ربما طُلب منك في وقت ما، أثناء تسجيل الدخول إلى أحد المواقع، أن «تحدد جميع الصور التي تحتوي على إشارة مرور»، أو أن «تكتب الأحرف الظاهرة في الصورة» لإثبات أنك إنسان ولست برنامجًا آليًا. هذه الاختبارات، المعروفة باسم «ري كابتشا» (reCAPTCHA)، قد تدفعك أحيانًا إلى التردد والتدقيق في الصورة، مثل أن تتساءل: هل الجزء الصغير من إشارة المرور الظاهر في زاوية الصورة يُحتسب فعلًا؟
لكن وراء هذه الاختبارات فكرة أعمق. فقد ظلت القدرة على الرؤية وتمييز الأشياء إحدى الوسائل الواضحة التي يمكن من خلالها التفريق بين البشر والحواسيب. والآن بدأت الحواسيب تلحق بالبشر في هذا المجال بسرعة.
شهدت محاولات جعل الحواسيب «ترى» تقدمًا هائلًا خلال السنوات الأخيرة. فمنذ نحو 15 عامًا، كانت الحواسيب قادرة على تحديد محتوى الصورة بصورة صحيحة في نحو 60 بالمئة من الحالات. أما اليوم، فأصبح من المعتاد أن تصل أنظمة التعرف على الصور إلى معدلات نجاح تقترب من 90 بالمئة.
ومع ذلك، لا تزال أنظمة حاسوبية كثيرة تفشل في بعض أبسط اختبارات الرؤية. وهذا أحد الأسباب التي تجعل اختبارات «ري كابتشا» لا تزال مفيدة حتى الآن.
لكن المشكلة لا تقتصر على صعوبة فهم محتوى الصورة. فقد اكتشف الباحثون أن تغيير كل بكسل في الصورة وتحريكه مسافة صغيرة جدًا إلى اليمين أو اليسار يمكن أن يكون كافيًا لإرباك بعض أنظمة الرؤية.
وفي تجربة أجراها باحثون على صور لثعالب الماء والطائرات والمناظير، تمكن تغيير طفيف للغاية في مواضع البكسلات من خداع النموذج. فلم يعد النظام قادرًا على التعرف إلى الشيء الموجود في الصورة، رغم أن الصورة نفسها كانت تبدو للإنسان وكأنها لم تتغير على الإطلاق.
وقد أبلغ عالما الحاسوب يائير فايس وأهارون أزولاي من الجامعة العبرية في القدس عن هذه النتائج عام 2019.
ويرتبط هذا الضعف أمام التغييرات الصغيرة بالطريقة التي تتعلم بها الشبكات العصبية البصرية. فبدلًا من أن تتعرف الشبكة إلى القطة لأنها تمتلك فهمًا حقيقيًا لماهية القطة وشكلها، فإنها تتعلم مجموعة من السمات البصرية التي تربطها إحصائيًا بفئة «القطة».
وهذه السمات ليست بالضرورة جزءًا أساسيًا من مفهوم القطة نفسه. وقد استغل الباحثون هذه المشكلة في مثال شهير يتعلق بطبق الغواكامولي، وهو مثال يوضح مدى اعتماد بعض أنظمة الرؤية على تفاصيل بصرية محددة بدلًا من فهم طبيعة الشيء الذي تنظر إليه.
ويقول الباحث إيلياس وزملاؤه إن «الحواسيب تتعلم اختصارات سهلة يمكن التلاعب بها بسهولة».
بمعنى آخر، قد يبدو النظام وكأنه يفهم الصورة، لكنه في الواقع قد يعتمد على مؤشرات سطحية تساعده على الوصول إلى الإجابة الصحيحة في معظم الحالات، من دون أن يمتلك فهمًا فعليًا لما يراه. وعندما تتغير هذه المؤشرات قليلًا، قد ينهار أداؤه بالكامل.
من الشبكات الالتفافية إلى محولات الرؤية
تشهد تقنيات التعرف على الصور اليوم تحولًا تدريجيًا. فالشبكات العصبية الالتفافية، المعروفة باسم الشبكات العصبية الالتفافية أو CNNs، بدأت تفسح المجال أمام نوع أحدث من النماذج يُعرف باسم «محولات الرؤية» أو ViTs.
