بدأ الذكاء الاصطناعي بالفعل في أداء أجزاء حقيقية من الأعمال المتخصصة، بدءًا من الأعمال الورقية في المستشفيات ووصولًا إلى الكشف عن النوبات القلبية. وما يحدد مقدار التغيير الذي سيطرأ على عملك هو مقدار التحكم الذي يُمنح للذكاء الاصطناعي في أداء المهمة، وليس التكنولوجيا نفسها.
ما الذي حدث؟ بدأ الباحثون الآن في تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي وفقًا لمقدار التحكم الذي تمتلكه في أداء مهمة معينة، بدءًا من مستوى «الأداة»، حيث ينفذ الإنسان كل شيء، وصولًا إلى مستوى «الوكيل»، حيث يعمل النظام بمفرده، بدلًا من إصدار حكم واحد بنعم أو لا حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على «أداء الوظيفة».
ماذا يعني ذلك؟ في أماكن العمل الحقيقية اليوم، يوجد الذكاء الاصطناعي بالفعل في مستويات مختلفة عند تنفيذ مهام مختلفة داخل الوظيفة نفسها. فإعداد مسودة لملاحظات الطبيب أقرب إلى مستوى «المتعاون»، بينما قراءة صورة للقلب أقرب إلى مستوى «الخبير»، في حين أن عددًا قليلًا جدًا من المهام المتخصصة وصل حتى الآن إلى مستوى «الوكيل» الذي يتمتع بالاستقلالية الكاملة.
المخاطر والتأثيرات. لا يتمثل الخطر في لحظة واحدة درامية يحدث فيها تسريح جماعي للموظفين. بل يتمثل في انتقال المهام بهدوء إلى مستويات أعلى، واحدة تلو الأخرى، بينما قد لا يلاحظ الأشخاص الذين يؤدونها الأجزاء التي تغيرت.
ما الذي يمكن فعله؟ قسّم وظيفتك أنت إلى المهام التي تتكون منها، واسأل عن المستوى الذي توجد فيه كل مهمة اليوم. فهذا سيخبرك أكثر من أي توقع عام بشأن «استيلاء الذكاء الاصطناعي على الوظائف».
ما الذي ينبغي مراقبته؟ راقب ما إذا كانت إحدى المهام في مجال عملك تنتقل من مستوى «المستشار»، حيث لا تزال أنت من يتخذ القرار، إلى مستوى «الخبير»، حيث يتم تنفيذ مخرجات النظام دون التحقق منها. هذا التحول، وليس العنوان الرئيسي في الأخبار، هو ما يغير فعليًا طبيعة ما تقوم به طوال يوم عملك.
ما الذي حدث؟
كان الطبيب الذي ينهي نوبة عمل مدتها اثنتا عشرة ساعة يقضي الساعة الأخيرة عادة في كتابة الملاحظات الطبية. أما الآن، وبشكل متزايد، فأداة للذكاء الاصطناعي تستمع إلى الاستشارة، وتُعد مسودة للملاحظة الطبية، ثم يقوم الطبيب بمراجعتها وتحريرها والتوقيع عليها. وهذا ليس من قبيل الخيال العلمي. فأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تُستخدم بالفعل بهذه الطريقة لتفريغ الاستشارات وتحرير مسودات السجلات الطبية، وتشير الدراسات الأولية إلى أنها تقلل العبء الإداري الذي يُعد أحد العوامل المعروفة المساهمة في الاحتراق الوظيفي لدى العاملين في المجال الطبي.
يحمل هذا المثال البسيط القصة الكاملة لما يفعله الذكاء الاصطناعي حاليًا بالوظائف. فهو لا يحل محل الطبيب. وإنما يتولى مهمة واحدة داخل الوظيفة، ويترك للطبيب مهمة التحقق من النتيجة.
في عام 2023، اقترح باحثون في Google DeepMind إطارًا لتقييم هذا النوع من التغيير تحديدًا. وبدلًا من السؤال عما إذا كان نظام الذكاء الاصطناعي «ذكيًا» بشكل عام، قاموا بتقييم مستوى استقلاليته في تنفيذ مهمة محددة وفق مقياس يتكون من خمس درجات: الأداة، حيث يكون النظام خاضعًا بالكامل لتحكم الإنسان، ثم المستشار، ثم المتعاون، ثم الخبير، ثم الوكيل، حيث يعمل النظام باستقلالية كاملة.
