- تتسبب الأمراض غير السارية في نحو 70% من الوفيات في بنغلاديش، ومع ذلك لا يعرف كثير من الناس أنهم مصابون بها إلا بعد ظهور مضاعفات خطيرة.
- يحقق الفحص الصحي على مستوى المجتمعات المحلية، إلى جانب المتابعة الرقمية، نتائج واعدة.
- تخطط حكومة بنغلاديش لتعزيز القوى العاملة في القطاع الصحي، وتحسين إمدادات الأدوية، وتطوير السجلات الصحية الرقمية الوطنية من أجل تحسين الرعاية الصحية.
قد تكون لدى بنغلاديش وزارة للصحة ورعاية الأسرة، لكن البعض قد يرى أنها أشبه بـ«وزارة للمستشفيات»، نظراً إلى التركيز الأكبر على البنية التحتية للعلاج مقارنة بالرعاية الصحية الوقائية. وهذا الاختلال لا يقتصر على بنغلاديش وحدها.
فالأمراض غير السارية تتسبب حالياً في ما يقرب من ثلثي جميع الوفيات في إقليم جنوب شرق آسيا التابع لمنظمة الصحة العالمية، ويحدث نحو نصف هذه الوفيات بشكل مبكر، أي بين سن الثلاثين والتاسعة والستين.
ومع ذلك، لا تخصص الأنظمة الصحية في مختلف أنحاء العالم سوى نحو 3% إلى 5% من إنفاقها للوقاية، في الوقت الذي تواجه فيه ضغوطاً متزايدة نتيجة التكاليف المرتفعة لعلاج المضاعفات الصحية.
وفي بنغلاديش، تتسبب الأمراض غير السارية في 70% من جميع الوفيات. ويعيش نحو 14 مليون بالغ مع مرض السكري، ما يجعل بنغلاديش صاحبة سابع أكبر عدد من المصابين بالسكري في العالم. كما أظهر أحدث مسح صحي وطني أن ما يقرب من امرأة واحدة من بين كل أربع نساء، ورجل واحد من بين كل ستة رجال، يعانون ارتفاع ضغط الدم.
لكن 43% من النساء و51% من الرجال الذين يعانون ارتفاع ضغط الدم لا يعلمون أنهم مصابون به، وينطبق الأمر نفسه على نحو سبعة من بين كل عشرة أشخاص يعانون ارتفاع مستويات السكر في الدم. ولا يوجد سوى نحو شخص واحد من كل خمسة بالغين مصابين بارتفاع ضغط الدم يعرف أنه مصاب بهذه الحالة، ويتناول الدواء المناسب ويحافظ على ضغط دمه تحت السيطرة. أما بالنسبة إلى مرض السكري، فلا يتمكن سوى نحو شخص واحد من كل عشرين مصاباً من إبقاء مستوى السكر في الدم تحت السيطرة.
ويكتشف معظم الناس حالتهم الصحية بعد وقوع إحدى المضاعفات، مثل السكتة الدماغية أو النوبة القلبية أو الفشل الكلوي. وعندما يحدث ذلك، تتحمل الأسر العبء المالي لهذه الأمراض.
ويتحمل المواطنون العاديون في بنغلاديش نحو ثلاثة أرباع إجمالي فاتورة الرعاية الصحية في البلاد من أموالهم الخاصة، وهي من بين أعلى النسب في العالم، في ظل غياب شبه كامل للتأمين الصحي الذي يمكن أن يخفف من هذا العبء.
ووجدت دراسة نُشرت هذا العام في مجلة Health Economics Review أن الأسرة التي يعيش أحد أفرادها مع مرض غير سارٍ تنفق على الرعاية الصحية سنوياً ما يزيد بنحو 69 دولاراً عن أسرة مماثلة لا يوجد بين أفرادها شخص مصاب بمرض غير سارٍ، ويذهب ثلاثة أرباع هذا المبلغ إلى الأدوية.
كما وجدت الدراسة أنه في أوساط الأسر الأشد فقراً، يؤدي وجود مرض غير سارٍ إلى زيادة خطر السقوط في براثن الفقر بنحو أربع نقاط مئوية.
ولذلك، فإن الإصابة بمرض مزمن في بنغلاديش لا تمثل مشكلة طبية فحسب، بل تشكل أيضاً أحد أكثر المسارات المباشرة المؤدية إلى الفقر، فضلاً عن كونها استنزافاً صامتاً لمكاسب التنمية التي أمضت البلاد عقوداً في تحقيقها.
تنفيذ إصلاحات للحد من معدلات الوفيات
نعمل على تنفيذ إصلاحات جوهرية لتغيير هذا المسار. ففي إطار الميثاق الوطني للصحة، التزمنا بخفض معدل الوفيات المبكرة الناجمة عن الأمراض غير السارية من 24.6% إلى 15% بحلول عام 2030، وبجعل الرعاية الصحية الأولية مجانية.
