تحتاج تقنيات الطاقة المتجددة إلى مجموعة كبيرة من المعادن الحيوية. وقد يوفر قاع البحر هذه الثروات، ولكن بأي تكلفة؟
على عمق يزيد على 13 ألف قدم تحت سطح المحيط الهادئ، كانت آلة تزن أكثر من 70 طنًا تتحرك مثل دبابة على سلاسلها المجنزرة لمسافة تقارب عُشر ميل، وهي تمتص عُقدًا صخرية بحجم حبات البطاطس، غنية بالنحاس والمنغنيز والكوبالت والنيكل. كان ذلك في عام 2022، وقد أعلنت شركة Metals Company الكندية أن هذه التجربة الأولية لحاصدة تعمل تحت سطح البحر حققت نجاحًا.
وتعمل الشركة للحصول على الموافقة على نشر آلات مماثلة لأغراض الاستخراج التجاري في منطقة تبلغ مساحتها 65 ألف كيلومتر مربع، بهدف استخراج أكثر من 600 مليون طن متري من هذه العُقد.
توجد ثروات في قاع المحيط، تتمثل في ترسبات مستديرة تتكون من طبقات متراصة بإحكام من المعادن الحيوية التي ظل الوصول إليها متعذرًا لفترة طويلة. لكن ذلك لم يعد كذلك. وتُعد جهود شركة Metals Company واحدة من 31 مبادرة تقودها شركات وحكومات ومؤسسات مملوكة للدولة، من بينها الصين والهند وجمهورية ناورو، وهي دولة جزرية صغيرة تقع في جنوب غرب المحيط الهادئ، لجمع هذه العُقد وتحليلها واختبار معدات التعدين.
وتقع هذه الترسبات غير المستغلة، التي ظلت دون إزعاج لملايين السنين، في مرمى اهتمام هذه الدول والشركات في الوقت الذي يسعى فيه العالم إلى التحول نحو أنماط تشغيل أكثر استدامة في مواجهة تغير المناخ. ومن شأن التحول واسع النطاق إلى الطاقة النظيفة أن يضاعف الطلب على المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة أربعة أضعاف، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، وهي منظمة مقرها باريس تقدم المشورة والتحليلات المتعلقة بسياسات الطاقة. وهناك خلاف حاد حول المكان الذي ينبغي الحصول منه على هذه الموارد الإضافية.
وترى دول مثل الولايات المتحدة، وشركات من بينها Metals Company، وبعض العلماء المتخصصين في الصناعات الاستخراجية، أن المعادن الحيوية المتاحة بسهولة على اليابسة لن تكون كافية لتلبية الطلب المتزايد. ويقول هؤلاء إنه بدلًا من فتح عدد كبير من المناجم الجديدة على اليابسة، يمكن لصناعة التعدين في أعماق البحار، التي لا تزال في بداياتها، أن تساعد في سد الفجوة.
في المقابل، دعا باحثون آخرون وجماعات معنية بالحفاظ على البيئة ونحو 40 دولة، تقودها دولة بالاو الأرخبيلية في المحيط الهادئ، إلى فرض حظر كامل أو وقف مؤقت لأنشطة التعدين في أعماق البحار، إلى أن تتضح بصورة أكبر الآثار البيئية المحتملة، وإلى أن يتم اعتماد اللوائح التنظيمية اللازمة. ويرى كثيرون منهم أن الموارد المتبقية على اليابسة كافية ويمكن استغلالها.
وعلى مدى أكثر من عقد، تعمل السلطة الدولية لقاع البحار، التي تتولى تنظيم أنشطة التعدين في المناطق الواقعة خارج نطاق الاختصاصات الوطنية، على وضع مدونة للتعدين تنظم استخراج موارد قاع البحر، لكن الدول الأعضاء فيها لم تتوصل بعد إلى اتفاق بشأن القواعد. وانتهت المحادثات في يوليو 2025 مع بقاء العديد من القضايا دون حل، من بينها كيفية قياس الآثار البيئية ومراقبتها. وقد استؤنفت المفاوضات مؤخرًا.