ويمكن للبرنامج الأساسي نفسه أن يوجد في مستويات مختلفة عند أداء مهام مختلفة. كما تعمل شركات من بينها OpenAI وGoogle وxAI وMeta بشكل صريح على تطوير أنظمة تتمتع بدرجات أعلى بكثير من الاستقلالية في عدد أكبر بكثير من المهام، وهو ما يسميه الباحثون الذكاء الاصطناعي العام، أو AGI. وقد أحصى استطلاع أُجري عام 2020 عدد 72 مشروعًا نشطًا لأبحاث الذكاء الاصطناعي العام في 37 دولة.
ما الذي تدعمه الأدلة؟
هناك بعض الادعاءات التي تحظى بدعم قوي من خلال المقارنات المباشرة. فقد أظهرت الأجهزة القابلة للارتداء والهواتف الذكية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي قدرتها على تحديد المرضى المعرضين لخطر الإصابة بمرض الشريان التاجي، ووجدت دراسة أجريت عام 2019 أن الذكاء الاصطناعي تمكن من التنبؤ بالنوبات القلبية بدقة وصلت إلى 90%. كما وجدت أبحاث أخرى أن الذكاء الاصطناعي كان بمستوى أداء البشر المدربين عند تفسير صور تخطيط صدى القلب، وفي بعض أقسام الطوارئ تمكن من تشخيص النوبات القلبية بصورة أفضل من الأطباء، مع تقليل كل من حالات التشخيص الفائت والفحوصات غير الضرورية. وهذا يمثل دليلًا على أن الذكاء الاصطناعي يعمل بالفعل عند مستوى «الخبير» في مهمة محددة وضيقة وواضحة المعالم.
لكن هناك ادعاءات أخرى أدلتها أضعف بكثير مما توحي به العناوين الإعلامية المحيطة بها. فقد وجدت دراسة واسعة الاستشهاد نُشرت عام 2023 أن الأشخاص فضلوا إجابات ChatGPT على إجابات الأطباء في 78.6% من أصل 585 تقييمًا على المنتدى الإلكتروني r/AskDocs، وقيّموا إجابات ChatGPT على أنها أكثر شمولًا وتعاطفًا. لكن الأسئلة جُمعت من منتدى مفتوح بدلًا من علاقة فعلية بين طبيب ومريض، ولم يتم التحقق من دقة الإجابات طبيًا، كما أشار منتقدون إلى أن الأشخاص الذين قيّموا الإجابات كانوا من المشاركين في تأليف الدراسة نفسها. وهذا يمثل نتيجة حقيقية تتعلق بأسلوب الإجابة ونبرتها، لكنه لا يثبت أن الذكاء الاصطناعي يقدم نصائح طبية أفضل.
ما زلنا لا نعرف إلى أي مدى يمكن تعميم هذه النتائج خارج المهام الضيقة والغنية بالبيانات، مثل تصوير القلب. فقد وجدت دراسة أجراها معهد Centerstone البحثي أن النماذج التنبؤية المبنية على السجلات الصحية الإلكترونية لم تتجاوز دقتها 70% إلى 72% عند التنبؤ بكيفية استجابة مريض بعينه للعلاج. وهذا مفيد، لكنه لا يزال بعيدًا عن أن يكون بديلًا عن الحكم السريري.
كيف يجري تقديم القصة؟
يرى الاتجاه القَلِق أن الذكاء الاصطناعي على وشك الاستيلاء على الأعمال المتخصصة بالكامل. وهناك أسباب تاريخية حقيقية تدعو إلى الحذر من هذا التصور. ففي عام 1965، توقع رائد الذكاء الاصطناعي هربرت سايمون أن تصبح الآلات قادرة على أداء أي عمل يستطيع الإنسان أداءه «خلال عشرين عامًا». وفي عام 1967، قال مارفن مينسكي إن مشكلة إنشاء الذكاء الاصطناعي «سيتم حلها إلى حد كبير» خلال جيل واحد. لم يتحقق أي من التوقعين في الموعد المحدد، ودخل المجال في دورات متكررة من الحماس أعقبتها انهيارات في التمويل، وهي الفترات المعروفة باسم «شتاءات الذكاء الاصطناعي». ولذلك فإن أي توقع بشأن سرعة التطور يستحق الآن القدر نفسه من التدقيق الذي كان يستحقه في الماضي.
أما الاتجاه الرافض فيقول إن أيًا من ذلك لا يغير شيئًا فعلًا، وإن الذكاء الاصطناعي ليس سوى أداة مثل أي أداة أخرى. لكن هذا التصور يقلل من شأن ما يمكن قياسه بالفعل. فالسجلات الطبية الفعلية تُعد مسوداتها اليوم بواسطة الذكاء الاصطناعي، وقرارات الفرز الطبي الفعلية تستند اليوم إلى درجات المخاطر التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، ووفقًا لتصنيف DeepMind نفسه، فإن أنظمة مثل نماذج اللغة الكبيرة الحالية تندرج بالفعل ضمن فئة «الذكاء الاصطناعي العام الناشئ»، أي أنها تقارن بمستوى شخص بالغ غير متخصص عبر نطاق واسع من المهام، وليست مجرد أنظمة عديمة القدرة.
