في هذه اللحظة، يتعرف دماغك على أشكال هذه الحروف، ويحلل معانيها، ويحافظ على تماسك سلسلة الأفكار في ذهنك، وكل ذلك باستخدام نحو 20 واطًا من الطاقة. وهذه كمية من الطاقة تعادل تقريبًا ما تحتاج إليه مصباحة كهربائية.
ومع ذلك، فإن إعادة إنتاج جزء صغير حتى من قدرات الدماغ باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية قد يتطلب بنية حوسبية هائلة وكميات كبيرة من الطاقة.
الحوسبة العصبية، المعروفة أيضًا باسم «الحوسبة المستوحاة من الدماغ»، هي محاولة لتقليص هذه الفجوة. وهي لا تسعى إلى جعل أجهزة الكمبيوتر الحالية أكثر كفاءة قليلًا فحسب، وإنما تحاول إعادة التفكير بصورة أساسية في الطريقة التي ينبغي أن تعمل بها أجهزة الكمبيوتر.
يحتوي دماغ الإنسان على نحو 86 مليار خلية عصبية، وترتبط هذه الخلايا ببعضها عبر وصلات تُعرف باسم المشابك العصبية. تستقبل الخلية العصبية إشارات من الخلايا المجاورة لها، وعندما يتجاوز تأثير هذه الإشارات مجتمعة حدًا معينًا، تطلق الخلية نبضة كهربائية قصيرة تُعرف باسم النبضة العصبية.
هناك عاملان يجعلان هذه العملية عالية الكفاءة. أولًا، لا تُستهلك الطاقة إلا في الأماكن التي تحتاج إليها، بدلًا من استهلاكها باستمرار في كل مكان. وثانيًا، ترتبط الذاكرة والمعالجة ببعضهما ارتباطًا وثيقًا من خلال قوة استجابة كل مشبك عصبي. فلا يحتاج الدماغ إلى التوقف والذهاب للبحث عن المعلومات، وهو ما يوفر الوقت والطاقة معًا.
وعلى النقيض من ذلك، توجد وحدة المعالجة والذاكرة في شريحة الكمبيوتر التقليدية في موقعين منفصلين ماديًا، ولذلك تتطلب كل عملية حسابية نقل البيانات بينهما. ويمكن أن يمثل هذا النقل جزءًا كبيرًا من استهلاك الطاقة، وهو ما يُعرف باسم «عنق زجاجة فون نيومان»، وهو مصطلح استخدمه عالم الكمبيوتر الأمريكي جون باكوس لأول مرة عام 1978 لوصف عدم الكفاءة هذا في الحوسبة.
تتعامل الحوسبة العصبية مع أوجه عدم الكفاءة هذه بعدة طرق، منها تقريب الذاكرة من وحدة المعالجة، واستخدام «التمثيلات المتناثرة»، وهي نماذج للبيانات تكون فيها معظم القيم مساوية للصفر، وإجراء العمليات الحسابية فقط عندما تحدث أحداث تستدعيها.
ويُعرف هذا باسم «الحوسبة القائمة على الأحداث»، ونحن نشهد بالفعل بعض التطبيقات المثيرة للاهتمام لهذه التقنية.
مستشعرات تحاكي شبكية العين البشرية
تُعد الكاميرات الحدثية مستشعرات صُممت على غرار شبكية العين البشرية. وتستجيب وحدات البكسل فيها بشكل مستقل، ولا تنشط إلا عندما تكتشف تغيرًا في المشهد، بدلًا من التقاط إطار كامل عشرات المرات في الثانية، كما تفعل الهواتف الذكية أو كاميرات الفيديو.
والنتيجة هي مستشعر عصبي يستهلك جزءًا ضئيلًا من الطاقة، ويتعامل مع الحركة السريعة دون ضبابية، ويعمل بالكفاءة نفسها في ضوء الشمس الساطع وفي ظروف تقترب من الظلام التام.
وفي المركبات ذاتية القيادة، يمكن لهذا الجمع بين زمن الاستجابة المنخفض والأداء الموثوق في ظروف الوهج أو الظلام أن يشكل الفارق بين اكتشاف أحد المشاة في الوقت المناسب وعدم اكتشافه. وفي الفضاء، حيث الطاقة محدودة وظروف الإضاءة القاسية شائعة، استُخدمت الكاميرات الحدثية بالفعل لتتبع الأجسام والحطام.
وقد يكون من المغري التساؤل عما إذا كانت الأجهزة العصبية يمكن أن تحقق في مجال الحوسبة ما حققته وحدات معالجة الرسومات، أو GPUs، التي تنتجها Nvidia في مجال الذكاء الاصطناعي. لكن هذين النوعين من الشرائح مختلفان بصورة جوهرية.
تتميز وحدات معالجة الرسومات من Nvidia بقدرتها الاستثنائية على تنفيذ العمليات الحسابية الكثيفة والمتكررة التي تقوم عليها تقنيات التعلم العميق، وهو ما جعلها الخيار الافتراضي لمعظم مهام الذكاء الاصطناعي تقريبًا. أما الحوسبة العصبية، فمن المرجح أن يؤدي نهجها القائم على الأحداث إلى ظهور مجموعة واسعة من الشرائح المتخصصة، بدلًا من ظهور تصميم واحد يهيمن على السوق ويتبناه الجميع في الوقت نفسه.
