تمت الموافقة على التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة قبل أكثر من عقد، وهو علاج فعال بدرجة متوسطة. وقد يؤدي تخصيص العلاج بما يتناسب مع أدمغة الأفراد إلى تحسين نتائجه.
في منتصف سبعينيات القرن الماضي، أراد باحث بريطاني يدعى أنتوني باركر قياس السرعة التي تنتقل بها الإشارات الكهربائية عبر الأعصاب الطويلة والرفيعة التي تنقل الإشارات من الدماغ إلى العضلات، مثل عضلات اليد، لتحفيز الحركة. ولإجراء ذلك، كان بحاجة إلى وسيلة لتحفيز الأعصاب لدى البشر.
كان الباحثون قد استخدموا بالفعل أقطابًا كهربائية توضع على الجلد لتوليد مجال مغناطيسي يخترق أنسجة جسم الإنسان، وهو ما ينتج تيارًا كهربائيًا ينشط الأعصاب الطرفية في الأطراف. لكن هذه التقنية كانت مؤلمة وتتسبب في حرق الجلد. ولذلك بدأ باركر، الذي كان يعمل في جامعة شيفيلد في إنجلترا، وزملاؤه في تطوير طريقة أفضل.
وفي عام 1985، وبعد أن حققوا نتائج واعدة، جربوا وضع الجهاز المغناطيسي الذي طوروه، وكان على شكل ملف، فوق رؤوس المشاركين. وأطلق الملف نبضات مغناطيسية متناوبة بسرعة فوق منطقة الدماغ المسؤولة عن التحكم في الحركة، ما أدى إلى توليد تيارات كهربائية ضعيفة في أنسجة الدماغ وتنشيط الخلايا العصبية التي تتحكم في عضلات اليد. وبعد نحو 20 مللي ثانية، ارتعشت أصابع المشاركين.
أثبتت هذه التقنية، التي تعرف الآن باسم «التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة»، أنها أداة مهمة لدراسة كيفية عمل الدماغ البشري. وعندما يُوجَّه التحفيز إلى مناطق محددة من الدماغ، يستطيع التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة تثبيط وظائف مختلفة مؤقتًا أو تعزيزها، مثل تعطيل القدرة على الكلام، أو تسهيل حفظ سلسلة من الأرقام. وعندما ظهرت تقنيات تصوير الدماغ مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي في تسعينيات القرن الماضي، أصبح بإمكان الباحثين «رؤية» ما يحدث داخل أدمغة الأشخاص أثناء خضوعهم للتحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة. كما أصبح بإمكانهم ملاحظة اختلاف استجابة المسارات العصبية للتحفيز لدى الأشخاص المصابين باضطرابات نفسية مثل الفصام والاكتئاب.
وخلال العقود الأخيرة، أسفرت هذه الأبحاث الأساسية عن علاجات جديدة تعمل على تغيير نشاط الدماغ، وكان علاج الاكتئاب بالتحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة في مقدمة هذه العلاجات. ففي عام 2008، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على جهاز «نيوروستار»، وهو أول جهاز للتحفيز المغناطيسي لعلاج الاكتئاب في الولايات المتحدة، ومنذ ذلك الحين أجازت دول أخرى كثيرة استخدام هذا النهج.
ومع ذلك، وعلى الرغم من أن التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة أصبح علاجًا متاحًا على نطاق واسع للاكتئاب، لا تزال هناك أسئلة كثيرة حول هذه الطريقة. فعلى سبيل المثال، ليس واضحًا إلى متى يمكن أن تستمر فوائد العلاج، أو لماذا يبدو أنه ينجح مع بعض الأشخاص المصابين بالاكتئاب دون غيرهم. وهناك تحدٍ آخر يتمثل في الفصل بين تأثيرات التحفيز المغناطيسي وتأثير الدواء الوهمي، أي عندما يعتقد الشخص أنه سيستفيد من العلاج فيتحسن بالفعل رغم أنه تلقى نوعًا وهميًا من التحفيز.