وتقف وراء هذه الأهداف ثلاثة التزامات رئيسية:
- إضافة 100 ألف عامل صحي مجتمعي جديد.
- إنشاء وحدة للرعاية الصحية الأولية تركز على الوقاية، وتكون مكتملة الوظائف ومزودة بعدد كافٍ من العاملين، في كل وحدة إدارية محلية وكل حي حضري.
- إنشاء منظومة صحية رقمية وطنية متكاملة، ترتكز على بطاقة صحية إلكترونية لكل مواطن بحلول عام 2028، تكون مرتبطة بسجل صحي مشترك تستطيع أي منشأة صحية الوصول إليه.
وقد تبع هذه الالتزامات زيادة في التمويل؛ إذ ضاعفت ميزانية هذا العام تقريباً المخصصات الصحية لترتفع إلى نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ0.58% في السابق. والسؤال الذي يجب علينا الإجابة عنه الآن هو: كيف يمكن ترجمة هذه الالتزامات إلى واقع ملموس داخل أسرة تعيش في منطقة ريفية؟
تطبيق الدروس المستفادة من ثلاث سنوات من التجارب
منذ عام 2023، يعمل البرنامج الوطني لمكافحة الأمراض غير السارية التابع للحكومة بالتعاون مع شبكة «براك» غير الحكومية، التي يقدم العاملون الصحيون المجتمعيون التابعون لها الخدمات لأكثر من 20 مليون أسرة، إلى جانب Medtronic LABS، التي تطور منصات رقمية للرعاية الصحية الأولية.
وقد أنشأنا معاً مساراً واحداً مترابطاً يرافق الفرد ابتداءً من أول زيارة إلى باب منزله، وصولاً إلى تلقي العلاج على المدى الطويل. ولا يُعد الفحص الصحي في حد ذاته أمراً جديداً، لكنه كان حتى الآن يتم في الغالب بشكل انتهازي، أي أنه كان يقتصر على الأشخاص الذين يزورون العيادات أو يشاركون في حملات صحية مجتمعية مؤقتة.
أما ما قمنا بتطبيقه فهو فحص منهجي يشمل مجتمعات محلية بأكملها.
ويتم تحويل المرضى إلى المنشأة الصحية التي تتناسب مع درجة خطورة حالاتهم. ويحصل الأشخاص الذين يحتاجون إلى متابعة أدق على مكالمات متكررة للاستشارة والإرشاد عن بُعد، بينما يحصل المرضى الذين استقرت حالاتهم على أدويتهم، مع تولي العيادات المجتمعية متابعتهم في أماكن أقرب إلى منازلهم.
ويتم إنشاء سجل رقمي موحد للشخص منذ أول زيارة منزلية، ويستمر هذا السجل في مرافقته طوال رحلته الصحية. وبذلك يستطيع العاملون الصحيون رؤية سلسلة الرعاية الكاملة، من الفحص الأولي وحتى النتائج النهائية، في الوقت الفعلي.
وقد أجرى العاملون الصحيون المجتمعيون فحوصاً منهجية لأكثر من 470 ألف بالغ، وتبين أن ثلثهم يعانون ارتفاع ضغط الدم أو ارتفاع نسبة السكر في الدم، وكانت 20% من تلك القراءات عند مستويات تهدد الحياة.
والتحق أكثر من 142 ألف مريض بالبرنامج. ومن بين المرضى الذين أعيد قياس مؤشراتهم الصحية بعد ستة أشهر، ارتفعت نسبة الأشخاص الذين أصبح ضغط دمهم ضمن النطاق الآمن بمقدار 17 نقطة مئوية لتصل إلى 52%.
أما بالنسبة إلى مستوى السكر في الدم، فقد ارتفعت نسبة الأشخاص الذين أصبحوا ضمن النطاق الآمن بمقدار 11 نقطة مئوية لتصل إلى 34%. وعلى الرغم من أن هذا يمثل تحسناً، فإن التقدم في السيطرة على مستويات السكر لا يزال متأخراً مقارنة بالتقدم المحقق في السيطرة على ضغط الدم. ومع ذلك، فمن المحتمل أن تكون هذه التحسينات قد ساهمت في تفادي حالات من السكتات الدماغية والنوبات القلبية والفشل الكلوي، إذ إن الانخفاض المستدام بمقدار عشر نقاط في ضغط الدم يقلل خطر الإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية بنحو الخُمس.
تحديد الثغرات المتبقية في الرعاية الصحية ومعالجتها
تكشف البيانات أيضاً عن تحديات أساسية تواجه النظام الصحي. فلم يكن من الممكن تتبع سوى 22% من المرضى الذين تمت إحالتهم إلى المنشآت الصحية الحكومية، كما أن نحو نصف المرضى المسجلين في البرنامج فقط لديهم قراءة صحية موثقة بعد مرور ستة أشهر.
