إن الانتقال من استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الأنظمة البيولوجية إلى توظيفه في تصميمها قد يسرّع اكتشاف مضادات الميكروبات، غير أن التقارب بين هذه التقنيات وتخليق الحمض النووي والمختبرات المؤتمتة يطرح تحديات جديدة أمام الأمن البيولوجي.
شهد استخدام الذكاء الاصطناعي في علوم الحياة تحولاً تدريجياً من تحليل الأنظمة البيولوجية إلى تصميمها، ما يفتح آفاقاً لإحداث تحولات في قطاع الرعاية الصحية، لكنه في الوقت نفسه يثير تحديات مرتبطة بالأمن البيولوجي. ففي سبتمبر 2025، نشر باحثون من جامعة ستانفورد ومعهد Arc، وهو منظمة بحثية غير ربحية مقرها الولايات المتحدة، دراسة أولية نُشرت لاحقاً في مجلة Science في أغسطس 2026، تجسّد هذا التحول.
وباستخدام نموذج للذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على تفسير الشفرة الجينية وإنشائها، صمّم الباحثون عاثيات بكتيرية، أو ما يُعرف بالعاثيات، وهي فيروسات تصيب البكتيريا. وبعد ذلك جرى إنتاج هذه العاثيات واختبارها في المختبر الرطب. وأظهرت الدراسة أن 16 من أصل 285 عاثية صممها الذكاء الاصطناعي وتم تخليقها كانت فعالة ضد سلالات من بكتيريا Escherichia coli، أو E. coli.
وتقدّم هذه النتائج دليلاً أولياً على إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لتصميم مزيج من العاثيات قادر على التغلب على المقاومة التي تطورها بكتيريا E. coli ضد العاثية البكتيرية الأصلية ΦX174.
وأظهرت دراسة منفصلة أجرتها OpenAI وشركة Ginkgo Bioworks قدرة مكمّلة تتمثل في ربط الذكاء الاصطناعي بالتجارب المخبرية المؤتمتة. وتسلط الدراستان معاً الضوء على نتيجتين مهمتين: فمن جهة، تمهدان الطريق لتطبيقات علاجية، ولا سيما العلاج بالعاثيات، ومن جهة أخرى، تثيران مخاوف جدية بشأن تهديدات الأمن البيولوجي الناتجة عن التقدم في علم الأحياء التوليدي، والتخليق الاصطناعي للجينات، والمختبرات السحابية.
العاثيات المصممة بالذكاء الاصطناعي ومقاومة مضادات الميكروبات
العاثيات البكتيرية، أو العاثيات، هي فيروسات تصيب البكتيريا ولا تتكاثر إلا داخلها. وهي موجودة على نطاق واسع في العالم الميكروبي ويمكنها التأثير في تطور البكتيريا.
وتمنح بعض العاثيات ميزات انتقائية للبكتيريا المضيفة لها. ومن الأمثلة على ذلك عاثية CTX، التي تمثل عامل الضراوة الأساسي لدى بكتيريا Vibrio cholerae المسببة للكوليرا. كما يمكن لبعض العاثيات تسهيل الانتقال الأفقي للجينات بين البكتيريا، بما في ذلك الجينات المسؤولة عن مقاومة المضادات الحيوية.
ويُعد العلاج بالعاثيات، أي استخدام العاثيات كعوامل مضادة للميكروبات، نهجاً علاجياً واعداً يمكن استخدامه بديلاً للمضادات الحيوية أو مكملاً لها للتعامل مع مقاومة مضادات الميكروبات لدى البشر والنباتات والحيوانات.
ويتطلب العلاج بالعاثيات عزل العاثيات وتوصيفها واختيار تلك التي تمتلك خصائص محددة، وهي عملية تستغرق وقتاً طويلاً وتتطلب جهداً كبيراً. ويستخدم الباحثون عادةً الهندسة الوراثية أو يعتمدون على التطور المخبري لتحقيق ذلك.
ونظراً إلى أن العلاج بالعاثيات لا يزال إلى حد كبير في المرحلة التجريبية، فإن استخدامه يظل محدوداً، وعادة ما يتم اللجوء إليه على أساس الاستخدام الرحيم عندما تكون خيارات العلاج التقليدية قد استُنفدت.
