القائمة الرئيسية

ماذا تكشف فيديوهات «دماغ الذبابة» الفيروسية عن العلم في اقتصاد جذب الانتباه؟

ماذا تكشف فيديوهات «دماغ الذبابة» الفيروسية عن العلم في اقتصاد جذب الانتباه؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف غيّر اقتصاد الانتباه طريقة تقديم العلم للجمهور، حيث تدفع وسائل التواصل الاجتماعي وضغوط التمويل الباحثين إلى صياغة أعمالهم بأسلوب أكثر إثارة لجذب الاهتمام والاستثمار، حتى لو تجاوزت بعض الادعاءات ما تثبته الأدلة فعلياً. ومن خلال مثال فيديو «دماغ ذبابة الفاكهة» المنتشر، تسلط المقالة الضوء على مخاطر المبالغة العلمية وتأثيرها في توجيه التمويل وثقة الجمهور، مؤكدة أن مستقبل العلم يعتمد على تحقيق توازن بين قوة سرد القصص والالتزام بالدقة والصرامة والحقيقة.

  • انتشر مقطع فيديو على نطاق واسع زعم أنه يُظهر رفع دماغ ذبابة الفاكهة رقمياً. لم يكن ذلك صحيحاً، لكنه كشف مدى السرعة التي يمكن أن تنتشر بها المبالغات العلمية.
  • مع تزايد صعوبة التنبؤ بتمويل الأبحاث العامة، يواجه العلماء ضغوطاً متزايدة لتقديم أعمالهم باعتبارها تحوّلية وقابلة لجذب الاستثمار.
  • عندما يصبح الانتباه شكلاً من أشكال العملة، قد تطغى القصة الأكثر إثارة على العلم الأكثر موثوقية.

يُعد سرد القصص قوة دافعة للتقدم العلمي الحديث. فمن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، انتقلت الأبحاث العلمية من المختبرات إلى دائرة اهتمام الجمهور. وتتيح منصات مثل إكس وبلوسكاي للعلماء الشباب تبادل الأفكار والتعاون والتواصل بشأن الأبحاث. وهذه من الجوانب الإيجابية.

لكن من الآثار الجانبية لذلك أن الأفكار العلمية أصبحت تتنافس اليوم داخل البيئة المعلوماتية نفسها مع السياسة والترفيه والمؤثرين والشركات الناشئة والأحداث الجارية. وهذه المنصات تكافئ السرعة والبساطة واليقين العاطفي. غير أن العلم لا يبهر العالم بين ليلة وضحاها. فالاختراقات العلمية مثل تقنية كريسبر والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة تطلبت سنوات من الأبحاث المضنية، واستندت إلى علوم أساسية «غير براقة» أُجريت على مدى عقود.

وهذا يخلق حالة من التوتر. فلكي يحافظ العلماء على حضورهم في عصر يتسم بقصر مدة الانتباه، يتعين عليهم إنتاج «محتوى» مثير للاهتمام، أي علماً يبدو رائداً ومغيّراً للقواعد. وعندما تكون عملية تحقيق الاكتشافات الحقيقية بطيئة ونادرة ومحاطة بعدم اليقين، يجد العلماء أنفسهم تحت ضغط يدفعهم إلى «إعادة تفسير» أعمالهم.

فيديوهات دماغ ذبابة الفاكهة

على سبيل المثال، اجتاح وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لمحاكاة دماغ ذبابة فاكهة، مصحوباً بادعاءات بأن الذبابة جرى تحميلها رقمياً. وعلى الرغم من أن الخبراء سارعوا إلى التشكيك في هذه الادعاءات، فإن الفيديو أثار ضجة كبيرة في أوساط التكنولوجيا على الإنترنت، حيث انبهر غير المتخصصين بفكرة الخلود الرقمي، بينما انتقد علماء الأعصاب الحيل التسويقية والأساليب البحثية غير المنضبطة.

وتستحق القوى التي تقود هذا التحول، أو ما يمكن وصفه بـ«تحويل العلم إلى نموذج تيك توك»، نقاشاً جاداً، لا سيما فيما يتعلق بتأثيراتها في الأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني.

