هذه القصة جزء من «مبادرة الأثر العالمي للذكاء الاصطناعي»، وهي مستودع يوثّق كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لمعالجة مشكلات واقعية.
المشكلة
هناك أكثر من 50 مليون قضية معلّقة أمام المحاكم الهندية، وقد تستغرق القضية الواحدة سنوات حتى تشق طريقها عبر النظام القضائي. ويعود جزء كبير من الضغط الناجم عن هذا الكم الهائل من القضايا إلى مسألة الحجم؛ إذ يوجد في البلاد نحو 20 قاضيًا فقط لكل مليون نسمة، في حين تمتلك دول أخرى، رغم أن عدد سكانها أقل بكثير، ما بين 150 و200 قاضٍ لكل مليون نسمة.
لكن جزءًا كبيرًا من هذا الضغط إداري أكثر منه قانونيًا. فلا تزال العديد من قاعات المحاكم تعتمد على الأوراق والإجراءات اليدوية، كما أن كتّاب الاختزال المدرَّبين غير متوفرين بأعداد كافية. وعندما يقل عدد هؤلاء، يستغرق تسجيل الشهادات وقتًا أطول، وكذلك إملاء الأوامر القضائية وإعداد الأحكام، وقد تظهر ثغرات صغيرة في السجلات نتيجة لذلك.
وغالبًا ما يتحمل القضاة أعمالًا كتابية وإدارية إلى جانب عملهم الأساسي المتمثل في الفصل في القضايا. كما يحضر الأشخاص ومحاموهم إلى جلسة ما، ليكتشفوا أنها أُجّلت إلى موعد آخر، ثم إلى موعد آخر بعد ذلك.
وتقع كلفة هذه التأخيرات بشكل أشد على الأشخاص الأقل قدرة على تحمّل آثارها. فأكثر من 70% من نزلاء السجون في البلاد هم أشخاص ينتظرون المحاكمة، وليسوا أشخاصًا يقضون عقوبات بعد صدور أحكام بحقهم. وهم لا يواجهون فقط ما ستقرره أحكام القضاة، بل يدفعون أيضًا ثمن بطء الإجراءات الإدارية وتراكم القضايا ونقص كتّاب الاختزال.
وبالنسبة إلى ذوي الدخل المحدود أو الأشخاص الذين لا يملكون محامين، قد تعني التأخيرات البقاء في السجن مدة أطول دون ثبوت الذنب، وتزايد النفقات، وربما ضياع العدالة نفسها. ومن هنا تصبح المهمة هي تحديث قاعات المحاكم بطريقة تعزز المؤسسة القضائية، وتحافظ على السلطة التقديرية للقضاة، ويمكن توسيع نطاقها من ولاية قضائية إلى أخرى دون الحاجة إلى أجهزة جديدة أو موظفين إضافيين.
«من خلال خط مساعدة وطني عبر واتساب، يمكن لعائلة ما البحث عن قضية، ومتابعة تاريخها، ومعرفة موعد الجلسة المقبلة، وقراءة أمر قضائي طويل مكتوب بالإنجليزية القانونية الرسمية في شكل ملخص قصير بلغتها. كما أن الأمر القضائي الذي كان يحتاج في السابق إلى محامٍ لتفسيره يمكنه الآن أن يوضح للشخص مباشرة ما الذي تقرر وما الذي يتعيّن عليه فعله بعد ذلك.»
ومن أجل هذه المهمة تم تطوير «أدالات AI».
الاستجابة
«أدالات AI» منظمة غير ربحية أُنشئت بهدف تخفيف الأعباء داخل قاعات المحاكم من الداخل. وقد عمل مؤسساها، أوتكارش ساكسينا، الرئيس التنفيذي، وأرغيا باتاشاريا، كبير مسؤولي التكنولوجيا، جنبًا إلى جنب مع إدارات المحاكم والأكاديميات القضائية التابعة للولايات والمحاكم العليا نفسها، ووضعا أدوات مدرَّبة على المواد القانونية مباشرة ضمن سير العمل اليومي للمحاكم.