من التصميم الرقمي إلى الكيانات البيولوجية
شرح الباحث البلجيكي جان بول بيرناي في مقال نُشر عام 2020 كيف يمكن استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي وعلم الأحياء التركيبي لتطوير عاثيات تمتلك الخصائص اللازمة للتغلب على سلالة بكتيرية معينة.
وتُظهر دراسة ستانفورد ومعهد Arc أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتخصصة يمكن استخدامها لتصميم جينومات جديدة، ما يدفع المجال خطوة إلى الأمام مقارنة بمعظم الدراسات السابقة التي ركزت على استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء تسلسلات جينية أو بروتينات جديدة.
ويُعد Evo 1 وEvo 2 نموذجين للذكاء الاصطناعي التوليدي تم تدريبهما على الحمض النووي، وهما قادران على إنشاء شفرة جينية جديدة. وقد تم تدريب Evo 2 على 9 تريليونات زوج قاعدي من الحمض النووي تشمل تسلسلات جينية بدائية النواة وحقيقية النواة.
وأظهرت الدراسات الأولية على Evo 2 أنه يمكن أن يساعد في التنبؤ بتأثير المتغيرات الجينية في جين BRCA1 البشري المرتبط بسرطان الثدي، بدءاً من الطفرات الحميدة ووصولاً إلى تلك المسببة للسرطان، ما قد يساعد في تحديد المتغيرات التي ينبغي إعطاؤها الأولوية لإجراء مزيد من الدراسات التجريبية عليها.
وتوضح دراسة ستانفورد ومعهد Arc أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتخصصة يمكن استخدامها لتصميم جينومات جديدة، وهو ما يذهب بالمجال إلى ما هو أبعد من معظم الدراسات التي ركزت على استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد تسلسلات جينية أو بروتينات جديدة.
وفي دراسة ستانفورد ومعهد Arc، استُخدم Evo 2 لتصميم عاثيات جديدة. وتمثل العاثيات نظاماً بيولوجياً مناسباً لإظهار القدرة على تصميم جينومات جديدة وتخليقها، إذ إن جينوماتها صغيرة نسبياً ومدروسة جيداً، ما يجعل تخليقها وتحليلها في المختبر أكثر سهولة.
فعلى سبيل المثال، تحتوي عاثية ΦX174 المستخدمة في هذه الدراسة على أقل من 6,000 زوج قاعدي، مقارنة بنحو 3 مليارات زوج قاعدي في الجينوم البشري.
وصمم Evo 2 عدداً كبيراً من العاثيات، جرى تخليق 285 منها واختبارها ضد بكتيريا E. coli. وأظهرت التجربة أن مزيجاً يضم 16 عاثية صممها Evo 2 كان قابلاً للحياة وتمكن من التغلب على المقاومة لدى بكتيريا E. coli التي أصبحت محصنة ضد عاثية ΦX174 الأصلية.
وعلى المدى الطويل، تشير هذه النتائج إلى أن علم الأحياء التوليدي يمكن أن يساعد الباحثين على إنشاء عدد كبير من المرشحين واختبارهم تجريبياً، ما يوسّع نطاق البحث عن عاثيات تمتلك إمكانات علاجية ويتيح استجابات أسرع لمقاومة مضادات الميكروبات في حالات العدوى البكتيرية.
ويؤدي ذلك إلى إنشاء دورة أسرع من التصميم والبناء والاختبار والتعلم وإعادة التعلم، بحيث تُستخدم نتائج التجارب لتوجيه التصاميم البيولوجية اللاحقة.
الأمن البيولوجي ومخاطر الاستخدام المزدوج
نظراً إلى أن الدراسة أدت إلى تطوير جينومات جديدة لعاثيات بكتيرية، فقد أثارت أيضاً مخاوف متعلقة بالأمن البيولوجي بشأن احتمال إساءة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا لإحداث الضرر.