تمويل العلوم والسباق نحو جذب الانتباه

أصبحت مصادر التمويل التقليدية في الولايات المتحدة، وخصوصاً الحكومية منها، أكثر صعوبة في الحصول عليها. فقد انخفضت معدلات نجاح منح البحث العلمي الرئيسية التابعة للمعاهد الوطنية للصحة خلال السنوات الأخيرة، ووصلت في بعض المعاهد إلى مستويات تقترب من 10%. وكان الباحثون في المراحل المبكرة من مسيرتهم المهنية من بين الأكثر تأثراً.

وخلال العامين الماضيين، أنهت الوكالات الفيدرالية أو جمّدت آلاف المنح البحثية التي سبق منحها، كما خفّضت بشكل كبير حجم القوى العاملة العلمية التابعة للحكومة الفيدرالية. ولا يقتصر هذا الاتجاه على الولايات المتحدة، بل يظهر أيضاً في الأرجنتين واليابان وكوريا الجنوبية.

ويُعد العلم الأساسي عرضة للخطر بشكل خاص، لأنه غالباً ما يكون أقل أنواع الأبحاث جاذبية من الناحية الإعلامية، على الرغم من أنه يشكل الأساس الذي تقوم عليه التقنيات اللاحقة. ومع ازدياد عدم موثوقية بيئة التمويل، يتجه الباحثون بصورة متزايدة إلى مصادر تمويل خاصة، تشمل المؤسسات الخيرية والمليارديرات الذين صنعوا ثرواتهم خلال طفرتي الإنترنت والعملات المشفرة، إضافة إلى أصحاب الثروات الجديدة في قطاع الذكاء الاصطناعي. كما يجد الباحثون أنفسهم أكثر ميلاً إلى تقديم مقترحات تبدو تحوّلية وفريدة بما يكفي لجذب التمويل.

وخلال العقد الماضي، اتجه المستثمرون في المراحل المبكرة أيضاً إلى التدخل في مراحل أبكر من العملية البحثية. فقد أدّى الجمع بين تأخر صرف التمويل العام وتحول بعض أكبر صناديق رأس المال الاستثماري إلى شركات استشارية استثمارية مسجلة إلى خلق فجوة في تطوير الأبحاث في مراحلها الأولى، وفي الوقت نفسه فتح مصادر جديدة لرأس المال أمام الفرص التي تتوافق مع اهتمامات تلك الصناديق. وهكذا أصبحت الصناديق التي اعتادت البحث عن المؤسس الواعد التالي أو الصفقة الرابحة قادرة على الوصول إلى المشاريع العلمية في مراحل أبكر بكثير.

لكن الفارق الحاسم يكمن في الحوافز. فبينما تستطيع الحكومات إعطاء الأولوية للاكتشاف العلمي من أجل تحقيق أهداف استراتيجية أو مجتمعية واسعة، يتحمل المستثمرون من القطاع الخاص مسؤولية تعظيم العائد المالي. ويدفع ذلك هؤلاء المستثمرين إلى إعطاء الأولوية للقطاعات الأكثر رواجاً، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والطاقة النووية، في حين قد تُهمَل مجالات استثمارية أطول أجلاً أو أعلى مخاطرة، مثل الرعاية الصحية وانعدام الأمن الغذائي وتغير المناخ.

وهكذا يجد العلماء أنفسهم تحت ضغط للتكيف مع هذه البيئة عبر تعلّم لعبة جديدة: جذب المستثمرين الذين يضعون العائد المالي في المقام الأول.

لماذا يهم ذلك، وما الذي يمكننا فعله؟

مع تكيف العلم مع اقتصاد التصفح السريع، تظهر تكاليف خفية في جهودنا الرامية إلى تطوير العلوم والتكنولوجيا. ويتمثل أول هذه التكاليف في تشويه أنماط التمويل والاستثمار. فعندما يتحول الانتباه والصورة العامة إلى نوع من العملة، قد تتدفق الموارد نحو القصة الأكثر إثارة بدلاً من المسار العلمي الأكثر متانة واستدامة.

