تمكن النظام، الذي صممه باحثون في جامعة ستانفورد، من تحديد الأدوية التي يُرجح أن تنجح في التجارب السريرية، بل واقترح علاجًا لسرطان الرئة توصلت إليه لاحقًا وبشكل مستقل شركة دوائية كبرى أيضًا.
قد يستغرق تطوير دواء جديد سنوات، وقد تبلغ تكلفته مئات الملايين من الدولارات، وحتى بعد كل ذلك تفشل معظم الأدوية المرشحة في نهاية المطاف. والآن، بنى باحثون في جامعة ستانفورد شركة افتراضية للتقنيات الحيوية تضم 37 ألف وكيل من وكلاء الذكاء الاصطناعي يعملون معًا لتحليل أهداف الأدوية وتصميم العلاجات.
نحو 90% من الأدوية التي تدخل التجارب السريرية لا تصل أبدًا إلى الأسواق. ويحدث ذلك غالبًا لأن النتائج الواعدة التي تظهر في المختبر لا تتحول إلى نتائج مماثلة لدى المرضى، أو لأن الدواء يتسبب في آثار جانبية خطيرة لم يتم اكتشافها في مراحل سابقة من عملية التطوير.
ويتمثل جزء من المشكلة في أن الأدلة التي يمكن أن تساعد على اكتشاف هذه المشكلات في وقت مبكر من العملية تكون موزعة بين تخصصات وصيغ مختلفة، مما يجعل من الصعب على أي فريق واحد أن يدرسها جميعًا ويوازن بينها.
وللتغلب على هذه المشكلة، أنشأ فريق من جامعة ستانفورد نظامًا أطلق عليه اسم «شركة افتراضية للتقنيات الحيوية»، ويتكون من ما يصل إلى 37 ألف وكيل من وكلاء الذكاء الاصطناعي صُمموا لمحاكاة الأقسام المختلفة الموجودة في شركة حقيقية لتطوير الأدوية. وفي بحث نُشر في مجلة Science، تمكن النظام من تحديد أنواع أهداف الأدوية التي يُرجح أن تنجح في التجارب السريرية، بل واقترح علاجًا لسرطان الرئة توصلت إليه لاحقًا شركة دوائية كبرى أيضًا.
وقال جيمس زو، الباحث الرئيسي في الدراسة: «كانت فكرتنا هي أن نرى إلى أي مدى يمكننا دفع هذا الأمر. هل يمكننا إنشاء شركة للتقنيات الحيوية تتولى كل شيء، بدءًا من البحث عن أهداف دوائية ووصولًا إلى تصميم التجارب السريرية؟»
ويضم النظام الجديد مديرًا علميًا رئيسيًا افتراضيًا، يتلقى استفسارًا من مستخدم بشري، ثم يفوض المهام إلى جيش من الوكلاء المتخصصين الذين يعملون على حل المشكلة.
ويمتلك هؤلاء الوكلاء قواعد بيانات وأدوات خاصة بهم، وينقسمون إلى أربعة أقسام متخصصة في العثور على الأهداف الدوائية والتحقق من صلاحيتها، وتقييم مخاطر السلامة، وتحديد الطريقة التي ينبغي إيصال الدواء بها إلى الجسم، ومراجعة بيانات التجارب السريرية الموجودة. كما يتمتع النظام بإمكانية الوصول المدمجة إلى قاعدة بيانات Open Targets، وهي مستودع عام ضخم لبيانات التجارب السريرية.
ولاختبار النظام، زود الباحثون النظام بدراسة موجودة تُظهر أن الأدلة الجينية يمكن أن تساعد في التنبؤ بالأدوية التي ستنجح في التجارب السريرية، وطلبوا منه تحديد كيفية البناء على هذا البحث. وقرر المدير العلمي الرئيسي الافتراضي أن الخطوة الأولى يجب أن تكون تحسين جودة البيانات التي يمكن للنظام الوصول إليها، لأن العديد من التجارب الموجودة في قاعدة بيانات Open Targets لا تسجل بوضوح ما إذا كان الدواء قد نجح بالفعل في تحقيق النتيجة المطلوبة.
