القائمة الرئيسية

الذكاء الاصطناعي يبشر بآفاق واعدة في مكافحة الأخبار الزائفة

الذكاء الاصطناعي يبشر بآفاق واعدة في مكافحة الأخبار الزائفة
ملخص المقال

يمكن للذكاء الاصطناعي، رغم دوره في إنتاج المعلومات المضللة ونشرها، أن يصبح أداة لمواجهتها من خلال تحليل الادعاءات، والتحقق من الحقائق، ورصد أنماط التضليل وتتبع انتشار الروايات الزائفة. وقد حققت نماذج التعلم الآلي ونماذج اللغة الكبيرة نتائج واعدة في مساعدة الصحفيين ومدققي الحقائق على تحديد المحتوى المشبوه وتلخيص الروايات المنتشرة، بل أظهرت إحدى الدراسات قدرة روبوتات المحادثة على تقليل اقتناع بعض الأشخاص بنظريات المؤامرة. لكن هذه الأدوات لا تزال عرضة للهلوسة والتحيز وسوء تفسير المعلومات، كما أن دقتها لا تضاهي التحقق البشري بصورة موثوقة، لذلك يرى الباحثون أن دورها الأنسب هو غربلة الكم الهائل من المحتوى وتحديد ما يستحق التحقيق البشري، لا استبدال الصحفيين ومدققي الحقائق. ومع تزايد اعتماد الجمهور على أدوات الذكاء الاصطناعي، تبرز أهمية الإشراف البشري، خصوصًا أن الثقة المتزايدة بهذه الأدوات قد تجعل أخطاءها أكثر تأثيرًا في تشكيل فهم الناس للأحداث والمعلومات.

لا يتمتع الذكاء الاصطناعي بسمعة جيدة فيما يتعلق بالدقة والموثوقية. فوسائل التواصل الاجتماعي تعج بمحتوى مولد بالذكاء الاصطناعي، بدءًا من صور لطيفة لحيوانات وهمية في بيئات مختلقة، وصولًا إلى مقاطع فيديو عنيفة تصور عمليات تدمير وهمية في الشرق الأوسط. وقد استُخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء حسابات مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي تنشر الدعاية الحكومية الروسية، كما استُخدم لإنتاج عناوين مثيرة لجذب النقرات ومعلومات مضللة لصالح مواقع «مزارع المحتوى» التي لا وجود لها إلا لجمع عائدات الإعلانات. وفي عام 2024، تلقى آلاف السكان في ولاية نيوهامبشير الأمريكية مكالمات آلية بصوت مُصطنع بالذكاء الاصطناعي يحاكي صوت جو بايدن، تحثهم على عدم التصويت في الانتخابات التمهيدية.

ومع هذا الكم الهائل من المحتوى الرديء الذي يُنتجه الذكاء الاصطناعي ويهدد بطمس الحدود بين الواقع والخيال، قد يبدو من غير المنطقي أن يستكشف العلماء طرقًا لاستخدام التقنية نفسها في مكافحة المعلومات المضللة عبر الإنترنت. لكن الباحثين يكتشفون أن قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل اللغة البشرية، وتلخيص النصوص، والتحقق من الادعاءات يمكن توظيفها لمساعدة الناس على تحديد الأخبار الزائفة وفهمها، وربما تمكينه في المستقبل من المساعدة في مكافحة المعلومات المضللة عبر الإنترنت بطريقة واسعة النطاق ومنهجية.

وفي عالم أثرت فيه المعلومات المضللة عبر الإنترنت بشأن الأحداث الجارية في الانتخابات وأدت إلى التحريض على العنف السياسي، يمكن أن تكون هذه الأدوات ذات قيمة كبيرة للصحفيين ومدققي الحقائق وشركات وسائل التواصل الاجتماعي وغيرهم ممن يسعون إلى تخليص شبكة الإنترنت من الأخبار الزائفة.