ويُظهر مشروع الدماغ البشري، الذي استقطب ملايين اليوروهات، كيف يمكن للبرامج ذات الرؤى الطموحة أن تجتذب موارد واهتماماً كبيرين. ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذه البرامج تستبعد أو تزاحم الأبحاث الأساسية، لكنه يثير تساؤلات حول كيفية موازنة أنظمة التمويل بين المشاريع الكبرى الطموحة من جهة، والأبحاث الأبطأ والأقل ظهوراً من جهة أخرى.

ولذلك يتحمل ممولو العلوم من القطاع الخاص مسؤولية مكافأة الصرامة العلمية وقابلية التوسع بدلاً من العروض الاستعراضية الخالية من المضمون، كما ينبغي لهم تقدير جهود تطوير الأدوات العلمية والأعمال البحثية الأساسية. وعندما تُتخذ القرارات خارج إطار مراجعة الأقران على وجه الخصوص، يجب التدقيق في الجودة العلمية بعناية كافية للتمييز بين الأهمية الحقيقية والمبالغة السردية.

ثانياً، يمكن للأنظمة التي تكافئ الجرأة بصورة أوضح من الصرامة أن تعلّم الباحثين في بداية مسيرتهم المهنية أن النجاح يتطلب تقديم كل نتيجة على أنها اكتشاف تحوّلي. وهذا يحمل آثاراً سلبية طويلة الأمد على مستقبل القوى العاملة العلمية. فعند تدريب العلماء، ينبغي للمؤسسات الأكاديمية التأكيد على أهمية توضيح أوجه عدم اليقين والفصل بين ما أثبتته الأدلة فعلياً وما يأمل الباحثون في تحقيقه مستقبلاً. كما ينبغي لدورات كتابة طلبات المنح أن تعلم الطلاب الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي ومنصات النشر العامة، في حين ينبغي إلزام فرق الاتصال المؤسسي بمعايير صحفية قوية.

ثالثاً، قد تؤدي الادعاءات المبالغ فيها إلى جذب الانتباه على المدى القصير، لكنها تضر بالثقة على المدى الطويل. فإذا استمر العلم في الوعد بثورات علمية لا تتحقق إلا ببطء أو بشكل جزئي أو لا تتحقق إطلاقاً، فقد يصبح الجمهور أكثر تشككاً حتى تجاه الاكتشافات المهمة حقاً. وقد أظهرت الخلافات والمعلومات المضللة التي أحاطت بلقاحات الحمض النووي الريبي المرسال خلال جائحة كوفيد-19 مدى السرعة التي يمكن أن تتضرر بها ثقة الجمهور عندما يصبح التواصل العلمي مسيّساً.

في الماضي، كانت النتائج العلمية تنتقل ببطء: من التجربة إلى الورقة البحثية، ثم إلى المؤتمر، وبعد ذلك إلى النقاش العام. أما اليوم، فقد يتحول الاكتشاف إلى قصة متداولة قبل أن ينضج بالكامل، سواء في طلب للحصول على منحة أو بيان صحفي صادر عن جامعة أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو عرض استثماري. وقد جعل ذلك العلم أكثر وضوحاً وحضوراً أمام الجمهور، كما ساعد العلماء على استقطاب المتعاونين وجذب الممولين وتأسيس الشركات، وخصوصاً في ظل بيئة التمويل الصعبة الحالية.

لذلك، لا ينبغي أن تكون استجابتنا لاقتصاد جذب الانتباه مطالبة العلماء بأن يكونوا أقل طموحاً أو خيالاً أو قدرة على رواية القصص بصورة مؤثرة. فالتمييز الأساسي الذي يجب الحفاظ عليه هو بين تخيل مستقبل استثنائي وبين الادعاء بأننا وصلنا بالفعل إلى ذلك المستقبل من دون أدلة صارمة تثبت ذلك.

ولا يستطيع العلم أن يزدهر في اقتصاد الانتباه إلا إذا ظل العلماء والممولون ووسائل الإعلام والجمهور واعين بهذا الفارق. ففي نهاية المطاف، تعتمد مصداقية العلم على إعطاء الحقيقة قيمة أكبر من الانتشار.

المصدر

مقالات ذات صلة