قبل أن تبدأ مدربة زيادة الوزن بيلا بارنز استشارتها مع العملاء الجدد، تكون على دراية مسبقة بما سيقولونه. فهؤلاء النساء يعانين من مشكلة في الوزن بطبيعتهن، لكنهن لا يرغبن في خسارة الوزن، بل على العكس، يرغبن في اكتسابه.
وتجد عميلاتها أنفسهن نحيلات أكثر مما ينبغي، وهو ما يسبب لهن معاناة حقيقية. تقول بارنز، التي تعيش في بريطانيا: «في الأسبوع الماضي، سجلت لدي عميلة ترتدي سراويل ضيقة مزودة بوسادات عند منطقة الأرداف». وتضيف: «وكانت لدي مؤخرًا عميلة أخرى ترتدي في الصيف ثلاثة أزواج من السراويل الضيقة، فقط لمحاولة جعل نفسها تبدو أكبر قليلًا».
وتنتمي هؤلاء النساء إلى فئة سكانية لم تحظَ باهتمام كبير. ففي الوقت الذي يركز فيه العالم على أكثر من مليار شخص يعانون السمنة، لا يزال هناك أشخاص على الطرف الآخر من الطيف نحيفون، وأحيانًا إلى درجة مؤلمة، لكنهم لا يرغبون في أن يكونوا كذلك. ويقدر الباحثون أن نحو 1.9 في المئة من السكان يعانون ما يُعرف باسم «النحافة التكوينية»، ويعيش نحو 6.5 مليونًا منهم في الولايات المتحدة وحدها.
وغالبًا ما يأكل الأشخاص الذين يعانون النحافة التكوينية بقدر ما يأكل أقرانهم، ولا يمارسون تمارين شديدة. ومع ذلك، يقل مؤشر كتلة الجسم لديهم عن 18.5، وقد ينخفض أحيانًا إلى 14، وهو ما يعادل وزنًا يبلغ نحو 72 رطلًا لشخص يبلغ طوله خمسة أقدام، أي نحو 32.7 كيلوغرامًا لشخص طوله 152 سنتيمترًا. كما أنهم لا يكتسبون الوزن بسهولة. ويصف مؤلفو ورقة بحثية حديثة نشرت في «المراجعة السنوية للتغذية» هذه الحالة بأنها «لغز حقيقي». ويقولون إن النحافة التكوينية تتحدى «المعرفة الأساسية الراسخة حول توازن الطاقة والتمثيل الغذائي». كما أنها لم تحظَ بالدراسة الكافية، إذ تناول أقل من 50 دراسة سريرية الأشخاص الذين يعانون النحافة التكوينية، مقارنة بآلاف الدراسات التي بحثت في زيادة الوزن غير المرغوب فيها.
وبدأ الباحثون مؤخرًا في دراسة الاختلافات التي تميز الأجسام النحيلة طبيعيًا. ويأمل العلماء في اكتشاف رؤى جديدة حول عملية التمثيل الغذائي يمكن أن تساعد الأشخاص الذين يعانون النحافة التكوينية على اكتساب الوزن. وقد تساعد هذه الأبحاث أيضًا الأشخاص الذين يعانون زيادة الوزن على خسارة بعض الكيلوغرامات، إذ تبدو النحافة التكوينية، بحسب ميلينا بيلي، المشاركة في تأليف المراجعة الحديثة والباحثة في علم وظائف الأعضاء في مختبر أبحاث التمثيل الغذائي AME2P بجامعة كليرمون أوفيرني في فرنسا، بمثابة «نموذج معكوس» للسمنة.
عوامل وراثية واستقلابية
أُبلغ عن الأشخاص الذين يأكلون بشهية ولكن يظلون نحيفين بصورة يصعب تفسيرها للمرة الأولى في الأدبيات العلمية عام 1933. وبعد عقود، أظهرت تجربة بارزة أجريت عام 1990 مدى الاختلاف الكبير بين الأشخاص في قدرتهم على تنظيم أوزان أجسامهم.
فقد أُطعم 12 زوجًا من التوائم المتطابقة 1000 سعرة حرارية إضافية، ستة أيام في الأسبوع. وبعد ثلاثة أشهر من الإفراط في التغذية بهذا الشكل، وهو ما يعادل تناول شطيرة بيغ ماك إضافية مع بطاطس مقلية متوسطة الحجم يوميًا، اكتسب الشبان في المتوسط ما يقرب من 18 رطلًا، معظمها من الدهون. لكن نطاق الزيادة كان واسعًا جدًا، إذ اكتسب أحدهم نحو 30 رطلًا، بينما اكتسب آخر أقل من 10 أرطال. ويبدو أن جسم الأخير تمكن بطريقة ما من تبديد نحو 60 في المئة من الطاقة الإضافية.
ووجدت الدراسة أيضًا أن الاختلاف في مقدار زيادة الوزن كان أكبر بثلاث مرات بين أزواج التوائم مقارنة بالاختلاف داخل الزوج الواحد، وهو ما يشير إلى وجود تأثير وراثي في الميل إلى اكتساب الوزن عند الإفراط في تناول الطعام.
وأكدت دراسات أخرى أن الأشخاص الذين يعانون النحافة التكوينية «يقاومون» زيادة الوزن إلى حد كبير، ولا سيما عند تناول الأطعمة الغنية بالدهون. وحتى الوزن الذي يكتسبونه نتيجة الإفراط في تناول الطعام يختفي بسرعة بمجرد عودتهم إلى تناول الطعام بصورة طبيعية.