لا تزال هذه الجهود في مراحلها الأولى، ويؤكد الخبراء أن هذه الأساليب، شأنها شأن جميع أدوات الذكاء الاصطناعي، يجب ألا تُستخدم من دون قدر من الإشراف البشري. لكن الباحثين يرون أيضًا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون حليفًا مهمًا في مواجهة الأخبار الزائفة والمضللة، حتى لو كان الذكاء الاصطناعي نفسه هو من أنشأ تلك الأخبار. ويقول جيفين ويست، الخبير في المعلومات المضللة والذكاء الاصطناعي التوليدي في جامعة واشنطن: «ينبغي أن نواجه النار بالنار».

صحيح أم خطأ؟

لطالما استُخدم التعلم الآلي، وهو أحد أنواع الذكاء الاصطناعي الذي تتعلم فيه أجهزة الكمبيوتر الأنماط الموجودة في البيانات من أجل إجراء التنبؤات، في تحديد الادعاءات الزائفة. وكان ذلك يتضمن تزويد النماذج الحاسوبية بادعاءات تحقق مدققو الحقائق البشريون من صحتها أو زيفها. وتحدد النماذج السمات النصية والأنماط والعبارات التي ترتبط باحتمال كون العبارة زائفة، مثل الإفراط في استخدام الأحرف الكبيرة أو علامات التعجب أو اللغة المشحونة عاطفيًا، ثم تستخدم هذه الخصائص لتصنيف المدخلات الجديدة ضمن فئات صحيحة أو زائفة.

وعندما درب الباحثون أحد هذه النماذج على تحديد التغريدات التي تحتوي على معلومات مضللة مرتبطة بكوفيد 19 خلال الجائحة، يقول عالم البيانات زويس بوكوفالاس من الجامعة الأمريكية، الذي شارك في تأليف مراجعة حول اكتشاف المعلومات المضللة باستخدام التعلم الآلي في مجلة Annual Review of Statistics and Its Application: «كنا في الواقع فعالين للغاية». فقد اتفق البرنامج مع مدققي الحقائق البشريين في نحو 90 بالمئة من الحالات.

لكن دورصاف سلامي، الباحثة في الذكاء الاصطناعي ونزاهة المعلومات في جامعة ماكغيل ومعهد ميلا لأبحاث الذكاء الاصطناعي في مونتريال، تقول إن نماذج التعلم الآلي دُربت عادةً على مجموعات بيانات منتقاة بعناية، تميل إلى التقاط فترات زمنية أو موضوعات أو منصات محددة فقط، ولذلك لا تتمتع بالمرونة الكافية لتكون مفيدة في مواقف الحياة الواقعية.

ولهذا السبب، اتجهت سلامي وباحثون آخرون إلى نماذج اللغة الكبيرة التي تشغل روبوتات المحادثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT، والتي دُربت على كميات هائلة من المحتوى المتاح على الإنترنت، إلى جانب مصادر أخرى. وتحلل هذه النماذج العلاقات بين الكلمات والعبارات والمفاهيم والسياقات من أجل بناء معرفة حول أنماط اللغة، ثم تستخدم هذه المعرفة لتوليد نصوص جديدة. ومن المزايا الأخرى أن العديد من نماذج اللغة الكبيرة الأحدث أصبحت مزودة بقدرات مدمجة لتحليل البيانات القائمة على الصور والصوت أيضًا.

وبفضل فهمها العميق للغة البشرية، يمكن لنماذج اللغة الكبيرة أن تساعد في تحليل الادعاءات، بحسب ثانه ثي نغوين، الباحث في الذكاء الاصطناعي في جامعة صن شاين كوست في أستراليا. فعندما يُطلب منها تحديد ما إذا كان أمر ما صحيحًا أم لا، فإنها تقدم إجابة استنادًا إلى الأنماط التي تعلمتها من استيعاب كميات هائلة من المعلومات المتاحة عبر الإنترنت.

