مع إحداث الذكاء الاصطناعي تحولاً في مراقبة الأمن البيولوجي، سيصبح التمييز بين الأدلة الموثوقة والمعلومات المضللة والاختلاف العلمي أمراً بالغ الأهمية لبناء الثقة وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر.
سلّطت جائحة كوفيد-19 الضوء على مدى اعتماد أزمات الأمن البيولوجي على التواصل العلمي والثقة. فقد أصبحت إرشادات الصحة العامة والبحوث العلمية والخطاب السياسي والإعلام الرقمي مترابطة فيما بينها، ما جعل حوكمة المعلومات جانباً مهماً من جوانب الاستعداد للجوائح. وكان لا بد من اتخاذ القرارات استناداً إلى أدلة تتطور باستمرار، في وقت كانت فيه المعلومات المتعلقة بالنتائج العلمية، وأحياناً المعلومات الصحية المضللة، تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ومع ظهور الذكاء الاصطناعي وتفرعه إلى مجالات علمية متعددة، لم يكن الأمن البيولوجي استثناءً. فكثيراً ما يُناقش الذكاء الاصطناعي وتأثيره في العوامل البيولوجية، كما يتزايد استخدامه في أنظمة الإنذار المبكر مفتوحة المصدر التي تعتمد على منصات مختلفة لإنتاج مخرجات أنظمة الإنذار المبكر. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكننا التمييز بين التواصل العلمي والمعلومات الخاطئة والمعلومات المضللة والاختلاف العلمي، في وقت تُستخدم فيه المنصات نفسها بشكل متزايد لإدارة الأزمات ورصد الإشارات ذات الصلة؟
وفي هذا السياق، وصفت منظمة الصحة العالمية هذه الظاهرة بأنها «وباء معلوماتي»، في إشارة إلى التعايش بين المعلومات الصحيحة والخاطئة أثناء حالات الطوارئ الصحية، بما يجعل التمييز بينهما أمراً صعباً.
كوفيد-19 وتحدي المعلومات
سلّطت جائحة كوفيد-19 الضوء على التحديات المرتبطة بالتواصل العلمي في ظروف الأزمات. فقد أدت الشكوك الأولية المتعلقة بفيروس كورونا 2 المسبب للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (SARS-CoV-2) إلى تغييرات في التوصيات الخاصة بانتقال العدوى عبر الهواء، واستخدام الكمامات، واستراتيجيات التطعيم، وقيود الصحة العامة. وعلى الرغم من أن هذه التغييرات كانت مبررة بظهور بيانات جديدة، فإنها غالباً ما بدت غير متسقة عند تداولها عبر منصات إعلامية متعددة أو من خلال النصائح الشفهية. وزاد من تعقيد المشكلة التعايش بين المعرفة العلمية الموثوقة والادعاءات غير الصحيحة عبر القنوات الرقمية الرسمية وغير الرسمية. كما وصلت ادعاءات متعلقة باللقاحات والعلاجات الطبية، وحتى بوجود فيروس كورونا نفسه، إلى جماهير واسعة، في حين أصبحت النقاشات حول الحجر الصحي وإغلاق المدارس وغيرها من جوانب الحياة اليومية أكثر تسييساً.
ولا يعني الاختلاف العلمي بالضرورة وجود معلومات مضللة. فالتقدم العلمي يقوم تقليدياً على صياغة الفرضيات، وإجراء مراجعة الأقران، وتكرار النتائج، ومقارنة التفسيرات المتنافسة. وفي حالات تفشي الأمراض، قد تتعايش تفسيرات علمية مختلفة خلال المراحل الأولى من تراكم المعرفة. ويُعد النقاش حول دور انتقال العدوى عبر الهواء مثالاً واضحاً على ذلك. ففي بداية الجائحة، ركزت الإرشادات الرسمية على خطر انتقال الفيروس من خلال الرذاذ التنفسي والأسطح الملوثة. وفي الوقت نفسه، شدد علماء الهباء الجوي على الدور الأكبر للانتقال عبر الهواء. ومع تراكم الأدلة الجديدة، تغيرت الإرشادات لتعكس تطور الفهم العلمي.
