القائمة الرئيسية

كيف نعيد التوازن إلى اقتصاد البيانات الصحية لتحقيق قيمة مشتركة؟

كيف نعيد التوازن إلى اقتصاد البيانات الصحية لتحقيق قيمة مشتركة؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيفية إعادة التوازن إلى اقتصاد البيانات الصحية بحيث لا تتركز القيمة لدى الشركات والجهات التي تستفيد منها في المراحل اللاحقة، بل تعود أيضاً إلى المرضى والمستشفيات والدول التي أسهمت في إنتاجها. وتسلط الضوء على أهمية الانتقال من تسعير البيانات مقدماً إلى تقاسم القيمة بناءً على النتائج الفعلية التي تحققها، مع تعزيز الثقة وسيادة البيانات والشفافية لضمان نظام صحي رقمي أكثر عدلاً واستدامة.

  • تعاني البيانات الصحية من اختلال هيكلي في توزيع القيمة، إذ يتحمل الأشخاص والجهات التي تنتج البيانات وتشرف عليها جزءاً كبيراً من التكلفة، بينما تتحقق العوائد في كثير من الأحيان لاحقاً وفي مراحل أخرى من سلسلة القيمة.
  • تتطلب إعادة التوازن إلى النظام الانتقال من تسعير قائم على المدخلات إلى تقاسم للقيمة قائم على النتائج، بحيث ترتبط العوائد بالأثر الذي تتيحه البيانات، مع تخصيص هذه العوائد لدعم القدرات التي أسهمت في إنتاجها.
  • يتطلب بناء اقتصاد عادل للبيانات الصحية أن تتدفق القيمة إلى المرضى والأنظمة الصحية والدول، مما يجعل الثقة والسيادة والشفافية في تقاسم المنافع عناصر أساسية لتحقيق ابتكار مستدام.

غالباً ما توصف البيانات بأنها «النفط الجديد». وكما هو الحال مع النفط الخام، لا تظهر نسبة كبيرة من قيمتها إلا بعد معالجتها وصقلها. غير أن تشبيه البيانات بالنفط يحمل في طياته مفهوماً استخراجياً يقوم على التنقيب والشراء والاستهلاك بصورة خطية ولمرة واحدة.

أما البيانات الصحية فتختلف عن ذلك، إذ يمكن إعادة استخدامها وإثراؤها ودمجها بطرق متعددة من دون أن تُستهلك، وفي الوقت نفسه يمكنها أن تولّد منافع مشتركة.

وقد طرح صحفي البيانات ديفيد ماكاندلس قبل أكثر من عقد تشبيهاً مختلفاً، مفاده أن البيانات ليست النفط الجديد، بل «التربة الجديدة».

ومع ذلك، لا تزال مساحات واسعة من هذه الإمكانات غير مستثمرة. فقد توصلت مراجعة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2025 إلى أن الأطر المجزأة التي تحكم استخدام البيانات الصحية يمكن أن تعيق الاستفادة من الاستخدام الثانوي للبيانات، حتى في ظل التقدم الكبير في مجالي البيانات والتكنولوجيا وما يتيحه من فرص هائلة.

وقد تحولت هذه القيمة غير المستغلة إلى مشكلة هيكلية. ففي لحظة جمع البيانات، غالباً ما تكون القيمة الاقتصادية لمجموعة البيانات غير محددة، ولا تصبح واضحة إلا في مراحل لاحقة عندما تصل البيانات إلى الجهة التي تحولها إلى دواء أو جهاز أو خوارزمية. وبحلول ذلك الوقت، تكون المعاملة التي نظمت الوصول إلى البيانات قد انتهت بالفعل.

إن تسعير البيانات مقدماً، بدلاً من ربط قيمتها بالنتائج التي تحققها، يفصل بين المساهمة والمكافأة، ويضعف الحوافز للاستثمار في جودة البيانات والإشراف عليها وإعادة استخدامها.

1. إعادة صياغة قيمة البيانات الصحية على أساس النتائج

ما لا يتم تسعيره في الواقع ليس البيانات نفسها، وإنما الوقت الذي يُبذل في توثيقها، وجودة الترميز، والربط الطولي للبيانات عبر الزمن، وحوكمة المعلومات. ومعظم هذه المساهمات تُموّل من ميزانيات تقديم الرعاية الصحية، لكنها لا تنعكس في الرسوم المفروضة عند نقل البيانات.

تُكتب الملاحظات السريرية أساساً لعلاج المريض وإعداد الفواتير، وليس للإجابة عن سؤال بحثي بعد خمس سنوات. وردم هذه الفجوة، من خلال ترميز متسق ومتابعة كاملة ومعرّفات قابلة للربط، يتطلب عملاً إضافياً لا يحصل عادة على تمويل مستقل.

