبطة بالتكيّف مع تغيّر المناخ، بالنسبة إلى الشركات والمستثمرين وصنّاع السياسات، ترتبط بصورة متزايدة بالابتكار والفرص بقدر ارتباطها بالمخاطر. ولا يعود ذلك إلى تراجع المخاطر المناخية، بل على العكس تماماً، إذ إن هذه المخاطر لا تزال تتزايد. وإنما يعود الأمر إلى أن عدداً متنامياً من الشركات أصبح قادراً اليوم على توفير السلع والخدمات الضرورية في عالم متأثر بتغيّر المناخ، بطريقة تجعل هذه السلع والخدمات ميسورة التكلفة، وقابلة للتوسع، ومربحة، وجاذبة للاستثمار.

وسيعتمد نجاح الشركات والمدن والدول والمناطق، بل وحتى الأسر، في المستقبل على قدرتها على إدارة المخاطر والوقائع التي يفرضها عالم أكثر دفئاً، وذلك من خلال نشر واعتماد سلع وخدمات وحلول ميسورة التكلفة. ومن المرجح أن توفر الشركات الجزء الأكبر من هذه الحلول.

ويُعد قطاع التبريد مثالاً واضحاً على ذلك. فقد ارتفعت مبيعات أجهزة التبريد في مختلف أنحاء أوروبا بصورة حادة خلال صيف عام 2026، إذ أفاد أحد تجار التجزئة بأن مبيعات المراوح قفزت بنحو 3000% تقريباً، بينما ارتفع الطلب على أجهزة تكييف الهواء المحمولة بأكثر من 300% مقارنة بالعام السابق.

ويطرح هذا النمو السريع تحديات فورية، لكنه يخلق في الوقت نفسه فرصاً تجارية مهمة. وتقدّر وكالة الطاقة الدولية أن الطلب العالمي على الكهرباء المستخدمة في عمليات التبريد ارتفع بنسبة 50% خلال العقد الماضي، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى تلبية احتياجات العدد المتزايد من أجهزة تكييف الهواء المبيعة عالمياً، إذ ارتفعت مبيعات هذه الأجهزة بنسبة 25% مقارنة بما كانت عليه قبل خمس سنوات، ووصل عدد الوحدات التي تم شحنها خلال عام 2024 إلى نحو 200 مليون وحدة.

وقد أدى التحدي المتمثل في توفير الطاقة اللازمة للتبريد إلى تحفيز سوق جديدة لوحدات التبريد المدمجة التي تعمل بالطاقة الشمسية، وهي سوق يُتوقع أن تتجاوز قيمتها 11 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030.

وتسير مواد البناء المقاومة للمناخ في مسار مماثل. وتُقدّر القيمة الحالية لهذه السوق بما يتراوح بين 220 و260 مليار دولار، مع توقع نموها بمعدل يتراوح بين 6% و8% سنوياً، لتصل قيمتها إلى ما بين 330 و370 مليار دولار بحلول عام 2030.

وتشمل هذه السوق المواد الإنشائية ومواد الواجهات والعزل والعزل المائي، التي يجري تصميمها وهندستها بحيث تتحمل ظروفاً مناخية قاسية ومتزايدة، مثل الحرارة والرياح والفيضانات والحرائق.

وما ينطبق على الشركات والأسواق ينطبق أيضاً على الاقتصادات بأكملها، وهو ما يجعل هذه الفرصة الاقتصادية الجديدة سبباً إضافياً للحاجة إلى اتخاذ إجراءات على مستوى السياسات العامة. فكما تطور قطاعا الطاقة النظيفة والتكنولوجيا ليشكلا سوقاً عالمية للاستثمارات تبلغ قيمتها نحو تريليوني دولار سنوياً، توجد قيمة اقتصادية كبيرة يمكن تحقيقها من خلال اقتناص جزء من الصناعات المستقبلية المرتبطة بالتكيّف مع تغيّر المناخ.

فعلى سبيل المثال، تقدم الصين دعماً كبيراً على مستوى السياسات للجيل المقبل من أنظمة الزراعة المكثفة والقادرة على الصمود أمام آثار تغيّر المناخ. وتضم السوق المحلية الصينية للزراعة العمودية بالفعل نحو 250 موقعاً نشطاً، وتنمو بمعدل يتجاوز 20% سنوياً، ومن المتوقع أن تتجاوز قيمتها ملياري دولار بحلول عام 2033.