لكن بيئة المعلومات أصبحت أكثر تعقيداً مع تزايد انتشار استخدام استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) والمقاربات القائمة على الذكاء الاصطناعي في مراقبة الأمن البيولوجي. وتحلل الأنظمة الحديثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي كميات هائلة من البيانات الواردة من مواقع التواصل الاجتماعي، والمصادر الإخبارية، والمدونات، والمنتديات الإلكترونية، وغيرها من المعلومات المتاحة للعامة، بهدف رصد مؤشرات تفشي الأمراض الناشئة قبل اكتشافها عبر آليات المراقبة التقليدية. وعلى الرغم من أن ذلك يعزز الوعي بالموقف وقد يساعد على اكتشاف التفشيات بصورة أسرع، فإنه يفتح أيضاً المجال أمام تدفق المعلومات الخاطئة والمعلومات المضللة وحتى عمليات التأثير المنظم.
مع اتساع نطاق استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأمن البيولوجي، ستصبح جودة المعلومات مفتوحة المصدر على القدر نفسه من الأهمية الذي تحظى به التحسينات في الأداء التقني للذكاء الاصطناعي.
خلال الجائحة، انتشرت بسرعة على الإنترنت ادعاءات مختلفة بشأن منشأ المرض واللقاحات والعلاجات والسياسات الصحية الأخرى، متجاوزة في سرعتها الإعلانات الرسمية. وإذا عالجت الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل هذه المعلومات من دون قدر كافٍ من التحقق، فقد يؤدي ذلك إلى تقييمات خاطئة للمخاطر، وإنذارات كاذبة، وحجب الإشارات الحقيقية التي تدل على تفشي الأمراض، فضلاً عن انتشار الأخبار المزيفة. ومع اتساع نطاق استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأمن البيولوجي، ستصبح جودة المعلومات مفتوحة المصدر على القدر نفسه من الأهمية الذي تحظى به التحسينات في الأداء التقني للذكاء الاصطناعي.
وتستمر تحديات التواصل أثناء الجوائح مع تفشيات مثل جدري القردة وإنفلونزا الطيور شديدة الإمراض (H5N1). فقد أظهر تفشي جدري القردة في عام 2022 مدى الترابط بين مشاركة المعلومات وقضايا الوصم والثقة. ونظراً إلى ظهور المرض داخل شبكات جنسية محددة، كان على رسائل الصحة العامة المتعلقة بانتشار الفيروس أن تتجنب تعميق الوصم أو تثبيط الناس عن إجراء الفحوص والحصول على العلاج. وهذا يسلط الضوء على تحدٍ آخر في التواصل المتعلق بالأمن البيولوجي، وهو أن المعلومات الصحيحة من الناحية التقنية قد تضر بثقة الجمهور إذا قُدمت من دون مراعاة كافية للسياق.
وبالمثل، كان على السلطات التي تراقب فيروس H5N1 أن تحقق توازناً بين الاستعداد والتواصل المتناسب مع مستوى الخطر. وعلى الرغم من تسجيل إصابات بشرية، فإنه لم يُسجل حتى الآن انتقال مستدام للفيروس من إنسان إلى إنسان. ويجسد فيروس H5N1 هذه المسألة بوضوح، إذ إن إصابة الإنسان لا تعني بالضرورة انتقال العدوى بين الأشخاص. ويجب أن يميز التواصل العام في مثل هذه الحالات بين حقيقة وجود الخطر البيولوجي واحتمال تحقق نتيجة محددة. فقد يؤدي الأول إلى حالة غير ضرورية من الذعر العام، بينما قد يؤدي الثاني إلى تأخر الاستعداد.