يقول ديفيد بيتشر، عالم الأعصاب المعرفي في جامعة يورك، الذي كتب مراجعة عام 2021 في مجلة «Annual Review of Psychology» حول استخدام التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة لدراسة الإدراك البشري: «هل يمكن للتحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة أن يعالج الاكتئاب؟ هذا سؤال لا تزال إجابته مفتوحة، فهناك أدلة تؤيد ذلك وأخرى تعارضه».
لكن مع مواصلة الباحثين تحسين هذه التقنية وإجراء تجارب سريرية أكثر تطورًا، يبرز التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة بوصفه أداة قوية لفهم تعقيدات الاكتئاب، وبالنسبة إلى بعض الأشخاص، لتخفيف قبضته عليهم.
من الأسماك الكهربائية إلى المغناطيس
قد يكون التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة تقنية حديثة نسبيًا، لكن استخدام الكهرباء كوسيلة علاجية يعود إلى عصور قديمة. ففي وقت مبكر يعود إلى القرن الأول الميلادي، أوصى أطباء رومانيون باستخدام سمك الطوربيد الكهربائي الحي لعلاج الصداع. وبعد نحو ألفي عام، اكتشف الأطباء في ثلاثينيات القرن العشرين أن إحداث نوبات صرعية في الدماغ باستخدام الكهرباء يمكن أن يقلل أعراض الفصام وغيره من أشكال المرض النفسي.
وكانت تلك بداية «العلاج بالصدمات الكهربائية»، الذي كان يُعرف بصورة سلبية باسم «العلاج بالصدمة». وانتشرت هذه الممارسة بسرعة على الرغم من مخاطر فقدان الذاكرة والارتباك والإصابات الناتجة عن تشنجات العضلات. كما أثار إعطاء العلاج بالصدمات الكهربائية دون إبلاغ المرضى بشكل كامل بطبيعة العلاج ومخاطره مخاوف أخلاقية، وهي قضية كان الطب عمومًا يواجهها بجدية في ذلك الوقت.
وفي نهاية المطاف، أدى استخدام مرخيات العضلات والتخدير وبروتوكولات أكثر صرامة للحصول على موافقة المرضى إلى تحسين العلاج بالصدمات الكهربائية، رغم استمرار الإبلاغ عن آثار جانبية مثل الصداع وفقدان الذاكرة قصيرة المدى بصورة مؤقتة.
ولا يزال العلاج بالصدمات الكهربائية واحدًا من أكثر العلاجات فاعلية للأشخاص الذين لا يستجيبون للعلاجات الأولية المضادة للاكتئاب، مثل مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية، وهي مجموعة من الأدوية تضم زولوفت وبروزاك.
لكن كلًا من هذه الأدوية والعلاج بالصدمات الكهربائية يصعب التحكم في تأثيراتهما بدقة، لأنهما يؤثران في الدماغ بأكمله. أما النهج الأكثر استهدافًا فهو التحفيز العميق للدماغ، الذي يتضمن تنشيط الخلايا العصبية مباشرة بواسطة أقطاب كهربائية تُزرع جراحيًا في مناطق معروفة بتأثيرها في المزاج والدافعية. وقد أظهر التحفيز العميق للدماغ نتائج واعدة في دراسات أولية، وحصل على الموافقة للاستخدام البحثي في عام 2022، لكنه لم يحصل بعد على الموافقة السريرية.
وعلى النقيض من ذلك، لا يتطلب التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة إجراء عملية جراحية، وله آثار جانبية أقل من العلاج بالصدمات الكهربائية، بحسب ألفارو باسكوال ليوني، طبيب الأعصاب في كلية الطب بجامعة هارفارد. ورغم أن استهداف منطقة محددة من الدماغ باستخدامه ليس سهلًا بالقدر نفسه الذي يتيحه التحفيز العميق للدماغ، فإنه أكثر دقة بكثير من الأدوية المضادة للاكتئاب أو العلاج بالصدمات الكهربائية.