وقد تضمنت دراسة ستانفورد ومعهد Arc إجراءً وقائياً مهماً، إذ استبعد الباحثون عمداً الفيروسات حقيقية النواة من البيانات المستخدمة في تدريب Evo 2، أي الفيروسات التي تسبب العدوى أو الأمراض لدى البشر والحيوانات والنباتات، وذلك بهدف تقليل مخاطر إساءة الاستخدام.
وجاء ذلك تماشياً مع مبادرة «الذكاء الاصطناعي المسؤول × التصميم البيولوجي»، وهي مبادرة دولية أُطلقت عام 2024 بهدف ضمان التطوير الأخلاقي والمسؤول للذكاء الاصطناعي في مجال الأحياء.
وحتى الآن، تركزت معظم المخاوف على مخاطر الاستخدام المزدوج عند نقطة التقاء الذكاء الاصطناعي بالبيولوجيا، إذ أدى التقارب بين المجالين إلى خفض بعض العوائق أمام تطوير أسلحة بيولوجية.
وتشكّل الفجوة بين العمل الحاسوبي، أو ما يُعرف بالعمل in silico، والتجارب في المختبرات الرطبة أحد أهم العوائق أمام إنشاء كيانات بيولوجية فعلية.
وفي هذه الدراسة، شارك الباحثون البشر في اختيار العاثيات وتخليقها واختبارها، ما يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعمل بوصفه جهة مستقلة ذاتياً.
ويبيّن ذلك أنه على الرغم من فعالية إدخال الذكاء الاصطناعي في عملية التصميم البيولوجي، فإن طبيعة التجارب في المختبرات الرطبة، بما تتطلبه من وقت طويل ومنهجيات معقدة ومعرفة ضمنية ومهارات متخصصة، لا تزال تمثل عقبة رئيسية أمام تحويل التصاميم الحاسوبية إلى كيانات بيولوجية فعلية.
تحدي الحوكمة في المرحلة المقبلة
مع ذلك، قد يبدأ هذا العائق المادي بالتراجع مع زيادة سهولة الوصول إلى تقنيات تخليق الحمض النووي والمختبرات السحابية، وهي مختبرات رطبة مؤتمتة يمكن تشغيلها عن بُعد عبر البرمجيات، حيث تنفذ الروبوتات التجارب.
وفي فبراير 2026، نشرت OpenAI وشركة Ginkgo Bioworks دراسة جمعت فيها بين نموذج اللغة الكبير GPT-5 التابع لـOpenAI ومختبر Ginkgo السحابي بهدف تحسين تقنية بيولوجية واسعة الاستخدام، وهي تخليق البروتين الخالي من الخلايا.
وفي هذه الدراسة، اقتصر التدخل البشري على تحضير الكواشف والمواد الاستهلاكية الأخرى، وتحميل الكواشف على النظام المؤتمت وإزالتها منه، إضافة إلى تحسين بروتوكولات العمل.
وأظهرت الدراسة إمكانية خفض تكلفة تخليق البروتين الخالي من الخلايا بنسبة 40% في أحد هذه الأنظمة مقارنة بخط أساس تم تحديده سابقاً.
وفي حين تُظهر أبحاث ستانفورد ومعهد Arc إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في التصميم البيولوجي والاختبار التجريبي للعاثيات التي صممها، فإن دراسة OpenAI وGinkgo توضح إمكانية ربط الذكاء الاصطناعي بالتجارب المؤتمتة.
وعند النظر إلى الدراستين معاً، فإنهما تكشفان عن قدرات ناشئة ومتكاملة ضمن المسار الذي يجمع الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا، بدلاً من أن تمثلا مساراً متكاملاً قائماً بالفعل يستطيع فيه نظام ذكاء اصطناعي أن يصمم المكونات البيولوجية ويُخلّقها ويختبرها بصورة مستقلة تماماً.
وفي حين أن العقبة الرئيسية بين العمل الحاسوبي والتجارب المادية تتمثل في الحاجة إلى تدخل بشري ماهر، فقد تساعد المختبرات السحابية على سد جزء من هذه الفجوة، حتى وإن ظلت الخبرة المتخصصة والإشراف البشري ضروريين.
ويمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي إنشاء تسلسلات جديدة لا تتطابق مع التسلسلات الموجودة في قوائم المراقبة الحالية، حتى إذا كان الكيان البيولوجي الناتج عنها قد يؤدي وظيفة تنطوي على مخاطر محتملة.
ومع التقدم في إنتاج الحمض النووي الاصطناعي، أثارت عدة منظمات متخصصة في الأمن البيولوجي، من بينها مبادرة التهديد النووي، والمبادرة الدولية للأمن البيولوجي والسلامة البيولوجية في العلوم، واتحاد أبحاث هندسة الأحياء، مخاوف بشأن ضرورة جعل فحص عمليات تخليق الحمض النووي إلزامياً.
ونتيجة لذلك، طُرح في الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا العام مشروع قانون يحظى بدعم الحزبين تحت اسم «قانون تحديث الأمن البيولوجي والابتكار»، بهدف فرض فحص إلزامي لكل من طلبات شراء الحمض النووي والعملاء الذين يقدمون هذه الطلبات.
ورغم أن مشروع القانون لم يُعتمد بعد، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات حول ما إذا كان الفحص القائم على التشابه بين التسلسلات وحده سيكون كافياً.
فنماذج الذكاء الاصطناعي قادرة على توليد تسلسلات جديدة لا تتطابق مع التسلسلات الموجودة في قوائم المراقبة الحالية، حتى إذا كان الكيان البيولوجي الناتج عنها قد يؤدي وظيفة محتملة الخطورة.
ويمكن أن يشكل إدخال أساليب فحص تعتمد على البنية والوظيفة، على مستوى البروتينات، مكملاً لعمليات فحص تخليق الحمض النووي، بما يساعد في تحديد ما إذا كان التسلسل الذي صممه الذكاء الاصطناعي ينطوي على مخاطر.
ويتمثل التحدي في ضمان استمرار تطور علم الأحياء التوليدي والاستفادة من تطبيقاته المحتملة في التصدي لمقاومة مضادات الميكروبات، مع بناء ضمانات وقائية على امتداد المسار الكامل لتكامل الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا.
ويشمل ذلك التطوير المسؤول لنماذج علم الأحياء التوليدي وتنظيم الوصول إليها، وفرض فحص إلزامي لتخليق الحمض النووي، والإشراف على المختبرات السحابية.
وينبغي النظر إلى تخليق العاثيات المصممة بالذكاء الاصطناعي باعتباره عرضاً مبكراً للمسار الذي يجمع الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا، حيث تتقارب بشكل متزايد تقنيات علم الأحياء التوليدي وتخليق الحمض النووي والمختبرات السحابية.
الخلاصة
ينبغي النظر إلى تخليق العاثيات المصممة بالذكاء الاصطناعي باعتباره نموذجاً مبكراً للمسار الذي يجمع الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا، والذي يشهد تقارباً متزايداً بين علم الأحياء التوليدي وتخليق الحمض النووي والمختبرات السحابية.
ورغم أن دراستي ستانفورد ومعهد Arc من جهة، وOpenAI وGinkgo من جهة أخرى، لا تزالان تجربتين منفصلتين، فإن هذه القدرات قد تتقارب في نهاية المطاف.
وينطوي ذلك على إمكانات كبيرة لتطوير الرعاية الصحية، ولا سيما في مجال البحث عن مضادات ميكروبات جديدة للتعامل مع مقاومة مضادات الميكروبات.
وفي الوقت نفسه، يثير هذا التقارب اعتبارات مهمة تتعلق بالأمن البيولوجي، إذ يمكن أن يؤدي الجمع بين هذه التقنيات إلى خفض الحواجز الفاصلة بين التصميم البيولوجي والتجارب المادية، خاصة مع ازدياد سهولة الوصول إلى المختبرات السحابية والأنظمة المؤتمتة وانخفاض تكلفتها.
ويكمن تحدي الأمن البيولوجي في القدرة على استشراف هذه الإمكانات مع تطور المسار الذي يجمع الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا، وفي تكييف السياسات بما يواكب وتيرة التغير التكنولوجي.