ويتطلب بناء اقتصاد قوي للبيانات الصحية تقاسم القيمة على أساس النتائج، بحيث ترتبط العوائد بالمنافع التي تتيحها البيانات. ولم يظهر حتى الآن نموذج شامل يحقق ذلك بصورة كاملة، إلا أن عدداً من الأساليب يوضح كيف يمكن تطبيق عناصر هذا المبدأ عملياً:

  • الشراكات القائمة على النتائج والوصول متعدد المستويات. تستخدم قاعدة البيانات الوطنية لأبحاث حديثي الولادة في إمبريال كوليدج لندن، على سبيل المثال، إطاراً تجارياً لتقاسم القيمة، يمكن من خلاله أن تتخذ القيمة شكل دفعات مقدمة أو اشتراكات أو دفعات مرتبطة بمراحل محددة أو عوائد مالية، بحسب طبيعة المشروع.
  • صناديق البيانات والتعاونيات التي تشرف على البيانات ضمن حوكمة مشتركة. تقدم تعاونية MIDATA في سويسرا مثالاً على الحوكمة التعاونية ومنح الأفراد سيطرة على بياناتهم، في حين طورت تعاونية Salus Coop في إسبانيا ترخيصاً يقوم على مفهوم «العائد الشخصي» للاستخدامات التي تولد عوائد اقتصادية.
  • العوائد غير المالية. يمكن أن تشمل القيمة العادلة، على سبيل المثال، إتاحة النماذج والأدوات الناتجة عن استخدام البيانات، إلى جانب تعزيز القدرات البحثية، وهو ما تعترف به هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة في إرشاداتها المتعلقة بشراكات البيانات.

ومبدأ التصميم في جميع هذه الحالات واحد: ربط العوائد بالنتائج، بدلاً من تسويتها في صفقة واحدة مقدماً، مع تخصيص تلك العوائد للجهات التي ساهمت في إنتاج البيانات.

ويساعد ذلك على تجنب امتصاص التكاليف ضمن عجز مالي غير معالج، كما يمكن أن يمكّن جامعة، على سبيل المثال، من إجراء الأبحاث بتكلفة أقل. فإذا لم تحقق مجموعة البيانات أي عائد تجاري، فلن يكون هناك عائد لتقاسمه، أما إذا حققت عوائد، فإن المساهمين في إنتاجها يستفيدون من القيمة التي تم إنشاؤها.

2. إدراك أن مشكلة الوصول إلى البيانات في طريقها إلى الحل، بينما مشكلة القيمة لا تزال قائمة

تتطور آليات الوصول إلى البيانات بوتيرة متقدمة. ففي فنلندا، تمثل هيئة Findata إحدى أكثر السلطات الوطنية تطوراً في هذا المجال، حيث تصدر التصاريح الخاصة بالاستخدام الثانوي للبيانات وتدير بيئة آمنة لمعالجتها.

إلا أن الرسوم التي تحصل عليها تغطي التكاليف التشغيلية فقط، ولا يوجد ما يربط ما يحصل عليه مالك البيانات بالقيمة التي تنتجها البيانات في نهاية المطاف.

وفي الحالات التي جرت فيها محاولات لتقاسم القيمة، كانت الأدوات المستخدمة محدودة وغير دقيقة نسبياً. فقد حصلت بعض هيئات الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة على حصص ملكية في شركة الذكاء الاصطناعي السريري Sensyne Health مقابل منحها إمكانية الوصول إلى بيانات مرضى مجهولة الهوية. لكن قيمة حصة مستشفى تشيلسي وويستمنستر انخفضت من 5.77 ملايين جنيه إسترليني إلى 387 ألف جنيه إسترليني خلال 12 شهراً.

وتعتمد العوائد المرتبطة بالأسهم على أداء الشركة، وليس على قيمة البيانات نفسها. وحتى في الحالات التي يمكن فيها تسجيل استخدام البيانات ومراجعته وتدقيقه، تظل النتائج النهائية التي نتجت عن ذلك الاستخدام غير واضحة.

وقد دخلت لائحة فضاء البيانات الصحية الأوروبي حيز التنفيذ في مارس 2025، موفرة أول إطار واسع النطاق يمكن من خلاله اختبار هذه القضايا: كيف يمكن التوفيق بين نموذج استرداد التكاليف وتقاسم القيمة القائم على النتائج، وما إذا كان تصنيف جودة البيانات وفائدتها يمكن أن يساعد مستقبلاً في تطوير أساليب لتعويض المساهمين بحسب القيمة التي يولدونها.