وتُدرَّب محولات الرؤية عادة على ملايين الصور، بل قد تصل بيانات التدريب في بعض الحالات إلى مليارات الصور. وبدلًا من التعامل مع الصورة باعتبارها كتلة واحدة، تقسمها هذه النماذج إلى مجموعات من البكسلات تسمى «رقعًا» أو patches.
بعد ذلك، تبحث عن المناطق المختلفة في الصورة وتربط بينها وفق خصائص مثل اللون والشكل. وتساعد هذه التجميعات النموذج على التعرف إلى مكونات ملموسة في الصورة، مثل جزء من جسم الإنسان أو قطعة أثاث.
ويقول أليكسي دوسوفيتسكي، الباحث في مجال التعلم الآلي والذي عمل على تطوير محولات الرؤية في غوغل، إن هذه النماذج غالبًا ما تتفوق على الأساليب السابقة لأنها أكثر كفاءة في جمع المعلومات الموجودة في مناطق مختلفة من الصورة وربطها ببعضها.
وهذه القدرة مهمة لأن فهم الصورة لا يعتمد دائمًا على عنصر واحد. فقد يكون التعرف إلى شيء ما مرتبطًا بعلاقته بأشياء أخرى موجودة في الصورة، وبموقعه وحجمه وشكله والسياق المحيط به.
عندما تحاول الحواسيب أن ترى مثل الدماغ
يحاول بعض الباحثين الآن الذهاب إلى أبعد من مجرد تحسين دقة التعرف على الصور. فبدلًا من تعليم الحواسيب اكتشاف الأنماط البصرية فقط، يسعى هؤلاء الباحثون إلى تطوير أنظمة تتعامل مع الصور بطريقة أقرب إلى الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع العالم.
ومن بين هذه المحاولات ما يعرف باسم «الشبكات العصبية المتمحورة حول الأشياء».
وتتعامل هذه النماذج مع الصورة باعتبارها مجموعة من الأشياء المتميزة، بدلًا من مجرد تجميع المناطق التي تشترك في خصائص معينة، مثل اللون الأصفر.
فعلى سبيل المثال، لا تنظر الشبكة إلى مجموعة من البكسلات الصفراء باعتبارها مجرد نمط لوني، وإنما تحاول تحديد الشيء الذي تنتمي إليه هذه البكسلات. وتكمن إحدى نقاط قوة هذه النماذج في قدرتها على إدراك أن الشيء الموجود في الصورة منفصل عن الخلفية المحيطة به.
وفي إحدى الدراسات الحديثة، قارن الباحثون أداء الشبكات العصبية المتمحورة حول الأشياء بأداء أنواع أخرى من الشبكات العصبية البصرية من خلال مجموعة من الاختبارات التي تطلب من الحواسيب مطابقة أشكال متطابقة.
دُرّبت جميع النماذج على أشكال هندسية منتظمة، مثل المضلعات، وحققت نتائج متقاربة عندما طُلب منها التعامل مع هذه الأشكال نفسها. لكن عندما واجهت أشكالًا غير منتظمة وملونة ومخططة، ظهرت فجوة واضحة في الأداء.
فقد كانت النماذج المتمحورة حول الأشياء أفضل بكثير في استخدام ما تعلمته وتطبيقه على أشكال جديدة تختلف عن الأمثلة التي تدربت عليها.
وكان أفضل نموذج من هذه النماذج قادرًا على مطابقة الأشكال غير المألوفة بصورة صحيحة في 86.4 بالمئة من الحالات، في حين لم تتجاوز نسبة نجاح النموذج البصري الآخر 65.1 بالمئة.
وقد أبلغ عن هذه النتائج في وقت سابق من العام جيفري باورز، وهو عالم نفس في جامعة بريستول في إنجلترا يركز في أبحاثه على التعلم الآلي، بالتعاون مع زميله غييرمو بويبلا، وهو عالم نفس في جامعة تاراباكا في بروفيدنسيا في تشيلي.
من الصور إلى فهم الفيديو
لم تعد قدرات النماذج المتمحورة حول الأشياء مقتصرة على الصور ثنائية الأبعاد.
فقد ظهرت أنظمة أحدث تستطيع مشاهدة مقاطع الفيديو وتحليل ما يحدث فيها، بل والإجابة عن أسئلة تتطلب قدرًا من الاستدلال حول الأشياء والأحداث التي شاهدتها.
