القائمة الرئيسية

اقتصاد الهدر: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تحويل نفاياتنا إلى قيمة اقتصادية؟

اقتصاد الهدر: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تحويل نفاياتنا إلى قيمة اقتصادية؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحوّل النفايات من عبء بيئي إلى فرصة اقتصادية واعدة، من خلال تقنيات ذكية ترفع دقة الفرز، وتحسّن جودة المواد المعاد تدويرها، وتخفض التكاليف، وتفتح الباب أمام استثمارات جديدة في الاقتصاد الدائري. كما تستعرض الدور المتزايد للتشريعات، واضطرابات سلاسل التوريد، والتمويل طويل الأجل في تسريع اعتماد هذه التقنيات، وتوضح لماذا قد تصبح النفايات نفسها موردًا ذا قيمة في مستقبل أكثر استدامة.

  • يُعد فرز النفايات المدعوم بالذكاء الاصطناعي إحدى فرص الاستثمار الإيجابية للطبيعة والقادرة على تحقيق عوائد مالية والمساهمة في بناء اقتصاد دائري، وقد أصبحت هذه التقنيات جاهزة للتوسع.
  • من أجهزة الاستشعار المثبتة على مستوى حاويات النفايات إلى أجهزة المسح القادرة على تحليل المواد على المستوى الجزيئي، أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم جزءًا من مختلف مراحل سلسلة إدارة النفايات.
  • تعتمد كل مرحلة على نوع مختلف من التمويل، بدءًا من استثمارات رأس المال في الشركات الناشئة وصولًا إلى السندات البلدية، لكن نجاح معظم هذه الاستثمارات يعتمد على وجود اتفاقيات شراء طويلة الأجل.

ينتج الفرد في المتوسط نحو 0.88 كيلوغرام من النفايات يوميًا. وفي الولايات المتحدة وكندا، يتجاوز هذا الرقم الضعف ليصل إلى أكثر من 2.2 كيلوغرام يوميًا. ولا يُعاد تدوير سوى نحو 9% من النفايات البلاستيكية في العالم، كما أن 8% فقط من ألياف المنسوجات المستخدمة في عام 2023 جاءت من مصادر معاد تدويرها، بينما ينتهي الباقي في مدافن النفايات أو يُحرق أو يتسرب إلى البيئة.

وفي المقابل، تكمن خلف هذه الخسائر فرصة اقتصادية كبيرة. فقد قُدّر أن الانتقال من النموذج الخطي القائم على مبدأ "الاستخراج والتصنيع والتخلص" إلى نظام دائري يمكن أن يولد 4.5 تريليونات دولار من الناتج الاقتصادي الإضافي بحلول عام 2030، وقد ترتفع هذه القيمة إلى 25 تريليون دولار بحلول عام 2050.

وتتناول دراسات الاقتصاد الجديد القائم على الطبيعة الفجوة بين ما يُفقد حاليًا من موارد وما يمكن استعادته، انطلاقًا من فكرة أن فقدان الطبيعة لا يمثل تكلفة بيئية فحسب، بل ينطوي أيضًا على قيمة اقتصادية محتملة يمكن للشركات والمستثمرين الاستفادة منها، بالتوازي مع دعم أهداف الاستدامة.

وقد تم تحديد 50 نشاطًا تجاريًا إيجابيًا للطبيعة وقابلًا للاستثمار بالفعل ضمن 13 قطاعًا مختلفًا، وتصنيفها بحسب جاهزيتها التقنية ونضجها المالي. ولإظهار كيف يمكن للعمليات التجارية داخل سلاسل القيمة، التي تسهم في تحقيق أهداف إيجابية للطبيعة، أن تحقق أيضًا عوائد مالية وتصبح قابلة للاستثمار، يسلط هذا المقال الضوء على أحد هذه الأنشطة، وهو فرز النفايات البلاستيكية باستخدام الذكاء الاصطناعي.

الفرز المتقدم والمدعوم بالذكاء الاصطناعي للنفايات

يُنظر إلى تقنيات فرز البلاستيك المتقدمة والمعززة بالذكاء الاصطناعي ضمن قطاع المواد الكيميائية والبلاستيكية والمواد الدائرية باعتبارها فرصة جاهزة للتوسع. فالتكنولوجيا الأساسية أصبحت ناضجة، وأدوات التمويل اللازمة موجودة بالفعل، كما أن الطلب عليها يتزايد بفعل المتطلبات التنظيمية والتحولات الجيوسياسية.