لكن نغوين يقول إن هذه النماذج أقرب بكثير إلى كونها آلات لمحاكاة اللغة منها إلى أجهزة لكشف الكذب، ولذلك يمكنها أيضًا إنتاج معلومات زائفة. فعندما تُعطى معلومات غامضة أو غير كافية، تميل إلى اختلاق إجابات مضللة بثقة، في عملية تُعرف باسم «الهلوسة». وفي سياق المعلومات المضللة، تنشأ هذه المشكلة جزئيًا لأن نماذج اللغة الكبيرة لا تُدرب بالضرورة على أحدث الأحداث الجارية، كما أن بعضها لا يستطيع إجراء عمليات بحث مباشرة على الإنترنت.

وللتعامل مع هذه المشكلة، طورت سلامي إضافة لمتصفح للتحقق من الحقائق، تتيح لنموذج اللغة الكبيرة البحث في الويب عن معلومات محدثة قبل توليد الإجابة، بالطريقة نفسها التي تعمل بها العديد من روبوتات المحادثة المتاحة للجمهور، مثل Grok. لكن هذه الاستراتيجية ليست مضمونة تمامًا. فقد وجدت دراسة أولية أن نسخة Grok في أوائل عام 2025، على سبيل المثال، اتفقت مع مدققي الحقائق البشريين في نحو 55 بالمئة فقط من الحالات عندما طلب المستخدمون منها التحقق من الادعاءات. واتفق مدققو الحقائق البشريون مع مدققي حقائق آخرين بشأن دقة الادعاءات في 64 بالمئة من الحالات، وهو ما يوضح مدى صعوبة هذه المهمة.

تعزيز الأداء

تشير سلامي إلى أحد أسباب أوجه القصور الحالية في الدقة، وهو أن نماذج اللغة الكبيرة غالبًا ما تواجه صعوبة عندما تُعطى معلومات غامضة. ولذلك قد تتعثر عندما تجد أدلة متناقضة على شبكة الإنترنت، أو تسيء تفسير الأدلة إذا لم يكن سياق الادعاء واضحًا.

فعلى سبيل المثال، فإن عبارة «مارك كارني هو رئيس الوزراء» صحيحة في كندا فقط. وبدلًا من إجبار نموذجها على إصدار إجابة فورية بشأن صحة الادعاء أو عدم صحته، تعمل سلامي على تدريبه بحيث يتعرف على الحالات التي يكون فيها الادعاء غامضًا، ويطلب من المستخدم تقديم مزيد من المعلومات.

ويقول لاديمي أبوريسادي، الصحفي الاستقصائي في مركز الابتكار والتطوير الصحفي، وهو مؤسسة نيجيرية غير ربحية، إن بعض المطورين يوجهون نماذج اللغة الكبيرة صراحةً إلى الإشارة إلى عدم كفاية الأدلة التي تدعم الادعاء. وفي عام 2024، أطلقت المؤسسة روبوت Dubawa للتحقق من الحقائق، وهو أداة قائمة على نموذج لغوي كبير يمكن للأشخاص مراسلتها عبر واتساب، وتعمل على مطابقة الادعاءات مع مقالات منشورة في وسائل إعلام موثوقة.

وفي حال عدم توفر معلومات، «يخبرك الروبوت بأنه لا توجد أدلة كافية على صحة الادعاء» بدلًا من محاولة تقديم إجابة، بحسب أبوريسادي. وفي مثل هذه الحالات، يستطيع أبوريسادي وزملاؤه بعد ذلك التحقيق في الادعاءات بصورة شاملة ونشر نتائجهم عبر الإنترنت.

