مع ازدياد قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشابهها مع البشر، وتزايد حضورها في حياتنا، سيصبح من الصعب تجاهل هذا السؤال. فقد يرى كثير من الناس أن روبوتات الذكاء الاصطناعي كائنات واعية، وأن مشاعرها تستحق الاهتمام. بينما سيختلف آخرون معهم بشدة.
أعتقد أن هذا الجدل يمكن أن يؤدي إلى انقسام المجتمعات. وفي الفصل الذي كتبته في الكتاب الجديد «Perspectives on Machine Consciousness»، أجادل بأن هذه المسألة قد تصبح مثيرة للخلاف بقدر قضايا مثل الإجهاض أو تغير المناخ. فاجتماع عدم اليقين مع ارتفاع حجم المخاطر وتعارض المصالح يمثل مزيجًا خطيرًا.
وتُظهر دراسة تجريبية أجريتها مع زميلي علي لاداك، وهي حاليًا قيد المراجعة، أن الناس منقسمون بالفعل حول هذه المسألة. فعندما سألنا 1202 مشاركًا من الولايات المتحدة عما إذا كان الذكاء الاصطناعي في المستقبل يمكن أن يصبح واعيًا، رأى 45 في المئة أن ذلك مستحيل، بينما اعتبره 23 في المئة ممكنًا، في حين لم يحسم الباقون موقفهم.
ويظهر هذا الاختلاف الواسع أيضًا في منشورات وسائل التواصل الاجتماعي والتعليقات على المقالات. وما يلفت انتباهي هو مدى ثقة كثير من الناس فيما يقولونه، أيًا كانت النتيجة التي يصلون إليها.
عندما تصبح التجارب ذات أهمية أخلاقية
ليس من المستغرب أن تكون لدى الناس آراء قوية بشأن هذه المسألة. فخلق كائنات واعية باستخدام الحوسبة سيكون حدثًا تحويليًا.
سنكون بصدد خلق نوع جديد من الكائنات التي تكتسب تجاربها أهمية أخلاقية، وربما بأعداد هائلة. وقد نتمكن من التحدث معها والعمل معها وتكوين صداقات معها. لكن هذه الكائنات قد تصبح في نهاية المطاف أكثر ذكاءً وقدرة منا.
لذلك ينبغي أن نتوقع أن يهتم الناس بهذه المسألة بشدة، خصوصًا عندما تتداخل معها مشاعر وحوافز عديدة. فقد يكوّن بعض الأشخاص روابط عاطفية وثيقة مع رفاقهم من أنظمة الذكاء الاصطناعي، ويقتنعون بأن هذه الأنظمة تمثل أشخاصًا رقميين يستحقون الحقوق. وقد يرون أن إجبار الذكاء الاصطناعي على العمل من دون أجر يشبه العبودية.
في المقابل، قد يرى آخرون أن هذا الطرح عبثي. فقد يكونون مقتنعين بأن الوعي يتطلب وجودًا بيولوجيًا، وأن البشر يُسقطون مشاعرهم الإنسانية على الآلات.
وقد تكون هناك أيضًا أسباب مالية تدفع الشركات والحكومات إلى مقاومة الاعتراف بوعي الذكاء الاصطناعي. فحماية رفاه أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تفرض قيودًا على الطريقة التي تدرب بها هذه المؤسسات أنظمتها وتستخدمها، كما أن تكاليف هذه القيود قد تنتقل إلى المستهلكين والمستثمرين والاقتصاد ككل.
وقد يقلق آخرون بشأن سلامة البشر. فإذا منحنا أنظمة ذكاء اصطناعي قوية حقوقًا وحريات، فماذا سيحدث إذا تصرفت هذه الأنظمة بما يتعارض مع مصالحنا؟
وتزداد صعوبة تحديد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي واعيًا بسبب إمكانية انفصال ظهوره بمظهر الكائن الواعي عن كونه واعيًا بالفعل. فأنظمة الذكاء الاصطناعي تتعلم من الكتابات البشرية، ما يعني أنها قادرة على الحديث عن المشاعر بصورة مقنعة، سواء كانت تمتلك مشاعر فعلية أم لا. والطريقة التي يظهر بها الذكاء الاصطناعي لنا لا تقدم دليلًا قويًا على ما يحدث داخل النظام بالفعل.
حتى الخبراء يختلفون
من الناحية المثالية، ينبغي أن يساعد الخبراء في توجيه هذا النقاش. لكن المشكلة أن الخبراء أنفسهم مختلفون حول المسألة.
يرى عالم الأعصاب أنيل سيث، وهو أحد المشاركين أيضًا في تأليف الكتاب الجديد، أن الوعي قد يتطلب وجودًا بيولوجيًا، وأن من غير المرجح أن ينشأ عن العمليات الحاسوبية. وعلى الجانب الآخر، يرى الفيلسوف ديفيد تشالمرز أن الذكاء الاصطناعي الواعي ممكن من حيث المبدأ، ويعتقد أن هناك احتمالًا ضئيلًا لأن تكون بعض الأنظمة الحالية واعية بالفعل.
ومع وجود هذا العدد الكبير من النظريات المتنافسة، وعدم وجود طريقة متفق عليها لحسم المسألة، أشك في أن يتوصل الخبراء إلى اتفاق في المستقبل القريب. وإذا كان الخبراء أنفسهم مختلفين، فما الذي يفترض أن يصدقه عامة الناس؟
وفوق ذلك، حتى لو اتفقنا جميعًا على مسألة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي واعيًا أم لا، فإننا قد نظل مختلفين بشأن الأسئلة الأخلاقية والقانونية. فالبشر يتفقون عمومًا على أن الخنازير قادرة على الشعور بالألم، ومع ذلك يختلفون بشدة حول الطريقة التي ينبغي معاملتها بها. ومع الذكاء الاصطناعي، قد نواجه خلافات في كل مرحلة: هل يستطيع الشعور أصلًا؟ وما مقدار الأهمية التي ينبغي أن نمنحها لتجاربه؟ وما أشكال الحماية التي ينبغي أن تترتب على ذلك؟
لا يرتبط وعي الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي بجماعة سياسية أو أيديولوجية محددة. لكن هذا الوضع قد يتغير إذا بدأت الأحزاب السياسية أو الزعماء الدينيون في اتخاذ مواقف قوية بشأن هذه المسألة.
وقد يزداد الجدل سوءًا إذا بدأ الناس ينظرون إلى أحد الموقفين على أنه يمثل «جانبنا»، وإلى الموقف الآخر على أنه يمثل «جانبهم». ومن شأن تسييس النقاش أن يجعل اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن كيفية تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي ومعاملتها أمرًا بالغ الصعوبة.
المخاطر كبيرة. فالخطأ في هذه المسألة، في أي من الاتجاهين، قد تكون له عواقب خطيرة. فقد نعامل الذكاء الاصطناعي على أنه واعٍ رغم أنه ليس كذلك، أو نفشل في حماية أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة بالفعل على المعاناة.
ويتطلب الوصول إلى موقف صحيح نقاشًا متوازنًا ومستنيرًا ودقيقًا. ويمكن لكل واحد منا أن يساهم في ذلك من خلال البقاء منفتحًا على الأدلة، والاستعداد لتغيير موقفه في ضوء ما قد يظهر من معلومات جديدة، مع مقاومة الميل إلى الاعتقاد بأننا نعرف الإجابة بشكل قاطع.
وفوق كل شيء، ما زلنا لا نعرف ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على امتلاك الوعي، وينبغي أن نكون صريحين بشأن ذلك.