اعتمدت منشآت إعادة التدوير تاريخيًا على العمال الذين يقومون يدويًا بفرز المواد القابلة لإعادة التدوير من فوق الأحزمة الناقلة المتحركة، بمعدل يتراوح بين 30 و40 عملية التقاط في الدقيقة تقريبًا، مع مستويات غير ثابتة من الدقة. كما أن هذا النوع من العمل معروف بارتفاع معدلات دوران الموظفين والمخاطر الصحية المرتبطة به.

واليوم، تعمل أنظمة الرؤية الحاسوبية على تغيير هذه البيئة من خلال إبعاد العاملين عن الظروف عالية الخطورة وتعزيز كفاءة وظائفهم، بدلًا من استبدال العمالة بالكامل. وتستخدم شركات متخصصة الكاميرات وتقنيات التعلم الآلي لتحديد خصائص النفايات بدقة قد تصل إلى 98%، ثم توجه الأذرع الروبوتية وأجهزة الفرز البصري التي يمكنها التعامل مع 80 قطعة أو أكثر في الدقيقة.

"يمكن لعمليات الفرز المدعومة بالذكاء الاصطناعي أتمتة عملية التعرف على المواد، وتحسين دقة الفرز، وخفض تكاليف العمالة، وزيادة استرداد الموارد إلى أقصى حد مع تزايد حجم النفايات وتنوعها. ومع ذلك، تعتمد فعالية هذه التقنيات على مدى نضج نظام إدارة النفايات في كل دولة. فهي تحقق أفضل النتائج عندما تكون البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك عمليات الجمع والتجميع والفرز الأولي، قائمة بالفعل. أما في الأماكن التي لا تزال هذه الأسس قيد التطوير، فيجب تعزيز النظام الأساسي أولًا."

— جان لوب ماسون، كبير المستشارين في مركز الحلول الدائرية، التحالف من أجل القضاء على النفايات البلاستيكية

موقع الذكاء الاصطناعي ضمن سلسلة إدارة النفايات

تمر النفايات بخمس مراحل رئيسية ومتميزة: تبدأ من حاوية النفايات، ثم شاحنة الجمع، فمرفق استعادة المواد، ثم منشأة إعادة المعالجة، قبل أن تعود في النهاية إلى العلامات التجارية الاستهلاكية أو مزودي مواد التعبئة والتغليف في صورة مواد أولية قابلة للاستخدام.

وأصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي موجودة اليوم في عدة نقاط على طول سلسلة القيمة هذه، حيث تعالج كل أداة جزءًا مختلفًا من المشكلة، وفي الوقت نفسه تربط بين النتائج في المراحل الأولى والنهائية للمساعدة على اتخاذ قرارات أكثر ذكاءً.

في مرحلة الجمع، تقوم أنظمة النفايات أحادية المسار بخلط المواد القابلة لإعادة التدوير مع مخلفات الطعام والنفايات العضوية، ما يؤدي إلى تراجع جودة المواد حتى قبل بدء عملية الفرز. وتستطيع تقنيات النفايات الذكية، ومنها الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على مستوى حاويات النفايات، اكتشاف التلوث مباشرة عند نقطة التخلص من النفايات.

وفي المراحل اللاحقة من السلسلة، لا تزال منشآت الفرز التقليدية تواجه صعوبات كبيرة، إذ لا تتمكن في كثير من الأحيان سوى من استعادة نحو ربع المواد الواردة إليها. ويعود ذلك إلى أن أجهزة الاستشعار البصرية التقليدية لا تستطيع اكتشاف بعض الأشكال التي يصعب فرزها، مثل الأغشية متعددة الطبقات والبلاستيك الأسود ومواد التغليف المرنة، ما يدفع المنشآت إلى إرسال هذه المواد إلى مدافن النفايات أو حرقها.

وتسد أنظمة الرؤية الحاسوبية المتقدمة هذه الفجوات من خلال تقليل الاعتماد على الفرز اليدوي والتعرف على المواد المعقدة التي تعجز أجهزة الاستشعار القديمة عن اكتشافها.