بدأ باسكوال ليوني دراسة التحفيز المغناطيسي لعلاج اضطراب الاكتئاب الشديد في أوائل تسعينيات القرن الماضي. وقد أثار اهتمامه بسبب إمكانية تركيز التحفيز بطريقة غير جراحية، إضافة إلى آثاره الجانبية القليلة نسبيًا والمحدودة في العادة، والتي تشمل الشعور بعدم الراحة في فروة الرأس، والوخز، والتشنجات، والدوخة، وفي حالات نادرة، نوبات الصرع وفقدان السمع.
وعلى الرغم من أن آليات عمل التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة ليست مفهومة بالكامل، فإنه يبدو أنه يعمل من خلال إعادة تنظيم الدوائر العصبية، وإعادة إطلاق أنماط أكثر طبيعية من التواصل بين مناطق الدماغ المختلفة، بحسب نوح إس. فيليب، الطبيب النفسي في جامعة براون، الذي يدرس استخدام التحفيز المغناطيسي لعلاج الاكتئاب.
أظهرت دراسات التصوير العصبي أن الأشخاص المصابين بالاكتئاب غالبًا ما يكون لديهم، أثناء الراحة، انخفاض في مستوى النشاط في منطقة من الدماغ تسمى «القشرة الجبهية الأمامية الظهرية الجانبية» مقارنة بالأشخاص غير المصابين بالاكتئاب. ويقول فيليب إن هذه المنطقة تمثل موقعًا رئيسيًا للعلاج بالتحفيز المغناطيسي.
وتشارك هذه المنطقة في الذاكرة قصيرة المدى والتخطيط والاستدلال المجرد، كما ترتبط بعدة دوائر دماغية متورطة في الاكتئاب، منها شبكة البروز التي تساعد على تركيز الانتباه على بعض الأمور وتجاهل أمور أخرى، وشبكة الوضع الافتراضي التي تنشط عندما لا يكون الشخص منشغلًا بمهمة محددة، والشبكة التنفيذية التي تؤدي دورًا أساسيًا في التخطيط واتخاذ القرارات والتحكم في الاندفاعات.
وتدعم هذه الدوائر مجتمعة قدرتنا على التركيز على المعلومات المهمة وتحويل انتباهنا بين التفكير الموجه نحو الذات والبيئة المحيطة بنا.
ويعتقد العلماء أن اضطراب التواصل بين هذه الشبكات يمكن أن يؤدي إلى الاجترار الفكري المستمر، وانتقاد الذات، والميل إلى التركيز المفرط على الجوانب السلبية في الحياة، وهي أمور يعاني منها الأشخاص المصابون بالاكتئاب في كثير من الأحيان.
وباستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لقياس الطريقة التي تتواصل بها العقد الموجودة في هذه الشبكات قبل التحفيز المغناطيسي وبعده، وجد فيليب وباحثون آخرون أن جلسات متعددة من التحفيز المغناطيسي يمكن أن تعيد النشاط إلى أنماط أكثر طبيعية. ويقول إن هذا التغير يمكن أن يستمر لأكثر من عام، وربما يمكن الحفاظ عليه لفترة أطول من خلال علاجات إضافية بالتحفيز المغناطيسي.
ويرجح فيليب أن التأثيرات المستمرة للتحفيز المغناطيسي ترجع إلى إعادة تشكيل الروابط العصبية نتيجة تغيرات مجهرية في خلايا الدماغ. فقد أظهرت الدراسات أن التحفيز المغناطيسي يمكن أن يحفز الخلايا العصبية على إنماء زوائد شجرية جديدة، وهي امتدادات متفرعة تستقبل الإشارات من الخلايا العصبية الأخرى.
وجدت تجربة سريرية مبكرة أن الأشخاص المصابين باكتئاب شديد والذين تلقوا التحفيز المغناطيسي يوميًا لعدة أسابيع كانوا أكثر عرضة للدخول في حالة هدوء للأعراض بما يصل إلى أربعة أضعاف مقارنة بالمشاركين في المجموعات الضابطة، الذين ارتدوا جهاز التحفيز المغناطيسي لكنهم لم يتلقوا التحفيز الفعلي.