لكن الوقت يضيق، إذ يمكن أن تحصل عمليات التعدين على الضوء الأخضر في أقرب وقت هذا العام، قبل وضع القواعد والضمانات الوقائية اللازمة. وتبحث ناورو في ثغرة قانونية تتيح لها وللدول الأخرى التقدم بطلب للحصول على تصريح تجاري قبل الاتفاق على مدونة التعدين.
وفي مبادرة أحادية الجانب تتجاوز اختصاص السلطة الدولية لقاع البحار، تقدمت شركة Metals Company بطلب إلى الولايات المتحدة للحصول على إذن بالتعدين في منطقة كلاريون كليبرتون، التي تتركز فيها معظم طموحات التعدين في أعماق البحار. وتبلغ مساحة هذه المنطقة 6 ملايين كيلومتر مربع، أي ما يقارب مساحة أستراليا، وتقع في المياه الدولية بين هاواي والمكسيك. ولم توقع الولايات المتحدة المعاهدة الدولية التي تمنح السلطة الدولية لقاع البحار الاختصاص على مثل هذه الأنشطة.
ومع ضيق الوقت، يعمل الباحثون والمحللون على الإجابة عن أسئلة رئيسية. هل يمكننا العثور على المعادن التي نحتاج إليها على اليابسة، أم يتعين علينا التوجه إلى أعماق البحار بحثًا عن موارد غير مستغلة؟ وما العواقب البيئية لكل خيار؟
الاحتياجات الخضراء المتزايدة
هناك قدر ضئيل من الخلاف حول أن التحول الأخضر سيتطلب قفزة هائلة في الإمدادات العالمية من المعادن الحيوية. وتشير وكالة الطاقة الدولية في تقييم أجرته عام 2025 بشأن احتياجات المعادن اللازمة للتحول إلى الطاقة النظيفة، إلى أن إنتاج المعادن من المناجم القائمة والمخطط لها قد لا يكون كافيًا قريبًا.
وضع المحللون نماذج لثلاثة سيناريوهات مختلفة لاستخدام الطاقة المتجددة والتخفيف من آثار تغير المناخ. ثم قارنوا تقديرات الطلب هذه بأنواع مختلفة من تقديرات الإمدادات، بما في ذلك سيناريو أقل طموحًا يضم المناجم القائمة والمناجم قيد الإنشاء والمشروعات التي لم تبدأ بعد ولكنها حصلت بالفعل على التصاريح أو التمويل، إلى جانب سيناريو أكثر طموحًا يشمل أيضًا المشروعات التي لا تزال تسعى إلى الحصول على التمويل أو التصاريح.
واستنادًا إلى هذه النمذجة، يقدر المحللون أنه بحلول عام 2040، قد يرتفع الطلب العالمي على الليثيوم، وهو مكون أساسي في بطاريات السيارات الكهربائية، إلى نحو 4.7 أضعاف مستوياته في عام 2024. كما يمكن أن يرتفع الطلب على النحاس، وهو عنصر أساسي في طاقة الرياح والطاقة الشمسية، بمقدار 1.3 مرة. ويتوقع المحللون حدوث نقص في كلا المعدنين في وقت مبكر من عام 2035.
وقد يبدو النقص المستقبلي في النحاس أقل حدة من النقص في الليثيوم، استنادًا إلى المشروعات المعلنة حاليًا، لكن فتح مناجم جديدة للنحاس أو توسيع المناجم القائمة أكثر صعوبة بكثير، بحسب شوبهان دهير، محلل المعادن الحيوية في وكالة الطاقة الدولية. ويقول: «بوجه عام، لقد جرى بالفعل استخراج الصخور التي تحتوي على تركيزات مرتفعة من النحاس».
وقد يستغرق إنشاء مشروع تعدين وتشغيله أكثر من عقد من الزمن. ولتجنب مزيد من التأخير، يقول مود إن على الحكومات والشركات تحسين تخطيط مشروعات التعدين، وإلا فقد تضرب حالات نقص المعادن حتى في الأماكن التي تتوافر فيها الموارد.