كما تذهب التقنيات الناشئة إلى أبعد من ذلك. فعلى سبيل المثال، تستخدم بعض المشروعات تقنيات التعرف على المواد على المستوى الجزيئي لتحديد تركيبها الكيميائي الدقيق، وهو ما يمكن أن يجعل بعض أنواع البوليمرات التي لم يكن من الممكن إعادة تدويرها سابقًا قابلة للتحويل إلى مواد أولية عالية الجودة لاستخدامها في عمليات إعادة التدوير الكيميائي المتقدمة.

ويمكن لتحسين عمليات الجمع وزيادة الكفاءة في كل مرحلة من هذه المراحل أن يوفر نتائج اقتصادية وبيئية واجتماعية مهمة، ويسرّع الانتقال نحو اقتصاد دائري للبلاستيك.

لكن الفرز الجيد لا يحقق قيمة اقتصادية إلا إذا كان من الممكن الوثوق بالمواد الناتجة في نهاية العملية. فقد تخسر منشأة تبيع بالات من المواد المعاد تدويرها مئات الآلاف من الدولارات سنويًا بسبب فروق صغيرة في الجودة.

كما يمكن أن تختفي أسواق المواد المعاد تدويرها بصورة مفاجئة، كما حدث عندما توقفت الصين عن استيراد النفايات المختلطة القابلة لإعادة التدوير في عام 2018.

كذلك لا تستطيع العلامات التجارية التي تواجه أهدافًا تتعلق بنسبة المحتوى المعاد تدويره إثبات كمية مواد التغليف التي تم تدويرها فعليًا من دون وجود سجل موثوق يوضح مكونات كل بالة من المواد، وهي تحديدًا الفجوة التي يمكن لبيانات الفرز بالذكاء الاصطناعي سدها.

ولا تقتصر أهمية البيانات على مراقبة الجودة. فالبيانات التي تُجمع عن كل قطعة أثناء مرورها على خط الفرز توفر لمنتجي مواد التغليف معلومات قابلة للتطبيق تساعدهم على تصميم منتجات أكثر أمانًا وأسهل في إعادة التدوير.

كما تمنح الحكومات ومنظمات مسؤولية المنتجين البيانات الدقيقة اللازمة لتحسين السياسات وتوجيه التمويل واتخاذ قرارات أفضل بشأن الاستثمار في البنية التحتية.

ما الذي يدفع الطلب؟

هناك عاملان رئيسيان يزيدان استعداد الأسواق لدفع مقابل هذا النوع من التحقق:

  • بدأت متطلبات استخدام نسب محددة من المواد المعاد تدويرها تدخل حيز التنفيذ، أو أصبحت قريبة من التطبيق، في معظم الأسواق الرئيسية. ففي الاتحاد الأوروبي، ستبدأ اللوائح المتعلقة بمواد التغليف ونفاياتها في فرض حد أدنى لمحتوى المواد المعاد تدويرها في العبوات البلاستيكية اعتبارًا من عام 2030. وفي الهند، تفرض الإرشادات استخدام نسبة 40% من المواد المعاد تدويرها في عبوات البلاستيك الصلب اعتبارًا من أبريل 2026. كما أدخلت عدة ولايات أمريكية رسومًا مرتبطة بمسؤولية المنتجين ضمن إطار زمني مشابه. ومن الصعب على عمليات الفرز اليدوية تلبية مستويات النقاء والكميات التي تتطلبها هذه الأنظمة.
  • وفي الوقت نفسه، أصبحت المواد الخام البكر أكثر تكلفة وأقل استقرارًا من حيث الإمدادات. وبعد اندلاع الصراع في الشرق الأوسط في أوائل عام 2026، أصبحت سلاسل توريد المواد البكر أكثر تركّزًا وتقلبًا وارتفاعًا في التكلفة. ولا تواجه المواد المعاد تدويرها مستوى التعرض نفسه لهذه المخاطر.

"منذ أن أثرت الاضطرابات في الشرق الأوسط على سلاسل توريد المواد البكر، تلقينا المزيد من الاهتمام بشأن قدرات الشركات الموجودة في محفظتنا على توفير المواد المعاد تدويرها، وهو ما يشير إلى أن اهتمام المستثمرين بدأ يتحول نحو الاقتصاد الدائري باعتباره وسيلة للتحوط، وليس مجرد خيار مرتبط بالاستدامة."