وفي دراسات لاحقة لم تتضمن مجموعات ضابطة، أي أن المرضى والأطباء كانوا يعرفون أن التحفيز المغناطيسي يُعطى بالفعل، دخل ما بين 30 و40 بالمئة من المرضى الذين لم يتحسنوا باستخدام الأدوية في حالة هدوء للأعراض، وهي حالة تُحدد من خلال الحصول على درجة منخفضة في مقياس معياري مثل مقياس هاملتون للاكتئاب.
وهذه النسبة تقارب عدد الأشخاص الذين يستجيبون بصورة جيدة للأدوية المضادة للاكتئاب، وفقًا لمراجعة نشرت عام 2013 في مجلة «Current Opinion in Psychiatry».
ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة كثيرة، من بينها ما إذا كان بالإمكان الحصول على نتائج أفضل من خلال استهداف مناطق محددة لدى كل مريض على حدة.
يقول باسكوال ليوني: «يعاني بعض الأشخاص المصابين بالاكتئاب من الحزن، بينما يعاني آخرون بدرجة أكبر من انعدام الدافعية أو اللامبالاة. بعض الأشخاص يأكلون كثيرًا، بينما يأكل آخرون قليلًا جدًا». ويضيف أن التحفيز المغناطيسي، على عكس العلاجات العامة، يمتلك إمكانية تسمح بهذا النوع من الاستهداف.
تحفيز الدماغ المصمم خصيصًا
في كثير من العيادات والمختبرات البحثية، تكون عملية تحديد مكان وضع ملفات التحفيز المغناطيسي على رأس الشخص بسيطة نسبيًا.
وتعود الطريقة التي أجازتها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية إلى تجارب باركر الأصلية. إذ يمد المشارك إبهامه إلى الأمام كما لو كان يشير إلى أنه يريد توصيلة، ثم يحرك الفنيون الملف المغناطيسي فوق فروة رأسه حتى يصل التحفيز الكهربائي إلى جزء من القشرة الحركية يجعل إبهامه يرتعش بصورة لا إرادية.
وبالاستعانة بهذا الموضع باعتباره نقطة مرجعية، يحرك الفنيون الملف إلى موضع يستهدف القشرة الجبهية الأمامية الظهرية الجانبية اليسرى.
وتتمتع هذه الطريقة بفاعلية متوسطة، لكن كثيرًا من الباحثين يرون أنها لا تأخذ في الاعتبار الاختلافات الكبيرة بين الأشخاص في بنية الدماغ.
ولهذا يستخدم العلماء بصورة متزايدة التصوير بالرنين المغناطيسي وتقنيات تصوير الدماغ الأخرى لتخصيص التحفيز المغناطيسي بما يتناسب مع البنية الفريدة لدماغ كل شخص، ومراقبة تأثيره في أنماط نشاطه العصبي.
يقول بيتشر من جامعة يورك: «من التطورات المثيرة خلال السنوات العشر الأخيرة في مجال التحفيز المغناطيسي استخدامه مع المرضى، ثم تصوير أدمغتهم عصبيًا لرؤية التغيرات التي تحدث في الاتصال بين القشرة الجبهية الأمامية الظهرية الجانبية والمناطق التي نعرف أنها مرتبطة بها».
ويعمل فريق من الباحثين في جامعة ستانفورد، بقيادة الطبيب النفسي نولان ويليامز، مدير مختبر ستانفورد لتحفيز الدماغ، على تطوير هذا النهج المدمج.
وفي دراسة صغيرة أجريت عام 2021، استخدم الفريق صور الرنين المغناطيسي الوظيفي، التي تقيس التغيرات في تدفق الدم المرتبطة بنشاط الدماغ، لتحديد منطقة فرعية صغيرة داخل القشرة الجبهية الأمامية الظهرية الجانبية لدى كل مريض.