فقد أصبح بإمكان بعض هذه الأنظمة، على سبيل المثال، مشاهدة شخص يلعب كرة الريشة ثم الإجابة عن سؤال مثل: «ما مدى جودة مهارات هذا الشخص في كرة الريشة؟»
وهذا يمثل خطوة أبعد من مجرد تحديد العناصر الموجودة في الصورة. فالنظام هنا لا يحتاج فقط إلى معرفة أن هناك شخصًا ومضربًا وكرة، وإنما عليه أن يفهم ما يحدث في المشهد، وأن يستخلص منه معلومات يمكن استخدامها للإجابة عن سؤال يتعلق بأداء الشخص.
عندما ترى الروبوتات العالم من حولها
لم تبق هذه الخوارزميات داخل المختبرات. فقد بدأ الباحثون في دمج تقنيات التعرف المتمحورة حول الأشياء في الروبوتات أيضًا.
وأصبحت بعض الروبوتات قادرة على الإمساك بالأشياء وتحريكها وتدويرها في فضاء ثلاثي الأبعاد بدقة أكبر. ويمكن لهذه الروبوتات تنفيذ مهام عملية مثل فتح الأدراج وإدارة صنابير المياه.
وفي مجال آخر، تعمل إحدى الشركات على تطوير روبوتات طائرة تستخدم هذا النوع من تقنيات التعرف البصري لجمع ثمار الفاكهة، بما في ذلك التفاح والخوخ والبرقوق.
وتحتاج هذه الروبوتات إلى قدرات دقيقة في التعرف إلى الأشياء حتى تتمكن من تحديد الثمار الناضجة. وبعد اكتشاف الثمرة المناسبة، تستطيع التحرك بين الأشجار والوصول إليها وانتزاعها دون إتلاف قشرتها الحساسة.
وهنا تظهر أهمية تطوير أنظمة تستطيع فهم الأشياء الموجودة في العالم الحقيقي، وليس فقط التعرف إلى الصور الموجودة على شاشة الحاسوب.
فالروبوت الذي يعمل في بستان لا يواجه صورًا مثالية ومنظمة. بل يتعامل مع أشجار وأوراق وفروع وظلال وفواكه بأحجام وأشكال مختلفة، وقد تكون الثمرة جزئيًا خلف ورقة أو غصن. ولذلك فإن القدرة على فصل الشيء عن خلفيته وفهم خصائصه تصبح ضرورية لتنفيذ المهمة بنجاح.
ما زال الدماغ البشري متقدمًا
يتوقع العلماء استمرار التقدم في مجال الشبكات العصبية البصرية، لكن الطريق لا يزال طويلًا قبل أن تتمكن هذه الأنظمة من مجاراة القدرات البصرية للدماغ البشري بصورة كاملة.
فحتى أفضل الأنظمة الحالية لا تفهم العالم بالضرورة بالطريقة نفسها التي يفهمه بها الإنسان. وقد تكون قادرة على اكتشاف أنماط معقدة للغاية داخل الصور، لكنها لا تزال عرضة للأخطاء عندما تواجه تغيرات بسيطة أو مواقف جديدة تختلف عما رأته أثناء التدريب.
ويشير جيفري باورز إلى أن النظام البصري لدى الإنسان نفسه ليس معصومًا من الأخطاء، إذ يقول إن «هناك أشياء غريبة يفعلها النظام البصري البشري، لكن الإنسان لا يخطئ أبدًا فيظن أن قطة هي طبق غواكامولي».
وهنا تكمن المفارقة. فقد قطعت الحواسيب شوطًا طويلًا في تعلم كيفية التعرف إلى ما تراه، وأصبحت قادرة على التعامل مع ملايين الصور والفيديوهات وتنفيذ مهام بصرية معقدة. لكنها لا تزال تواجه صعوبة في امتلاك ذلك النوع من الفهم المرن الذي يسمح للإنسان بالتعرف إلى الشيء نفسه حتى عندما يتغير شكله أو لونه أو موقعه أو السياق المحيط به.
وبينما تستمر الأبحاث في تطوير محولات الرؤية والنماذج المتمحورة حول الأشياء وغيرها من تقنيات الرؤية الحاسوبية، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحواسيب ستتعلم «الرؤية»، بل إلى أي مدى يمكن أن تصل قدرتها على فهم ما تراه.