— أماندين جولي، رئيسة الشراكات والشؤون الخارجية في Circulate Capital

اقتصاديات النفايات المعززة بالتكنولوجيا

يعمل التمويل في هذا القطاع على عدة مستويات. فشركات البرمجيات التي تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها لا تزال تعتمد في الغالب على استثمارات رأس المال الاستثماري في المراحل المبكرة. ومن الأمثلة على ذلك شركات متخصصة في تحليل النفايات باستخدام الذكاء الاصطناعي حصلت على جولات تمويل بعشرات الملايين من الدولارات.

أما الشركات المصنعة للمعدات التي تحتاج إلى توسيع قدراتها الإنتاجية فتلجأ عادة إلى رأس مال النمو.

وفي المقابل، تستطيع الشركات المشغلة لمنشآت إعادة التدوير التي ترغب في تحديث خطوط الفرز باستخدام هذه التكنولوجيا اللجوء إلى تمويل المشروعات أو القروض المرتبطة بالاستدامة، نظرًا لأن هذه التكنولوجيا تمثل تحسينًا مثبتًا لنشاط تجاري قائم بالفعل ويحقق تدفقات نقدية.

أما عمليات جمع النفايات فتختلف عن ذلك، لأنها لا تحقق أرباحًا مستقلة في حد ذاتها، ولذلك تعتمد على التمويل العام والتمويل المختلط، الذي يمر عادة عبر بنوك التنمية والبلديات.

ومن الأمثلة على ذلك إصدار سندات بقيمة 100 مليون دولار مرتبطة بخفض النفايات البلاستيكية بهدف تمويل مشروعات جمع وإعادة تدوير البلاستيك في غانا وإندونيسيا.

وما يجمع بين مسارات التمويل المختلفة هذه هو ضرورة وجود مشترٍ مستعد لدفع ثمن مواد تم التحقق من جودتها ومصدرها.

فمن دون اتفاقيات شراء طويلة الأجل، ومتطلبات قانونية تفرض استخدام المواد المعاد تدويرها وتضمن وجود الطلب عليها، ستستمر فرق المشتريات في مقارنة أسعار المواد المعاد تدويرها بأسعار البلاستيك البكر.

ويتطلب تجاوز هذا العائق الانتقال من عمليات الشراء في الأسواق الفورية إلى التزامات شراء مسبقة طويلة الأجل واتفاقيات منظمة لاستيعاب الإنتاج.

ومن خلال ضمان حد أدنى ثابت لأسعار الراتنج المعاد تدويره الذي تم التحقق من جودته، يستطيع المشترون من الشركات توفير درجة من اليقين بشأن الإيرادات، وهو ما يحتاج إليه المقرضون لتقليل المخاطر وتمويل مشروعات كبرى للبنية التحتية الخاصة بإعادة التدوير.

تعمل اللوائح الأكثر صرامة على تحويل استخدام المحتوى المعاد تدويره من مجرد تفضيل إلى التزام قانوني، في وقت تواجه فيه المواد البكر ارتفاعًا في التكاليف وتقلبًا متزايدًا في سلاسل التوريد.

وتجذب هذه العوامل مجتمعة رأس المال المؤسسي بدلًا من الاستثمارات القائمة على المضاربة فقط، في حين تقدم الصفقات الحالية في هذا القطاع أدلة واضحة على إمكانية بناء استراتيجيات استثمارية تحقق عوائد مالية وفي الوقت نفسه تسهم في تحقيق نتائج إيجابية للطبيعة.

ومع ذلك، فعلى الرغم من أن تقنيات الفرز المدعومة بالذكاء الاصطناعي توفر تحسينات جوهرية في كفاءة المراحل النهائية من سلسلة النفايات، فإن الوصول إلى اقتصاد دائري متكامل للبلاستيك لا يزال يتطلب حلولًا تشمل سلسلة القيمة بأكملها، إلى جانب مشاركة واسعة من مختلف الأطراف لإحداث تحول شامل في البنية التحتية.

المصدر

مقالات ذات صلة