أما الرؤية الثالثة، وهي الأقرب إلى ما تدعمه الأدلة، فتقول إن وحدة التغيير الحقيقية ليست «الوظيفة»، وإنما المهمة. فوظيفة اختصاصي الأشعة تشمل قراءة الصور، وكتابة التقارير، والتحدث مع المرضى القلقين، وتنسيق الرعاية. ويمكن لكل واحدة من هذه المهام أن تتحرك بشكل مستقل وبسرعات مختلفة على المقياس الممتد من الأداة إلى الوكيل. وهذه الرؤية أقل إثارة من الرؤيتين الأخريين، لكنها الأقرب إلى ما تدعمه البيانات فعلًا.
الخلفية
من المفيد فهم المقياس الممتد من الأداة إلى الوكيل بلغة بسيطة، لأنه يوضح سبب اختلاف شخصين ينظران إلى نظام الذكاء الاصطناعي نفسه اختلافًا كاملًا حول مدى أهمية هذا النظام وتأثيره.
عند مستوى «الأداة»، ينفذ الإنسان العمل بينما يقتصر دور البرنامج على المساعدة بصورة آلية. ويُعد التدقيق الإملائي أقدم مثال على ذلك.
وعند مستوى «المستشار»، يقدم الذكاء الاصطناعي رأيًا أو مسودة، لكن الإنسان يراجعها قبل حدوث أي شيء. فعلى سبيل المثال، عندما يحدد الذكاء الاصطناعي مريضًا باعتباره معرضًا لخطر مرتفع للإصابة بمرض الشريان التاجي، ثم يقوم الطبيب بالتحقق من النتيجة، فإننا نكون أمام مستوى المستشار.
وعند مستوى «المتعاون»، يتبادل الإنسان والذكاء الاصطناعي العمل ذهابًا وإيابًا، بحيث يساهم كل منهما في تشكيل النتيجة. ويُعد الطبيب الذي يحرر ملاحظة أعد الذكاء الاصطناعي مسودتها مثالًا على ذلك.
وعند مستوى «الخبير»، تكون مخرجات الذكاء الاصطناعي موثوقة بدرجة كافية تسمح باتخاذ إجراء بناءً عليها مع قدر محدود من المراجعة البشرية أو دون مراجعة بشرية. وهذا أقرب إلى المستوى الذي وصلت إليه بالفعل بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تقرأ صور تخطيط صدى القلب.
أما عند مستوى «الوكيل»، فيعمل النظام بالكامل من تلقاء نفسه.
ولا يزال عدد قليل جدًا من الأعمال المتخصصة قد وصل إلى مستوى «الوكيل»، وذلك لسبب عملي واضح. فالجيل الأحدث من أنظمة الذكاء الاصطناعي، والمعروف باسم نماذج الاستدلال، ظهر فقط في عام 2024، ويمكن لهذه النماذج إنتاج إجابات مقنعة لكنها خاطئة. ويطلق الباحثون على هذا النوع من الإخفاق اسم «الهلوسة»، وهو نمط من الأخطاء لم تكن الأنظمة القديمة القائمة على القواعد تشترك فيه بالطريقة نفسها.
والنظام الذي يمكن أن يكون مخطئًا بثقة ليس مرشحًا جيدًا للاستقلالية الكاملة في أي أمر ذي عواقب مهمة. ولهذا السبب تحديدًا، تُبقي معظم عمليات نشر الذكاء الاصطناعي الفعلية اليوم الإنسان داخل الحلقة، عند مستوى المستشار أو المتعاون، بدلًا من مستوى الوكيل.
وعندما جرى اختبار الذكاء الاصطناعي عند مستوى أقرب إلى الاستقلالية الكاملة، كان ذلك في الغالب ضمن مهام مادية أو مالية ضيقة صُممت كاختبارات معيارية عامة، وليس ضمن وظائف حقيقية. ففي عام 2025، تمكن نظام من جامعة إدنبرة يسمى ELLMER من إعداد القهوة بصورة مستقلة في مطبخ حقيقي، والتكيف مع العقبات في الوقت الفعلي. كما اقترح رجل الأعمال مصطفى سليمان اختبارًا معياريًا يتمثل في إعطاء الذكاء الاصطناعي مبلغ 100 ألف دولار وطلب تحويله إلى مليون دولار دون أي مساعدة بشرية. ولم يعلن أحد علنًا عن نجاح أي نظام ذكاء اصطناعي في اجتياز الاختبار الثاني.