وتتولى منصة «أدالات AI» بعضًا من أثقل المهام الكتابية المرتبطة بالجلسات؛ فهي تقوم بنسخ مجريات الجلسات نصيًا في الوقت الفعلي، ورقمنة السجلات القانونية وتنظيمها، كما تمنح المواطنين وسيلة لمتابعة قضاياهم.
ولا يقتصر دور المنصة على قاعة المحكمة، بل يمتد أيضًا إلى المتقاضين أنفسهم. فمن خلال خط مساعدة وطني عبر واتساب، تستطيع العائلات البحث عن القضايا، ومراجعة سجلها، ومعرفة موعد الجلسة المقبلة، وقراءة ملخص قصير بلغتها لأمر قضائي طويل مكتوب بلغة إنجليزية قانونية رسمية.
وبذلك يمكن للأمر القضائي، الذي كان يتطلب سابقًا وجود محامٍ لفهمه وتفسيره، أن يوضح للشخص مباشرة ما القرار الذي اتُّخذ وما الخطوات التي يتعين عليه القيام بها بعد ذلك.
«منذ أول استخدام لها عام 2023، وصلت المنصة إلى أكثر من 4000 قاعة محكمة في تسع ولايات.»
وقد جاء تبني المنصة من خلال المؤسسات التابعة للسلطة القضائية نفسها. وأسهم التدريب الذي قُدم من خلال الأكاديميات القضائية في تعريف موظفي المحاكم بالنظام واستخدامه، كما قامت عدة محاكم عليا بتبنيه رسميًا أو بجعل استخدامه إلزاميًا.
ومنذ أول نشر للمنصة في عام 2023، وصلت إلى أكثر من 4000 قاعة محكمة في تسع ولايات. وفي عام 2025، وجهت المحكمة العليا في ولاية كيرالا جميع المحاكم الواقعة ضمن نطاق اختصاصها إلى استخدام المنصة لتسجيل إفادات الشهود.
وفي العام نفسه، أدرجت الورقة البيضاء الصادرة عن المحكمة العليا الهندية بعنوان «الذكاء الاصطناعي والسلطة القضائية» منصة «أدالات AI» ضمن أدوات النسخ النصي المستخدمة حاليًا في المحاكم الهندية.
الأثر
تفيد المنظمة بأن المنصة قامت بنسخ 1.2 مليون دقيقة، أي ما يعادل 20 ألف ساعة، من جلسات المحاكم، وأسهمت في توفير نحو 60 ألف ساعة من وقت المحاكم؛ وهو وقت يمكن إعادته إلى الاستماع إلى القضايا وإصدار الأحكام بدلًا من إنفاقه على الأعمال الورقية.
كما تشير المنظمة إلى أن دقة النسخ اليدوي كانت لا تتجاوز نحو 50%، في حين نجحت المنصة في التقاط المصطلحات القانونية بدقة تجاوزت 95%.
ويشعر بأثر ذلك بشكل أكبر الأشخاص الأكثر تضررًا من التأخير، ومن بينهم من يُحتجزون في السجون أثناء انتظار المحاكمة، وكذلك الأشخاص الذين يدخلون المحاكم للمرة الأولى، إذ باتوا يشهدون إجراءات أسرع ووصولًا أسهل إلى المعلومات المتعلقة بقضاياهم.
ويجري الآن قياس مدى قدرة هذه التكنولوجيا على تغيير وتيرة العدالة نفسها بشكل مباشر. فهناك تجربة عشوائية محكومة، وهي المنهج الصارم نفسه المستخدم لاختبار الأدوية الجديدة، يجريها مختبر عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
وتهدف هذه الدراسة إلى اختبار تأثير المنصة على كفاءة المحاكم، وسرعة حسم القضايا، وجودة العمل القضائي.