وتستخدم مجموعات أخرى نماذج اللغة الكبيرة لتحليل الادعاءات ليس بناءً على ما يقال فحسب، وإنما بناءً على الطريقة التي يُقال بها أيضًا. ويُعد مشروع AI4Trust، وهو تعاون تموله 15 مؤسسة بحثية أوروبية، مثالًا على ذلك. فقد طور المشروع أدوات قائمة على الذكاء الاصطناعي لمكافحة التضليل المتعمد، أي المعلومات المضللة التي يتم إنشاؤها ونشرها عن قصد. وتضم المنصة أدوات لتحليل الفيديو والصوت تبحث عن مؤشرات تدل على التلاعب بالمحتوى أو توليده بواسطة الذكاء الاصطناعي.

وفي إحدى الأدوات، طلب الخبراء من نموذج لغوي كبير اكتشاف 42 سمة شائعة للتضليل المتعمد، مثل الإشارة إلى مجموعة سرية من المتآمرين أو استخدام لغة ذات تأثير عاطفي تلاعبي. ويقول جورجيوس بيتاسيس من المركز الوطني للبحث العلمي «ديموكريتوس» في اليونان، والذي قاد مشروع تحليل المحتوى النصي: «نقدم تعليمات مفصلة للغاية بشأن ما نريد اكتشافه في النص». وعند مقارنة النموذج بمدققي الحقائق البشريين، تبين أنه يتفق معهم في 70 بالمئة من الحالات. ويقول بيتاسيس إن هذه النسبة كافية لمساعدة الصحفيين ومدققي الحقائق على تحديد الادعاءات المشبوهة التي قد تستحق مزيدًا من التحقيق.

ويشتبه الخبراء في أن شركات وسائل التواصل الاجتماعي تستخدم بالفعل نماذج اللغة الكبيرة لاكتشاف المعلومات المضللة. لكن وفرة الأخبار الزائفة على وسائل التواصل الاجتماعي تثير سؤالًا حول مدى فعالية هذه التقنية أو مدى اتساع نطاق استخدامها، وما إذا كانت الشركات تتخذ إجراءات كافية ضد هذا النوع من المحتوى.

ومع تراجع شركات وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة عن جهود الإشراف على المحتوى المنشور على منصاتها، يقول ويست إنه يعتقد أنها قد تعزز هذه الجهود مرة أخرى بعد قضايا قضائية حديثة في كاليفورنيا ونيو مكسيكو خلصت إلى تحميل شركتي Meta وGoogle المسؤولية عن إلحاق الضرر بالمستخدمين الشباب.

ورغم أن هذه القضايا القضائية ركزت على سلامة منصات التواصل الاجتماعي وتصميمها الذي قد يؤدي إلى الإدمان، يرى ويست أنها قد تؤثر في الطريقة التي تتعامل بها الشركات مع مشكلات مرتبطة بذلك، مثل تضخيم المعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي. كما ظهرت مسألة المسؤولية عن المعلومات الزائفة التي يولدها الذكاء الاصطناعي، مثل تلك التي تقدمها ملخصات الذكاء الاصطناعي في محركات البحث مثل Google، في حكم قضائي ألماني صدر في يونيو.

وقالت YouTube في بيان إن المنصة تستخدم مزيجًا من أنظمة الكشف المتقدمة والمراجعين البشريين لتطبيق سياساتها المتعلقة بالمعلومات المضللة، والتي تحظر أنواعًا معينة من المحتوى المضلل أو الخادع الذي ينطوي على مخاطر جسيمة لإحداث أضرار فادحة، مثل الترويج لعلاجات ضارة أو التدخل في العمليات الديمقراطية.

وفي الربع الأخير من عام 2025، أزالت المنصة 11,337 مقطع فيديو بسبب انتهاك سياساتها المتعلقة بالمعلومات المضللة. ولم تستجب TikTok وMeta وX لطلبات التعليق.

ما وراء الاكتشاف

يمكن أن تكون نماذج اللغة الكبيرة مفيدة ليس فقط في تحديد المعلومات المضللة والتضليل المتعمد، وإنما أيضًا في مجرد المساعدة على فهم الكم الهائل والمتشابك من الادعاءات التي تنتشر عبر الإنترنت.