3. يجب أن تتداول القيمة ولا تتركز في جهة واحدة

إن المستشفى الذي ينتج البيانات من دون أن يشارك في القيمة التي تسهم تلك البيانات في خلقها يوجد، من الناحية الهيكلية، في الوضع نفسه الذي يوجد فيه نظام صحي وطني يمنح تراخيص الوصول إلى بياناته مقابل دفعة واحدة فقط.

وفي كلتا الحالتين، يكون الهيكل القائم استخراجياً، إذ يتم تحويل القيمة بعيداً عن مصدرها بدلاً من إعادة تدويرها داخل النظام.

ولا يؤدي نقص التمويل بالضرورة إلى توقف مشاركة البيانات، بل إلى تراجع جودة البيانات التي تتم مشاركتها. فقد تأتي البيانات بترميز أقل تفصيلاً، وفترات متابعة أقصر، وروابط أضعف بين السجلات المختلفة، في حين أن الخوارزميات عالية الأداء تعتمد تحديداً على مجموعات بيانات كاملة وطويلة الأمد وقابلة للربط.

والنتيجة هي أن الفئات السكانية التي كانت تتمتع أصلاً بأفضل مستويات الرعاية تحصل أيضاً على أفضل الخوارزميات.

وبالمثل، تحد أوجه التفاوت في الموارد من قدرة بعض الأنظمة الصحية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل على الإشراف على بياناتها الصحية والاستفادة من القيمة الناتجة عنها، مما يزيد من مخاطر الدخول في ترتيبات استخراجية مع شركاء يتمتعون بموارد أكبر.

وغالباً ما يتم التعامل مع ضعف تمثيل بعض الفئات في البيانات الصحية على أنه مشكلة مرتبطة بعلم البيانات، إلا أن جزءاً كبيراً منها هو في الواقع مشكلة في الميزانيات والموارد.

وقد يعيد هذا النمط إنتاج بعض سمات عمليات استخراج الموارد التي عرفها التاريخ: تُجمع البيانات في مكان معين، ثم تُعالج وتُطوّر في مكان آخر، وبعد ذلك تُباع المنتجات الناتجة مجدداً إلى السكان الذين قدموا المادة الخام، أو قد لا تصل إليهم هذه المنتجات أساساً.

«البيانات الصحية ليست سلعة يمكن استخراجها.»

إن حق الدولة في تنظيم عملية جمع البيانات الصحية لسكانها وتخزينها واستخدامها، وهو المبدأ الذي يجري تقنينه بصورة متزايدة تحت مفهوم سيادة البيانات، يخضع اليوم لاختبارات عملية متنامية.

وخلال جلسة المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية في فبراير 2026، دعا بعض الدول الأعضاء إلى تعزيز الملكية والسيطرة الوطنية على البيانات الصحية، بما في ذلك تقليل الاعتماد على عمليات جمع البيانات الممولة من جهات خارجية.

ويمكن ملاحظة أهمية هذا النهج في رواندا، حيث أدى تطوير أداة ذكاء اصطناعي باللغة الكينيارواندية ومكيفة مع البيئة المحلية لاستخدام العاملين الصحيين المجتمعيين إلى رفع مستوى الدقة من 8% إلى 71%.

ولا تقل مشاركة المرضى أهمية عن ذلك، لكنها لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل وجود الثقة وفهم واضح للمنافع. ومن دون ذلك، قد يختار المرضى عدم الموافقة على مشاركة بياناتهم أو السماح باستخدامها لأغراض ثانوية، وهو ما قد يقلل من اكتمال مجموعات البيانات ومدى تمثيلها للسكان.

ويمكن لنفس آليات الربط باستخدام بيانات ذات هوية مستعارة، التي تجعل الاستخدام الثانوي ممكناً، أن تسجل أيضاً المساهمات التي كانت وراء نتيجة معينة من دون الكشف مجدداً عن هوية أي شخص.

وقد لا يكون ما يستحقه المريض مقابلاً مالياً بالضرورة، ولكن ينبغي على الأقل أن يحصل على توضيح لما ساهمت بياناته في تحقيقه.

البيانات الصحية ليست سلعة يمكن استخراجها. بل هي تربة الأنظمة الصحية في القرن الحادي والعشرين، إذ تنمو قيمتها كلما جرى استثمارها والعناية بها، وينبغي أن تعود منافعها إلى مختلف عناصر المنظومة التي تحافظ عليها.

ويُعد بناء اقتصاد للبيانات يكون عادلاً للمستشفى والمريض والدولة التي أنتجت البيانات، وكذلك للشركات التي تستثمر في تحويلها إلى أدوية وتقنيات، أحد أبرز تحديات الحوكمة التي تواجه قطاع الصحة الرقمية.

فالتقنيات أصبحت متاحة بالفعل، ويبقى السؤال الأساسي: هل ستتطور القواعد التي تحكم استخدامها بالسرعة نفسها؟

المصدر

مقالات ذات صلة