مورد آخر: إعادة التدوير
يمكن أن تساعد إعادة تدوير بطاريات السيارات الكهربائية وغيرها من المواد المستخدمة في تقنيات الطاقة الخضراء على تقليل الحاجة إلى فتح مناجم جديدة، بحسب بول أندرسون، عالم الكيمياء غير العضوية في جامعة برمنغهام في المملكة المتحدة، والذي يقود مشروعًا لتحسين إعادة استخدام وإعادة تدوير بطاريات الليثيوم أيون المستخدمة في السيارات الكهربائية.
وتختلف التقديرات بشأن حجم الانخفاض الذي يمكن أن تحققه إعادة التدوير في الطلب على التعدين. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أنه بحلول عام 2050، يمكن لإعادة التدوير أن تخفض الحاجة إلى أنشطة التعدين الجديدة بنسبة 25 بالمئة بالنسبة إلى الليثيوم والنيكل، وبنسبة 40 بالمئة بالنسبة إلى النحاس والكوبالت.
وتشير تقديرات أخرى إلى تأثير أكبر بكثير. فقد خلصت دراسة أجراها باحثون في جامعة كاي يو لوفين في بلجيكا عام 2022 إلى أنه بحلول عام 2050، يمكن لإعادة التدوير أن توفر ما بين 40 و77 بالمئة، بحسب نوع المعدن، من احتياجات أوروبا من المعادن اللازمة للطاقة النظيفة. كما قدر تقرير أعده باحثون في جامعة كاليفورنيا في ديفيس عام 2025 أن إعادة التدوير يمكن أن تخفض عدد مناجم الليثيوم الجديدة المطلوبة من 85 منجمًا إلى 15 فقط.
وخلص باحثو جامعة كاليفورنيا في ديفيس إلى أن الحكومات ستحتاج إلى إنشاء مرافق لإعادة التدوير في جميع مناطق العالم، وليس فقط في المناطق التي تصنع بطاريات السيارات الكهربائية أو التي تمتلك أكبر أسواق للسيارات الكهربائية. وينبغي للدول أيضًا اعتماد سياسات تشجع على إعادة التدوير، مثل وضع أهداف تلزم الشركات المصنعة بجمع البطاريات المستخدمة، وإلزام منشآت إعادة التدوير باستخلاص المعادن الحيوية من البطاريات.
ويقول أندرسون إن إعادة التدوير غالبًا ما تكون فكرة لاحقة في تصميم البطاريات وغيرها من تقنيات الطاقة الخضراء وفي إنتاجها، ما يجعل العملية أقل كفاءة وفاعلية. ويقول: «نحن مهووسون بخفض البصمة الكربونية من خلال نشر هذه التكنولوجيا، لكننا لا نفكر في دمج إدارة نهاية عمر المنتج في تصميمها».
لكن حتى مع إعادة التدوير، قد يعتمد التحول العالمي إلى اقتصاد أخضر على زيادة التعدين على اليابسة، الذي يُعد من أكثر الصناعات اتساخًا، والأكثر تسببًا في أضرار بيئية واجتماعية. وتشير الدراسات إلى أن التعدين على اليابسة كان مسؤولًا عن فقدان 9 بالمئة من إجمالي غابات الأمازون بين عامي 2005 و2015. كما يستهلك كميات كبيرة من المياه، غالبًا في مناطق تعاني أصلًا من ندرة المياه، ويمكن أن يعرض الأشخاص الأكثر ضعفًا لخطر انتهاكات حقوق الإنسان. كما تؤدي تسربات مخلفات التعدين السامة إلى تلويث المجاري المائية وقتل الكائنات المائية.
حجم الأضرار في أعماق البحار
يرى مؤيدو التعدين في أعماق البحار أن هذه الصناعة قد تكون أقل تسببًا في المشكلات البيئية والاجتماعية.