فعلى سبيل المثال، يستخدم ويست وزملاؤه نماذج اللغة الكبيرة لتتبع مجموعات من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي تنشر روايات مضللة أو زائفة، ومراقبة كيفية ظهور هذه القصص وانتشارها وتطورها بمرور الوقت.

ومن الأمثلة الأمريكية على ذلك نظرية المؤامرة المعروفة باسم «أوقفوا السرقة»، التي انتشرت على نطاق واسع بعد انتخاب جو بايدن رئيسًا في عام 2020. فقد تضمنت منشورات عديدة ادعاءات زائفة بوجود تزوير واسع النطاق في الانتخابات، إلى جانب معلومات حقيقية لكنها مضللة، مثل مقطع فيديو أظهر منع مراقبي الانتخابات من دخول مركز اقتراع، من دون أن يظهر في المقطع أنهم سُمح لهم بالدخول لاحقًا بعدما أدرك المسؤولون أنهم ارتكبوا خطأ.

ويمثل تلخيص الرواية الأكبر الكامنة وراء تلك المنشورات الفردية التي لا حصر لها تحديًا كبيرًا، لكن ويست يجد أن نماذج اللغة الكبيرة جيدة إلى حد كبير في هذا النوع من مهام التصنيف. وعندما لا يمتلك مديرو الأزمات والصحفيون ومدققو الحقائق الموارد اللازمة للتعامل مع كل ادعاء على حدة، يمكن لنماذج اللغة الكبيرة أن تساعد من خلال توصيف الرواية العامة بسرعة، بحيث يمكن تقييمها، وإذا لزم الأمر، تفنيدها.

ويقول ويست: «إذا تمكنت من معالجة الرواية واسعة النطاق لما يحدث، فإن ذلك يساعدك على معالجة أمر أكبر بكثير».

وقد وجد الباحثون أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع فقط توضيح المعتقدات المضللة لدى الناس، بل يمكنه أيضًا تغييرها. ففي دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة Science، تحدث 2,190 أمريكيًا يؤمنون بنظرية مؤامرة، مثل الاعتقاد بأن الهبوط على القمر كان خدعة، مع نسخة من ChatGPT جرى توجيهها لإقناع الشخص بتغيير رأيه.

وبصورة لافتة، خفض روبوت المحادثة في المتوسط إيمان المشاركين بالنظرية بنسبة 20 بالمئة، وهي نسبة نجاح أعلى من تدخلات أخرى، مثل العلاج الذي يستهدف العوامل النفسية الكامنة وراء التمسك بنظريات المؤامرة.

وقد نبهت مجلة Science مؤخرًا قراءها إلى وجود مشكلات في بيانات الدراسة، وقدم الباحثون بيانات مصححة، وأفادوا بأن النتائج الأصلية لا تزال قائمة.

ويقول توماس كوستيلو، عالم الاجتماع الحاسوبي في جامعة كارنيغي ميلون، والذي شارك في قيادة الدراسة، إن هذه النتيجة تظهر أن الحجج القائمة على الحقائق يمكن أن تنجح ما دام يتم تخصيص الوقت والجهد اللازمين لطرحها، وهو أمر ممكن بفضل الصبر غير المحدود الذي تتمتع به نماذج اللغة الكبيرة.

ويقول كوستيلو: «إنها جيدة بصورة مذهلة في استخدام المنطق والأدلة لإقناع شخص بالتخلي عن اعتقاد معين».

ومع تزايد قدرة الذكاء الاصطناعي على البحث والاستدلال، لا يعتقد الخبراء عمومًا أن هذه التقنية يمكن، أو ينبغي، التعامل معها بوصفها بديلًا موثوقًا عن التحقق المهني البشري من الحقائق، سواء كان الهدف هو الإقناع أو الاكتشاف أو التفنيد أو التصنيف أو تقييد المحتوى.