ستتطور المعرفة العلمية بالضرورة طوال فترة تفشي المرض، إلا أن التوسع في استخدام البيانات مفتوحة المصدر وأنظمة المراقبة القائمة على الذكاء الاصطناعي قد يجعل البيانات غير الدقيقة أو التي جرى التلاعب بها أكثر تأثيراً في تصورات الجمهور وفي عملية تحديد التهديدات.
كما غيّرت المراقبة الجينومية الطريقة التي تُدار بها حوكمة الأمن البيولوجي. فخلال جائحة كوفيد-19، أتاحت تقنيات التسلسل الجيني الكشف السريع عن متحورات جديدة مثل ألفا ودلتا وأوميكرون، ما سمح للحكومات بتعديل استراتيجياتها استجابة لهذه التطورات. ويُعد التمييز بين المعلومات الخاطئة والمعلومات المضللة والاختلاف العلمي الحقيقي أحد أبرز تحديات حوكمة الأمن البيولوجي. وستتطور المعرفة العلمية بالضرورة طوال فترة تفشي المرض، إلا أن التوسع في استخدام البيانات مفتوحة المصدر وأنظمة المراقبة القائمة على الذكاء الاصطناعي قد يجعل البيانات غير الدقيقة أو التي جرى التلاعب بها أكثر تأثيراً في تصورات الجمهور وفي عملية تحديد التهديدات. وسيتطلب التصدي لهذا التحدي وضع معايير لتقييم الأدلة، والتواصل بشفافية بشأن أوجه عدم اليقين، والتحقق من صحة البيانات التي تستند إليها القرارات المتعلقة بإجراءات الصحة العامة والتي تعتمد عليها أنظمة الإنذار المبكر القائمة على الذكاء الاصطناعي.
بناء الثقة بين المؤسسات
لا ينبغي أن تقتصر الثقة أثناء حالات الطوارئ المتعلقة بالأمن البيولوجي على جهة واحدة. فالحوكمة الجيدة خلال الجوائح تتطلب تعاوناً بين المنظمات الدولية والهيئات الصحية الوطنية والمنظمات العلمية والباحثين ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
ولا تزال منظمة الصحة العالمية الجهة الدولية التي تتحمل المسؤولية الأساسية عن تنسيق الاستجابات لحالات الطوارئ الصحية العالمية. فهي توفر منصة للعمل الجماعي من خلال مراقبة الأمراض، وتقديم المساعدة التقنية، والتنسيق الدولي. إلا أن فعاليتها لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال التعاون مع الدول الأعضاء وضمان شفافية التقارير. أما منظمات الصحة العامة الوطنية، فتطبق التوصيات الدولية عبر السياسات المحلية، وأنظمة المراقبة، وبرامج التطعيم، وتقييم المخاطر. وتستمد هذه المؤسسات مصداقيتها من الاستقلال العلمي والشفافية والفصل بين المعلومات التقنية والقرارات السياسية.
وتشمل المصادر المستقلة للتقييم العلمي المجلات العلمية والجامعات والباحثين. كما يؤدي الباحثون المستقلون دوراً مهماً من خلال التشكيك في الآراء السائدة والكشف عن مواطن الضعف في الأدلة القائمة. وتسهم وسائل الإعلام بدورها من خلال التحقيق والمساءلة.
الأسس السياساتية للاستعداد للأمن البيولوجي
إن بناء الثقة أثناء حالات الطوارئ المتعلقة بالأمن البيولوجي مهمة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال التخطيط والاستعداد المسبقين. وينبغي لأنظمة الصحة العامة ألا تكتفي بضمان توافر الموارد الكافية للمراقبة، والقدرات المختبرية، والتطعيم، والرعاية الطبية، بل يجب أيضاً أن تدمج استراتيجيات التواصل ضمن خطط الاستعداد.