ويظهر نشاط هذه المنطقة الفرعية علاقة عكسية مع نشاط منطقة أخرى من الدماغ تسمى «الحزامية تحت الركبة». فعند الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب، يزداد نشاط الحزامية تحت الركبة، بينما ينخفض نشاط المنطقة الفرعية في القشرة الجبهية الأمامية الظهرية الجانبية.
وعلى العكس، كلما زاد نشاط العقدة الموجودة في القشرة الجبهية الأمامية الظهرية الجانبية، انخفض نشاط الحزامية تحت الركبة.
ويبدو أن الحزامية تحت الركبة تؤثر بدورها في شبكة الوضع الافتراضي، وتعمل على تثبيت الأشخاص داخل أنماط سلبية من الاجترار والتفكير المتكرر في الذات.
وفي دراسة ستانفورد، استهدف ويليامز وزملاؤه المنطقة الفرعية من القشرة الجبهية الأمامية الظهرية الجانبية لدى 29 شخصًا يعانون ما يعرف باسم «الاكتئاب المقاوم للعلاج». وقد حصل هؤلاء الأشخاص على تصنيف «متوسط إلى شديد» في تقييم معياري يأخذ في الاعتبار استجابتهم لعلاجات الاكتئاب السابقة ومدة أعراضهم وشدتها.
وخضعت المجموعة لنظام علاجي تجريبي سريع، تضمن أكثر من جلسة تحفيز مغناطيسي واحدة يوميًا.
وللتحكم في احتمال وجود تأثير للدواء الوهمي، جرى توزيع بعض أفراد المجموعة عشوائيًا لتلقي تحفيز وهمي، كان يصدر أصواتًا ويعطي إحساسًا مشابهًا للتحفيز المغناطيسي، لكنه لم يرسل النبضات الكهرومغناطيسية الفعلية.
وبعد خمسة أيام من العلاج، دخل 79 بالمئة من المشاركين الذين تلقوا التحفيز المغناطيسي المركز في حالة هدوء للأعراض، مقارنة بـ13 بالمئة من أفراد المجموعة الضابطة.
كما لاحظ الفريق أن تحفيز المنطقة من القشرة الجبهية الأمامية الظهرية الجانبية التي ترتبط بأقوى اتصال مع الحزامية تحت الركبة يؤدي إلى تطبيع الاتصالات ذات الصلة بين المناطق الثلاث.
ويقول ويليامز: «يمكنك رؤية ذلك عندما تفحص الأشخاص بعد العلاج».
وكان أحد المشاركين، تومي فان بروكلين، في أوائل الستينيات من عمره، وقد عانى من الاكتئاب لنحو 45 عامًا. وفي السنوات الأخيرة، توقف الدواء الذي كان يتناوله عن تحقيق نتائج معه.
جعلته فترة العلاج التي استمرت خمسة أيام يشعر وكأنه «شجرة ينقر عليها نقار الخشب»، وذلك بسبب أصوات الطرق التي يصدرها جهاز التحفيز المغناطيسي، كما يقول مازحًا.
لكن في اليوم الثالث، لاحظ تغيرًا في مزاجه، وقال: «بدا أن كل شيء بدأ يتحرك بطريقة ما، وكان ذلك جيدًا».
ويعتقد الباحثون أن هذا النهج الفردي في علاج الاكتئاب بالتحفيز المغناطيسي يمكن أن يمثل تدخلًا سريعًا وفعالًا للمرضى الذين يعانون من أفكار انتحارية.
وفي عام 2022، اجتازت طريقة ويليامز عقبة تنظيمية مهمة، عندما منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الإذن بتسويقها تجاريًا.
ويقول ويليام تي. ريغنولد، مدير وحدة بحثية تدرس تعديل نشاط الجهاز العصبي بوسائل غير جراحية في المعهد الوطني للصحة النفسية في الولايات المتحدة، إن رؤية معدلات مرتفعة إلى هذا الحد من هدوء الأعراض بعد خمسة أيام فقط من العلاج، وهو تدخل عملي جدًا، أمر مثير للاهتمام.