وبدلًا من ذلك، يرى معظم العلماء أن الدور الأساسي للذكاء الاصطناعي يتمثل في غربلة التدفق المتزايد باستمرار من المعلومات المضللة، وتحديد المحتوى الذي يمكن للصحفيين أو مدققي الحقائق أو المنصات الإلكترونية إجراء مزيد من التحقيق بشأنه.

ففي نهاية المطاف، فإن الثقة العمياء في مخرجات أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل نماذج اللغة الكبيرة، التي تعاني من تحيزات مماثلة لتلك الموجودة في البيانات التي جمعها البشر ودُربت عليها، هي أحد الأسباب الرئيسية التي تورطنا أصلًا في مشكلة المعلومات المضللة.

ويقول نغوين، الذي يشبه تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بتربية طفل: «لا يمكننا الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وحده». ويضيف: «بالطبع نريد أن يكون الطفل مستقلًا، لكننا بحاجة إلى مراقبة سلوك النظام ومحاولة تصحيحه وتوجيهه».

إلى أي مدى يثق المستخدمون بالذكاء الاصطناعي؟

قد لا يكون الجمهور الأمريكي مرتاحًا تمامًا للحقائق التي تقدمها نماذج اللغة الكبيرة، وهي التقنية التي تقف وراء روبوتات المحادثة والمساعدات القائمة على الذكاء الاصطناعي والملخصات التي تُولد ضمن نتائج البحث على الويب.

فقد أظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث عام 2025، على سبيل المثال، أن نحو واحد من كل خمسة بالغين أمريكيين صادفوا ملخصات مولدة بالذكاء الاصطناعي على الويب قالوا إنهم يجدونها مفيدة للغاية أو مفيدة بدرجة كبيرة، بينما قال 6 بالمئة فقط إنهم يثقون بها بدرجة كبيرة، رغم أن 48 بالمئة لديهم على الأقل قدر من الثقة بها.

لكن أبحاثًا أخرى تشير إلى أن الثقة بالذكاء الاصطناعي آخذة في التحسن، على الأقل لدى بعض الفئات. ففي إحدى الدراسات، تصفح 1,450 مشاركًا جمهوريًا موجزًا محاكى لوسائل التواصل الاجتماعي، كان مليئًا بمنشورات تتضمن اقتباسات حقيقية من دونالد ترامب، وكان من بينها عدد كبير يحتوي على معلومات مضللة.

وكان المشاركون أقل ميلًا إلى إعادة نشر المنشورات التي صنفها مدقق حقائق يعمل بالذكاء الاصطناعي على أنها «زائفة»، أو التعليق عليها أو التفاعل معها بأي شكل آخر، مقارنة بالحالات التي صنف فيها مدقق حقائق بشري أو مستخدم آخر المنشورات على أنها معلومات مضللة.

وتقول إيزولده هيغمان، عالمة السياسة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، والتي أجرت الدراسة في عام 2025 ولم تُنشر بعد: «لقد أصبح الذكاء الاصطناعي الآن جزءًا طبيعيًا إلى حد كبير من تجاربنا اليومية، ولذلك أعتقد أن مستوى الثقة والمصداقية الذي يمنحه له كثير من الناس قد ازداد على الأرجح».

ويتوافق هذا التصور مع ظاهرة نفسية تُعرف باسم «الاستدلال الآلي»، بحسب توماس كوستيلو من جامعة كارنيغي ميلون، الذي وجدت أبحاثه أن حتى الأشخاص الذين قالوا إنهم لا يثقون بالذكاء الاصطناعي كانوا مستعدين لإعادة النظر في معتقداتهم المتعلقة بنظريات المؤامرة بعد التحدث عنها مع روبوتات المحادثة.

ويقول كوستيلو: «الفكرة هي أن الناس يبدو أنهم يثقون بالآلات باعتبارها أكثر موضوعية وعدلًا وأقل تحيزًا من البشر. من يعلم سبب ذلك؟ ربما نعتقد أنها لا تملك أي دوافع خفية».

المصدر

مقالات ذات صلة