ووجد تقييم مستقل أجرته كلية جيمس بي غرانت للصحة العامة التابعة لـ«براك» أن كثيراً من المرضى الذين تتم إحالتهم يلجؤون إلى مقدمي خدمات صحية من القطاع الخاص، وخاصة عندما تصبح الأدوية غير متوفرة محلياً. كما لا تزال النصائح المتعلقة بالتغذية والتبغ وممارسة الرياضة، التي لا تقل أهمية عن الأدوية، نادراً ما تُقدم ضمن الرعاية الصحية الروتينية.
وإلى جانب وجود فجوة فعلية في الرعاية، فإن النقص في البيانات يُعزى أيضاً إلى عدم القدرة على رؤية المسار الكامل للمريض. فالمرضى يتنقلون بين مراكز الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات العامة ومقدمي الخدمات الخاصة والصيدليات، ولذلك قد تكون بيانات الربط والمتابعة المسجلة أقل من مستوى الرعاية الذي حصلوا عليه فعلياً.
إن مجرد القدرة على قياس أي شكل من أشكال استمرارية الرعاية يمثل تقدماً، لكن ما دام هذا القياس يتوقف عند حدود النظام الصحي العام، فلن يكون من الممكن متابعة المرضى طوال رحلتهم إلا من خلال سجل صحي مشترك، يتمثل في البطاقة الصحية الإلكترونية والمنظومة الرقمية المترابطة المحيطة بها. فهذه المنظومة وحدها قادرة على متابعة المرضى أثناء انتقالهم بين مختلف مستويات ومقدمي الرعاية، وضمان استكمال الإحالات الطبية، بما يسمح لمقدمي الرعاية باتخاذ قراراتهم استناداً إلى تاريخ صحي كامل بدلاً من تاريخ جزئي.
تحويل مفهوم أثبت نجاحه إلى نظام متكامل
تتمثل المهمة الآن في توحيد هذا البرنامج والبرامج المشابهة له وتوسيع نطاقها على المستوى الوطني، والانتقال من مرحلة المشروعات المنفردة إلى بناء نظام متكامل، وجعل الوقاية والفحص الصحي على مستوى المجتمعات المحلية جزءاً روتينياً من الرعاية الصحية الأولية.
ويتطلب تحقيق ذلك تزويد العاملين الصحيين بالأدوات التي تسمح لهم بتلبية الاحتياجات الصحية الكاملة للأسرة خلال زيارة واحدة، بدلاً من الاعتماد على بروتوكولات ونماذج منفصلة لكل مرض. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد على تحديد الأسر التي ينبغي إعطاؤها الأولوية، وتخفيف أعباء التوثيق، وتخصيص الإرشادات الصحية بما يتناسب مع احتياجات كل شخص.
لكن أياً من ذلك لن ينجح من دون توفير الأساسيات التي نستثمر فيها بالفعل، وهي وجود عدد كافٍ من العاملين الصحيين المدربين، وضمان إمدادات موثوقة وميسورة التكلفة من الأدوية الأساسية.
وتشير الأطر العالمية، مثل الحزمة التقنية HEARTS التابعة لمنظمة الصحة العالمية لإدارة أمراض القلب والأوعية الدموية، وحزمة التدخلات الأساسية لمكافحة الأمراض غير السارية PEN، إلى النهج نفسه. أما مساهمة بنغلاديش فتتمثل في اختبار هذه الأساليب على نطاق وطني، بدعم من تقنيات جديدة تعمل خلفها.
وفي مختلف أنحاء جنوب آسيا وأجزاء واسعة من أفريقيا، تتجمع العناصر نفسها تدريجياً: أعداد كبيرة من العاملين الصحيين المجتمعيين، وأنظمة وطنية للهوية الرقمية، وحكومات تتعرض لضغوط مالية تدفعها إلى الوقاية من الأمراض بدلاً من انتظار وصولها إلى مراحل متأخرة ثم علاجها. وفي ظل هذه الظروف، يمكن للسجلات الصحية الرقمية المشتركة والفحوص المنهجية أن تؤدي الدور نفسه.
إن التحول إلى «وزارة للصحة» بدلاً من «وزارة للمستشفيات» يتوقف في نهاية المطاف على مدى إمكانية وصول الأسر العادية إلى خدمات الوقاية والرعاية الصحية، وعلى مدى قدرتها على تحمل تكلفتها.
ويمكن أن يساعدنا تتبع رحلة المريض وقياس النتائج والاستفادة منها في توجيه البرامج الصحية بصورة مستمرة، مع تجاوز نموذج المشروعات المنفردة، على الوصول إلى هذا الهدف. وهذا هو المعيار الذي نعتزم أن تُقيَّم جهودنا على أساسه.