ويدعم هذا النمو توافر إضاءة منخفضة التكلفة باستخدام مصابيح الصمام الثنائي الباعث للضوء، إلى جانب سلاسل قيمة صناعية تتمتع بدرجة عالية من الكفاءة.

ويظهر اتجاه مماثل في قطاع التخمير الدقيق، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن معدلات النمو السنوي لهذه السوق تتجاوز 50%، وإن كانت تنطلق حالياً من قاعدة سوقية منخفضة نسبياً.

وبدأت تظهر مؤشرات ومقاييس تعكس مدى اتساع نطاق الفرص السوقية المتاحة ضمن اقتصاد التكيّف الجديد. فقد توقع صندوق الثروة السيادي السنغافوري «جي آي سي» أن تتضاعف المبيعات السنوية في مختلف أنحاء العالم ضمن قطاعات السوق المرتبطة بالتكيّف أربع مرات، لتصل إلى أربعة تريليونات دولار بحلول عام 2050، على أن يكون نحو تريليوني دولار من هذه القيمة مدفوعاً بصورة مباشرة بالارتفاع الإضافي في درجات الحرارة العالمية.

وبالمثل، تشير تقديرات «تيماسيك» و«مجموعة بوسطن الاستشارية» إلى أن احتياجات التمويل العالمي للتكيّف مع تغيّر المناخ سترتفع إلى ما بين 0.5 تريليون و1.3 تريليون دولار سنوياً بحلول عام 2030، وهو ما يخلق فرصة استثمارية ضخمة تقدر بتريليونات الدولارات أمام قطاع الاستثمار في الملكية الخاصة.

ويتطلب تحويل هذه الفرص إلى واقع أن تعمل الحكومات وغيرها من المؤسسات العامة على توفير الظروف الاقتصادية التمكينية المناسبة.

وللمرة الأولى، أصبحت هناك أداة تتيح قياس التقدم الذي تحرزه الدول في تهيئة اقتصاداتها لدعم نشر حلول التكيّف التي تشتد الحاجة إليها بصورة عاجلة.

ويركز «مؤشر اقتصاد التكيّف» الذي طورته شركة «مورفوسيس» على قدرة البلدان على تطوير أسواق للتكيّف يمكنها جذب رؤوس الأموال الخاصة على نطاق واسع، في وقت تتعرض فيه الموارد المالية الحكومية لضغوط متزايدة في مختلف أنحاء العالم.

ويقيس المؤشر سبعة أبعاد مختلفة، تبدأ من مدى إدماج المخاطر المناخية في الأسواق وقرارات الاستثمار، وصولاً إلى قدرات ريادة الأعمال والتكنولوجيا.

ويتمثل الهدفان الرئيسيان لهذا المؤشر في دعم صنّاع السياسات في بناء وإدارة خرائط طريق اقتصادية من شأنها تحسين آفاق الشركات التي تركز على التكيّف مع تغيّر المناخ، إلى جانب مساعدة العدد المتزايد من المستثمرين الذين يستكشفون الفرص المرتبطة بالتكيّف على فهم مدى قابلية البلدان والأصول المحددة للاستثمار.

وسيكون التكيّف الفعّال مع تغيّر المناخ من بين أهم العوامل التي ستقود خلق القيمة مستقبلاً على مستوى العالم، سواء بالنسبة إلى كل أصل وكل شركة، أو لكل أسرة وقطاع واقتصاد.

وستكون بيئة السياسات هي الركيزة الأساسية التي تحدد كيفية استجابتنا لهذه التحولات، بما في ذلك ما يمكن اعتباره «خط الدفاع الأول» في التكيّف، والمتمثل في الخفض السريع للانبعاثات.

كما ستحدد هذه البيئة كيفية حشد القدرات وتطويرها، وما إذا كنا سنتمكن من إرساء الأساس لازدهار اقتصادي شامل في مستقبل سيكون متأثراً بصورة شديدة بتغيّر المناخ.

المصدر

مقالات ذات صلة