من الذي يتأثر بذلك؟
بالنسبة إلى موظف يتولى توثيق المعلومات في المستشفى، فإن وصول الملاحظات التي يصوغها الذكاء الاصطناعي يمثل بالفعل تغييرًا في طبيعة الوظيفة حتى من دون حدوث تسريح من العمل، إذ تنتقل المهمة من الكتابة إلى التحقق.
وبالنسبة إلى طبيب القلب، فإن إشارة يصدرها الذكاء الاصطناعي بشأن صورة طبية غير حاسمة تمثل رأيًا ثانيًا يغير احتمالات اكتشاف مشكلة حقيقية، لكنها لا تحل محل القرار المتعلق بما ينبغي فعله حيال تلك المشكلة.
وبالنسبة إلى مريض يطرح سؤالًا عن أعراضه عبر الإنترنت في منتصف الليل، فقد تبدو إجابة الذكاء الاصطناعي التي تتسم بالتعاطف أكثر اهتمامًا من زيارة سريرية سريعة. وهذا تحديدًا هو السبب الذي يجعل الفجوة بين «يبدو أفضل» و«صحيح طبيًا» بالغة الأهمية بالنسبة إلى الشخص الذي لا يملك وسيلة لمعرفة الفرق.
القصة الأعمق
السؤال الذي يطرحه الناس فعليًا، وهو «هل سيستولي الذكاء الاصطناعي على وظيفتي؟»، يخفي وراءه سؤالًا أضيق وأكثر فائدة: أي من الأشياء التي أقوم بها طوال اليوم لا يزال يتطلب من إنسان أن يتخذ القرار، وأي منها توقف بهدوء عن الحاجة إلى ذلك؟
إعادة صياغة السؤال بهذه الطريقة مهمة، لأن الاستقلالية ليست مفتاحًا يتم تشغيله أو إيقافه. وإنما تُمنح مهمة بعد أخرى، وعادةً ما يكون ذلك من خلال صاحب العمل أو الجهة التنظيمية التي تقرر مقدار التحقق الذي لا يزال مطلوبًا.
فالمستشفى لا يستيقظ في يوم من الأيام ويقرر فجأة تسليم التشخيص إلى برنامج. بل ينقل مهمة واحدة في كل مرة من مستوى المستشار إلى مستوى الخبير، مع تراكم الأدلة التي تشير إلى أن البرنامج أصبح موثوقًا بدرجة تسمح بالاعتماد عليه مع قدر أقل من الإشراف.
ومن المرجح أن يحدث الأمر نفسه في مجالات القانون والكتابة وخدمة العملاء والمهن المتخصصة. لن يكون هناك حكم واحد شامل، وإنما مئات القرارات الصغيرة وغير المرئية في معظم الأحيان، حول مقدار التحقق الذي لا تزال مهمة معينة تستحقه.
والعامل الذي يقاوم هذا التحول لأطول فترة غالبًا ليس مستوى الذكاء بالمعنى المجرد، وإنما المسؤولية. أي حقيقة أن شخصًا محددًا يجب أن يتحمل المسؤولية عندما يحدث خطأ في قرار ما، وأن يفسر ما حدث، وأن يتحمل تبعات اتخاذ ذلك القرار.
يمكن للنموذج أن يصوغ ردًا يبدو متعاطفًا لمريض خائف، لكنه لا يستطيع أن يكون الشخص الذي يجلس مع ذلك المريض بعد ذلك إذا اتضح أن الإجابة كانت خاطئة.
فكرة تستحق التأمل
ما المهام التي تقوم بها في عملك أنت والتي يمكنك أن تثق في أن الذكاء الاصطناعي يؤديها عند مستوى «المتعاون»، وما المهام التي لن تسمح لها أبدًا بتجاوز مستوى «المستشار»، مهما أصبح البرنامج جيدًا؟
وإذا انتقلت إحدى المهام التي تقوم بها من مستوى المستشار إلى مستوى الخبير غدًا، فماذا ستفعل فعليًا بالوقت الإضافي الذي ستحصل عليه؟
مصادر
- جوجل ديب مايند - مستويات الذكاء الاصطناعي العام لتفعيل التقدم على طريق الذكاء الاصطناعي العام (arXiv، 2023) — https://arxiv.org/abs/2311.02462
- ويكيبيديا - الذكاء الاصطناعي العام - https://en.wikipedia.org/wiki/Artificial_general_intelligence
- ويكيبيديا - الذكاء الاصطناعي - https://en.wikipedia.org/wiki/Artificial_intelligence
- ويكيبيديا - الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية - https://en.wikipedia.org/wiki/Artificial_intelligence_in_healthcare