وتبيع شركة BrainChip الأسترالية بالفعل معالجًا عصبيًا تجاريًا لتشغيل الكاميرات والمستشعرات التي تحتاج إلى العمل باستهلاك منخفض جدًا للطاقة. ومن المتوقع أن تعمل الأجهزة العصبية إلى جانب المعالجات التقليدية ووحدات معالجة الرسومات، بدلًا من أن تحل محلها، بحيث تتولى المهام التي تكون فيها ميزة الكفاءة التي تتمتع بها حاسمة.
المعلومات الحساسة
لكن هناك ميزة أخرى لتكنولوجيا الحوسبة العصبية تتجاوز مجرد توفير الطاقة.
فنظرًا إلى قدرة الشرائح العصبية على معالجة البيانات في المكان الذي تُنتج فيه مباشرة، يمكن أن تبقى المعلومات الحساسة القادمة من الأجهزة القابلة للارتداء، والكاميرات الذكية، والمستشعرات الطبية على الجهاز نفسه، بدلًا من إرسالها إلى السحابة. وهذا قد يقلل من مخاطر الخصوصية والأمن السيبراني المرتبطة بنقل البيانات.
كما يمكن للأجهزة أن تعمل دون اتصال بالإنترنت، من دون الحاجة إلى إرسال البيانات إلى خادم بعيد وانتظار وصول الرد. ويكتسب التخلص من رحلة البيانات ذهابًا وإيابًا أهمية كبيرة في أي مكان تكون فيه القرارات الفورية مطلوبة، مثل المركبات ذاتية القيادة والطائرات المسيّرة والروبوتات التي تعمل خارج نطاق الإشارة الموثوقة.
وهذا لن يجعل مراكز البيانات غير ضرورية. لكنه قد يعني أن عددًا أقل من المهام سيحتاج إلى مركز بيانات مستقبلًا، وأن المهام التي ستظل تعتمد عليها يمكن أن تصبح أكثر كفاءة بصورة هائلة. فقد أثبتت شركة IBM بالفعل تحقيق وفورات في الطاقة تصل إلى عشرة آلاف ضعف في المهام القائمة على الأحداث، مقارنة بالبنى الرقمية التقليدية، باستخدام شريحة TrueNorth الخاصة بها.
إعادة التفكير في طريقة عمل الحوسبة
شهدت الحوسبة تحولًا مشابهًا من قبل. فقد كانت أجهزة الكمبيوتر الأولى تملأ غرفًا كاملة وتستهلك من الطاقة ما يعادل استهلاك مصنع صغير. أما اليوم، فأصبحت شريحة أصغر من ظفر الإصبع داخل الهاتف الموجود في جيبك أكثر قدرة بكثير.
وتطرح الحوسبة العصبية إمكانية حدوث تحول مماثل، لكن الدافع هذه المرة قد لا يكون حشر عدد أكبر من الترانزستورات، وهي المفاتيح الصغيرة التي تتكون منها دوائر الشريحة، بقدر ما يكون إعادة التفكير في الطريقة التي ينبغي أن تعمل بها الحوسبة من الأساس.
لكن تحويل هذا الوعد إلى بنية تحتية تستخدم على نطاق واسع في الحياة اليومية سيتطلب جهدًا مستمرًا. وفي NeuroWare، وهي مركز الابتكار البريطاني الرائد متعدد الجامعات في مجال الحوسبة العصبية، قدت تطوير خارطة طريق بريطانية لهذه التكنولوجيا تمتد حتى عام 2050، بالتعاون مع زملاء من الأوساط الأكاديمية وقطاع الصناعة والحكومة.
ومع توقع أن يقترب حجم السوق العالمية لتكنولوجيا الحوسبة العصبية من أربعة أضعافه ليصل إلى 20 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 14.8 مليار جنيه إسترليني، بحلول عام 2030، تحتاج المملكة المتحدة إلى مرافق مفتوحة الوصول لتطوير نماذج أولية للشرائح الجديدة، واستثمارات منسقة، ومعايير مشتركة، وقوى عاملة مدربة على الربط بين علوم الأعصاب والإلكترونيات وعلوم الكمبيوتر.
الأسس موجودة بالفعل. وما ينقص هو البنية التحتية اللازمة لنقل الحوسبة العصبية من أجهزة الكمبيوتر العملاقة، مثل محاكي الدماغ SpiNNaker التابع لجامعة مانشستر، إلى مليارات الأجهزة العادية التي قد تستخدم يومًا ما أجهزة مستوحاة من الدماغ لمعالجة المعلومات بنفسها.
لقد حل دماغك هذه المشكلة قبل ملايين السنين. لكن العلم احتاج إلى وقت طويل حتى يدرك مدى جودة الطريقة التي يعمل بها.