ينبغي لأنظمة الصحة العامة ألا تكتفي بضمان توافر الموارد الكافية للمراقبة، والقدرات المختبرية، والتطعيم، والرعاية الطبية، بل يجب أيضاً أن تدمج استراتيجيات التواصل ضمن خطط الاستعداد.
ويجب أن تصبح الشفافية جزءاً أساسياً من عملية صنع القرار في مجال الصحة العامة. وينبغي للحكومات أن تشرح بوضوح الأساس الذي تستند إليه قراراتها المتعلقة بالسياسات، بما في ذلك أوجه عدم اليقين والأبحاث الداعمة لها. كما أن نشر التقارير والتوصيات العلمية يتيح إخضاعها للمراجعة النقدية. ويُعد الوعي العلمي أيضاً عنصراً أساسياً للتواصل الفعال. فزيادة وعي الجمهور بمفاهيم عدم اليقين وتقييم المخاطر وتقييم الأدلة من شأنها تحسين قدرة المجتمعات على فهم الإرشادات المتغيرة. وأخيراً، يُعد التعاون الدولي ضرورياً نظراً إلى الطبيعة العابرة للحدود للأمراض المعدية. ويعكس اتفاق منظمة الصحة العالمية بشأن الجوائح إدراكاً متزايداً لهذه الحاجة استعداداً للتفشيات المستقبلية.
كما يتطلب التوسع في استخدام أنظمة الإنذار المبكر القائمة على الذكاء الاصطناعي وضع معايير مناسبة لحوكمة جمع البيانات مفتوحة المصدر وتحليلها.
- يمكن لأدوات جمع البيانات الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي أن تتعامل مع جميع البيانات باعتبارها نقاطاً مرجعية لدراسة الأحداث، إلا أن المعلومات المتاحة للعامة لا يمكن اعتبارها متساوية في المصداقية. وينبغي التحقق منها عبر مصادر متعددة، مع تحديد مصدر المعلومات وسلسلة منشئها، وتقييم مستويات الثقة فيها، ومقارنة النتائج ببيانات الصحة العامة الموثوقة. ومن المهم التمييز بين الإشارات الصادرة من وسائل التواصل الاجتماعي، والمدونات، والمنتديات وغيرها من المصادر، وبين المعلومات الواردة من المؤسسات العلمية والحكومية الموثوقة أو المنشورات الخاضعة لمراجعة الأقران، مع تحديد أوزان واضحة لكل نوع من المصادر. ويجب أن تظل المراجعة البشرية للنتائج التي يولدها الذكاء الاصطناعي جزءاً من العملية، لا سيما عندما تكون هذه النتائج قادرة على التأثير في سياسات الصحة العامة أو التقارير الدولية.
- يجب وضع معايير تنظيمية وتقنية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مراقبة الأمن البيولوجي. وينبغي أن تشمل هذه المعايير تدابير لتعزيز الشفافية بشأن مصادر البيانات، والتحقق من صحة البيانات مفتوحة المصدر، والتدقيق في احتمالات التحيز والمعلومات المضللة، وضمان المساءلة عن القرارات المبنية على مخرجات الذكاء الاصطناعي. ومن خلال هذه المعايير، يمكن للحكومات الحد من مخاطر تأثير المعلومات المضللة والتحيزات في أنظمة الإنذار المبكر.
الخاتمة
ربما يمثل الحد الفاصل بين المعلومات المضللة والاختلاف العلمي أبرز التحديات التي تواجه حوكمة الأمن البيولوجي الحديثة. فقد أظهرت تجربة كوفيد-19 أن إدارة المعلومات لا تقل أهمية عن إدارة انتشار العامل الممرض نفسه. ولا تتطلب الحوكمة الناجحة للأمن البيولوجي القضاء على جميع أشكال الاختلاف، بل ينبغي أن تضمن بقاء هذا الاختلاف قائماً على الأدلة، وأن يجري دمجه في عمليات صنع القرار، والتواصل العلمي، وجمع البيانات، وأنظمة الإنذار المبكر.