الإمكانات المستقبلية
تتكرر المشكلات نفسها في أجزاء واسعة من دول الجنوب العالمي، ولسبب مشترك. فالكثير من المحاكم في جنوب آسيا ودول الكومنولث في إفريقيا تعمل ضمن أنظمة قانونية موروثة من القانون العام البريطاني، وتشترك في الإجراءات القانونية نفسها، والهياكل القضائية المتشابهة، والمصطلحات ذاتها.
كما تتحمل هذه الأنظمة أعباء إدارية متشابهة، تشمل النسخ اليدوي، والاعتماد الكبير على الملفات الورقية، وتعدد طبقات الإجراءات. ولذلك، فإن أداة صُممت لأحد هذه الأنظمة تواجه في الأنظمة الأخرى مشكلات سبق أن صُممت للتعامل معها.
وقد دُرّبت نماذج «أدالات AI» على مجموعة ضخمة من المواد القانونية الهندية، وهو ما يجعل تكييفها مع محاكم كينيا وغانا أسهل بكثير من أنظمة صُممت أساسًا للولايات المتحدة أو أوروبا.
لكن التشابه القانوني ليس سوى جزء من سبب قدرة هذه المنصة على الانتقال عبر الحدود. فالسبب الأعمق يكمن في الطريقة التي صُممت بها. ويصف المؤسسان المنتج بأنه محرك يمكن تهيئته للتكيف مع إجراءات كل ولاية قضائية، وليس منتجًا نهائيًا ثابتًا بحد ذاته.
وبما أن كل نظام قضائي، بل وكل ولاية داخل الهند، ينظم عمله بطريقة مختلفة، فإن هذه القدرة على التكيف هي ما يسمح لمنصة واحدة بخدمة أنظمة متعددة.
والنتيجة هي نموذج لنقل التكنولوجيا من الجنوب إلى الجنوب، حيث تنتقل أداة صُممت للعمل والبقاء في نظام قضائي مزدحم ومحدود الموارد إلى دول تواجه قيودًا مشابهة، بدلًا من الاعتماد على برمجيات مكلفة صُممت لبيئات وظروف مختلفة تمامًا.
«الأداة التي تم تطويرها لأحد هذه الأنظمة تجد في الأنظمة الأخرى مشكلات تعرف بالفعل كيفية التعامل معها.»
ولا تقل طريقة إدخال التكنولوجيا إلى النظام القضائي أهمية عن التكنولوجيا نفسها. ويصف المؤسسون منهجهم بعبارة «مسكنات الألم قبل الفيتامينات»، أي إنهم يبدأون باستهداف المشكلة الأكثر إلحاحًا والأكثر ارتباطًا بالعمل الميكانيكي، مثل النسخ النصي والسجلات الورقية، بهدف بناء الثقة أولًا، قبل التوسع إلى إدارة تدفق القضايا، وتقديم الملفات، وتوزيع القضايا.
وفي الخارج، وتحديدًا في كينيا وغانا وزامبيا، يعتزم الفريق تكرار التسلسل نفسه، من خلال البدء برقمنة نقاط الاختناق التي يشعر بها النظام القضائي بالفعل.
لكن نشر التكنولوجيا في دولة أخرى ليس أمرًا سهلًا. إذ يجب أن تعمل «أدالات AI» على أجهزة الكمبيوتر التابعة للحكومة نفسها، وأن تكون قادرة على العمل على أجهزة محلية متواضعة الإمكانات، وأن تضمن بقاء البيانات تحت سيطرة المحكمة وليس تحت سيطرة شركة خاصة، إضافة إلى ضرورة تعلّم كل لغة ولهجة جديدة تظهر في النظام.
وفي الوقت الحالي، يركز العمل على المهام الكتابية والإدارية. ويؤكد المؤسسون بحذر أنه لا يمكن التفكير في استخدام التكنولوجيا يومًا ما للمساعدة في اتخاذ قرارات محدودة ومنخفضة المخاطر إلا بعد أن تثبت سلامتها، على ألا تُستخدم أبدًا لإصدار الأحكام القضائية نفسها.