ويجري هو وزملاؤه حاليًا تجربة سريرية تبحث في التغيرات التي تحدث في نشاط الدماغ لدى المرضى المصابين باكتئاب شديد والذين يتلقون التحفيز المغناطيسي إلى جانب العلاج بالكلام.
ويقول: «الفكرة هي تحقيق تأثير تآزري بين العلاج النفسي والتحفيز المغناطيسي».
ويرى باسكوال ليوني أن نجاح دراسة ستانفورد في تعديل العلاج بما يتناسب مع تشريح دماغ كل شخص «يتوافق بدرجة كبيرة مع مفهوم الطب الدقيق، أي التدخلات التي تستهدف كل فرد على حدة».
لكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به.
ويتمثل أحد التحديات العاجلة في الفصل بين فوائد التحفيز وتأثير الدواء الوهمي، إذ تشير بعض الأبحاث إلى أن هذا التأثير يؤدي دورًا في التحسن الذي يختبره كثير من الأشخاص نتيجة التحفيز المغناطيسي.
وهذه المشكلة لا تقتصر على تحفيز الدماغ، بل هي شائعة في جميع علاجات الاكتئاب. فقد وجدت عدة تحليلات تجميعية لتأثير الدواء الوهمي في الأدوية المضادة للاكتئاب، على سبيل المثال، أن الأشخاص الذين يتلقون حبوبًا غير فعالة يشهدون تحسنًا يتراوح عادة بين 20 و40 بالمئة في أعراضهم، والتي تُقاس عادة باستخدام واحد من عدة استبيانات معيارية.
وبدأت مجموعات بحثية في تحقيق نتائج أكثر وضوحًا وإثارة للاهتمام باستخدام صور الدماغ لتوجيه التحفيز الفردي، كما فعل فريق ستانفورد.
لكنها ستحتاج إلى إجراء مزيد من الدراسات لتحديد ما إذا كان التحفيز المغناطيسي سيحقق نجاحًا مماثلًا لدى أعداد أكبر من السكان، وكذلك لدى فئات مثل المراهقين وكبار السن والأشخاص الذين يعانون حالات غالبًا ما تصاحب الاكتئاب، مثل القلق واضطراب ما بعد الصدمة.
وتجرب بعض المختبرات تصميمات مختلفة لأجهزة التحفيز المغناطيسي، من خلال مقارنة الملفات المغناطيسية التي تأخذ شكل الرقم ثمانية بالملفات التي تشبه أجنحة الفراشة، على سبيل المثال، كما تغير تردد التحفيز لمعرفة تأثير ذلك في نشاط الدماغ ونتائج العلاج.
ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة أساسية كثيرة حول التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة.
فعلى الرغم من أن العلماء يعرفون أنه يغير نمط إطلاق الخلايا العصبية المعتاد، فإننا «لا نفهم حقًا كيف يعمل التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة من الناحية الآلية» لتغيير حالات الدماغ مثل المزاج، بحسب بيتشر.
ويرجع أحد أسباب ذلك إلى أن الباحثين لا يستطيعون تسجيل النشاط من خلية عصبية واحدة لدى إنسان وإجراء التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة في الوقت نفسه، كما يقول.
وليس واضحًا لماذا يبدو أن ترددات معينة من التحفيز المغناطيسي ترفع مستوى النشاط في بعض مناطق الدماغ، بينما تخفضه في مناطق أخرى، أو كيف تؤثر الروابط العصبية الجديدة التي يحفزها العلاج في شبكات الدماغ المختلفة.
يقول باسكوال ليوني: «لحسن الحظ، يمكننا إجراء هذه الأبحاث، ودفع العلم إلى الأمام في الوقت الذي نساعد فيه الأشخاص الذين يعانون أمراضًا معيقة. إن وجودنا في هذا الوضع أمر مذهل».