وتقول شركة Metals Company إن التأثيرات التي تلحق بأعماق المحيط قد لا تستمر لفترة طويلة مثل تلك الناتجة عن التعدين على اليابسة. وتشير الشركة إلى أبحاث تفيد بأن بعض مجتمعات الكائنات الحية في أعماق المحيط التي تتعرض للاضطراب بسبب التعدين يمكن أن تبدأ في التعافي من حيث أعدادها وتنوعها خلال عام واحد. كما تقول إن مجتمعات الكائنات الحية الدقيقة في أعماق البحار يمكن أن تتعافى من آثار التعدين «خلال 50 عامًا».
وفي المقابل، تقول الشركة إن «تجدد التربة والغابات الجديدة القادرة على دعم المستويات السابقة من التنوع البيولوجي» التي دمرها التعدين على اليابسة قد يستغرق مئات أو آلاف السنين.
ويرى سليم علي، عالم النظم البيئية في جامعة ديلاوير، والذي يقدم أيضًا أبحاثًا ومشورة بشأن المعادن الحيوية للأمم المتحدة، أن التعدين في أعماق البحار ينبغي أن يكون جزءًا من النقاش حول التحول الأخضر.
وقد شارك علي في تأليف تحليل عام 2022، مولته شركة Metals Company، قارن بين مخلفات التعدين الناتجة عن الترسبات الموجودة على اليابسة وتلك المرتبطة بموارد قاع البحر. ويقول علي إنه لم يتلق تمويلًا مباشرًا من شركة Metals Company.
فعلى سبيل المثال، تناول التحليل تأثير مخلفات المناجم البرية في تلوث المياه والتنوع البيولوجي المحلي، كما تناول التلوث المتوقع من تعدين العُقد، مثل رواسب قاع البحر التي تثيرها معدات الحصاد وتدفع بها إلى عمود المياه. وتشير الدراسة إلى أن كلا النوعين من التعدين ستكون له تأثيرات على التنوع البيولوجي، لكنها تقترح أن التعدين في أعماق البحار قد يؤدي إلى نفايات أقل ومخاطر أقل على المجتمعات مقارنة بالتعدين على اليابسة.
ومع ذلك، تحذر الدراسة من أن استنتاجاتها محدودة بسبب «حالة عدم يقين كبيرة» بشأن تأثيرات أعمدة الرواسب.
ويضيف علي أن السلطة الدولية لقاع البحار تجمع البيانات منذ 30 عامًا على الأقل، وهو ما ينبغي أن يكون كافيًا لتطوير القواعد واللوائح المنظمة لتعدين قاع البحر، حتى في ظل عدم وضوح الآثار طويلة المدى، وعدم معرفة ما إذا كانت التأثيرات البيئية ستكون أفضل أم أسوأ من تأثيرات التعدين على اليابسة.
ويقول: «أنا لا أقول إنه ينبغي لنا المضي قدمًا فيه. ما أقوله هو أنه يستحق أن يُؤخذ في الاعتبار ضمن هذا السياق الأوسع للخيارات الصعبة للغاية التي يتعين علينا اتخاذها».
لكن المعارضين الذين يطالبون بفرض وقف مؤقت أو حظر يشيرون إلى أن الدراسة نفسها التي تستشهد بها شركة Metals Company بوصفها دليلًا على التعافي السريع توصلت في النهاية، عند النظر إلى بياناتها ككل، إلى استنتاجات أكثر تشاؤمًا.
وكتب مؤلفو الدراسة أن «آثار تعدين العُقد متعددة المعادن يُرجح أن تكون طويلة الأمد»، وأن التحليلات «تظهر آثارًا بيولوجية سلبية كبيرة لتعدين عُقد قاع البحر، حتى على النطاق المحدود لتجارب التعدين الاختبارية».
ويشعر العلماء بالقلق من أن الكائنات الحية في أعماق البحار، التي تكيفت مع العيش في بيئة مظلمة وهادئة وقليلة السكان، قد لا تتعامل جيدًا مع الاضطرابات الناتجة عن الضوضاء والضوء المصاحبين لعمليات التعدين. كما ستتعرض هذه الكائنات للمعادن السامة ولأعمدة الرواسب التي يمكن أن تتداخل مع عمليات التغذية والتنفس.