ولهذا السبب، طلب من وكلاء الباحثين التابعين له التعمق في نتائج 37,075 تجربة فردية من المرحلتين الثانية والثالثة، مع تخصيص وكيل واحد لكل تجربة. وبحث الوكلاء في سجلات التجارب، والأبحاث المنشورة، والبيانات الصحفية للعثور على النتائج. وتمكنوا من إنجاز هذه المهمة في نحو ست ساعات، وهي مدة لا تمثل سوى جزء ضئيل من الوقت الذي كان سيحتاج إليه فريق من الباحثين البشر لإنجاز المهمة نفسها.
وطلب المدير العلمي الرئيسي الافتراضي من وكيل آخر البحث عن جينات واعدة، من خلال فحص قاعدة بيانات عامة للأنسجة البشرية تُظهر الجينات النشطة في أنواع الخلايا المختلفة. وابتكر الوكيل نظامًا للتقييم يتكون من جزأين. قاس الجزء الأول ما إذا كان الجين نشطًا في نوع واحد فقط من الخلايا أم في أنواع متعددة من الخلايا، ثم قيّم الجزء الثاني ما إذا كان نشاط الجين يتم التحكم فيه بطريقة تشبه مفتاح التشغيل والإيقاف، أم أنه يمكن رفعه وخفضه تدريجيًا مثل مفتاح التحكم في شدة الإضاءة.
وعندما قارن الباحثون هذه الدرجات ببيانات نتائج التجارب السريرية بعد تحديثها، ظهر نمط واضح. فقد كانت الأدوية التي تستهدف جينات تشبه المفاتيح ولا توجد إلا في عدد محدود من أنواع الخلايا أكثر احتمالًا بنسبة 48% للوصول في نهاية المطاف إلى السوق، وأكثر احتمالًا بنسبة 40% للانتقال من تجارب المرحلة الأولى إلى تجارب المرحلة الثانية، كما سجلت آثارًا جانبية سلبية أقل بنسبة 32% مقارنة بالأدوية التي تستهدف جينات نشطة على نطاق أوسع.
بعد ذلك، دفع الباحثون النظام إلى مرحلة أبعد، وطلبوا منه تقييم بروتين يُعرف باسم B7-H3 يرتبط بسرطان الرئة. واكتشف الوكلاء أن هذا البروتين يوجد بشكل خاص في خلايا النسيج الضام المعروفة باسم الخلايا الليفية، والتي توجد غالبًا بالقرب من الخلايا السرطانية.
ثم اكتشف الوكلاء أدلة تشير إلى أن هذه الخلايا تعمل على تثبيط نشاط الخلايا المناعية الموجودة بالقرب منها، مما يمنع الجسم من اكتشاف الأورام والاستجابة لها. واقترح النظام علاجًا يعتمد على وسم الخلايا التي تُعبّر عن B7-H3 باستخدام جسم مضاد، بهدف المساعدة على توجيه دواء كيميائي سام إليها.
وتوصلت شركة التقنيات الحيوية الافتراضية إلى هذا الحل اعتمادًا فقط على البيانات التي كانت متاحة قبل يناير 2025. لكن في أغسطس من العام نفسه، توصلت شركة دوائية كبرى إلى الاستراتيجية نفسها بشكل مستقل، عندما حصل علاجها الموجه إلى B7-H3، إيفيناتاماب ديروكستيكان، على تصنيف «علاج اختراقي» من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.
وقال زو: «كان هذا أمرًا مثيرًا للغاية باعتباره تحققًا مستقلًا من طرف ثالث، ومتسقًا مع التأثيرات والتصميم اللذين اقترحتهما شركة التقنيات الحيوية الافتراضية».
ومع ذلك، فإن ابتكار أهداف دوائية لا يمثل سوى خطوة واحدة ضمن عملية طويلة ومكلفة لاكتشاف الأدوية. وبينما يمكن لتحسين عملية اختيار الأدوية المرشحة أن يمنع شركات الأدوية من إهدار جهودها في بعض المسارات التي يُرجح فشلها بوضوح، فإنه لا يستطيع تسريع الاختبارات المخبرية الدقيقة والتجارب السريرية الصارمة المطلوبة حتى يصل الدواء إلى السوق.
ومع ذلك، ونظرًا إلى السجل المتعثر لقطاع الأدوية في تحويل الاكتشافات العلمية الواعدة إلى منتجات مكتملة، فإن وجود جيش من علماء الذكاء الاصطناعي القادرين على تسريع جزء بالغ الأهمية من سلسلة اكتشاف الأدوية بصورة كبيرة، قد يكون بالضبط ما يحتاج إليه هذا القطاع.