ويتوافق ذلك إلى حد ما مع الفهم العلمي الحالي. إذ يعتقد كثير من الباحثين أن أجسامنا تمتلك نقطة «ضبط» أو «نطاق ضبط» للوزن مبرمجًا مسبقًا، وتحاول العودة إليه. وهذا أحد أسباب نجاح عدد قليل من متبعي الحميات الغذائية في الحفاظ على الوزن الذي فقدوه على المدى الطويل. فعندما يفقد الشخص الوزن، يتباطأ معدل التمثيل الغذائي لديه، ويحرق سعرات حرارية أقل، ما يجعل استعادة الوزن أسهل، ولا سيما بعد توقف الشخص عن تقييد السعرات الحرارية. ويُظهر هذا النظام قدرًا من المرونة، وهو ما يفسر سبب اكتساب كثير منا بعض السنتيمترات حول منطقة البطن مع مرور السنوات.
«التنمر على النحافة»
ومن المرجح أن الأشخاص النحيفين، كمجموعة، متنوعون في خصائصهم بقدر الأشخاص الذين يعانون زيادة الوزن. فقد يظل بعضهم نحيفًا لأن شهيتهم أصغر أو لأنهم يشعرون بالشبع بسرعة أكبر. بينما يستهلك آخرون عدد السعرات الحرارية نفسه الذي يستهلكه الأشخاص الأثقل وزنًا. ووجدت إحدى الدراسات أن الأشخاص الذين يعانون النحافة التكوينية يتناولون أكثر من 300 سعرة حرارية يوميًا فوق احتياجات أجسامهم من الطاقة. وتقول بيلي، المتعاونة في مشروع NUTRILEAN الذي يركز على النحافة التكوينية في جامعة كليرمون أوفيرني بفرنسا: «لديهم فائض في توازن الطاقة، ومع ذلك يظلون يقاومون زيادة الوزن».
ومثل الأشخاص الذين يعانون السمنة، يواجه الأشخاص الذين يعانون النحافة التكوينية وصمة اجتماعية. فقد يشعر الرجال النحيفون بأن أجسامهم هزيلة أكثر مما ينبغي ولا تتوافق مع الصورة المثالية للرجولة. وغالبًا ما تشكو النساء النحيلات من افتقار أجسامهن إلى المنحنيات. وقد يشتبه الآخرون في أنهن يخفين اضطرابات في الأكل. كما يتعرضن لتعليقات من أشخاص عشوائيين في الشارع، بحسب ينس لوند، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في أبحاث التمثيل الغذائي في مركز مؤسسة نوفو نورديسك لأبحاث الأيض الأساسية بجامعة كوبنهاغن.
ويقول لوند: «يشعر هؤلاء الأشخاص أحيانًا بأنهم لا يستطيعون حتى الذهاب إلى الحمام بعد تناول وجبة عائلية، لأنهم يخشون أن ينظر إليهم الآخرون وكأنهم ذاهبون للتقيؤ، وكأنهم يعانون الشره المرضي».
ولم تكن مدربة زيادة الوزن بارنز من الناحية الفنية ضمن فئة النحافة التكوينية تمامًا، لكنها عانت كثيرًا من «التنمر على النحافة» بنفسها. فقد كان أفراد عائلتها يعلقون على وزنها، لكنهم كانوا يقللون من شأن معاناتها. وتقول: «شعرت أنني لا أستطيع التحدث عن الأمر مطلقًا. كانوا يقولون لي: هذه ليست مشكلة حقيقية، أو خذي بعض الوزن مني».
لكن أين تذهب السعرات الحرارية لدى الأشخاص الذين يعانون النحافة التكوينية؟ بدأ الباحثون في استبعاد الاحتمالات واحدًا تلو الآخر.
وقدمت مراجعة تحليلية شاملة نُشرت عام 2021 بعض المفاجآت. فعندما جمعت بيلي وزملاؤها البيانات المتعلقة بتركيب أجسام الأشخاص النحيفين، اكتشفوا أمرًا غير متوقع. إذ يحمل الأشخاص الذين يعانون النحافة التكوينية كميات من الدهون تكاد تكون طبيعية في مختلف أنحاء أجسامهم. وتقول بيلي: «من غير المعتاد حقًا أن يكون لديك هذا الوزن المنخفض جدًا مقترنًا بكتلة دهون طبيعية إلى حد كبير».
وما يبدو أنه ينقصهم هو الكتلة العضلية. فالأشخاص الذين يعانون النحافة التكوينية يمتلكون كتلة عضلية أقل، وقد وجدت الأبحاث أن أليافهم العضلية أصغر في المتوسط بنحو 20 في المئة من ألياف الأشخاص ذوي الوزن الطبيعي. وقد تكون لديهم أيضًا كتلة عظمية أقل.
وتشير هذه الحقائق إلى وجود تكاليف صحية محتملة للنحافة. ورغم نقص الدراسات في هذا المجال، تشتبه بيلي في أن النساء شديدات النحافة، على وجه الخصوص، قد يواجهن مع التقدم في العمر خطرًا أعلى للإصابة بهشاشة العظام، وهي حالة خطيرة تضعف العظام. كما يمكن أن تجعل الكتلة العضلية المنخفضة المهام اليومية، مثل فتح البرطمانات أو حمل أكياس المشتريات، أكثر صعوبة.
وقد يعني ذلك أيضًا امتلاك احتياطات أقل من البروتين أثناء المرض، بحسب جوليان فيرني، الباحث في علم وظائف الأعضاء في مختبر الأيض بجامعة كليرمون أوفيرني، وأحد المشاركين في تأليف ورقة «المراجعة السنوية للتغذية».
وبالإضافة إلى الاختلافات في تركيب الجسم، يفترض الباحثون أن أجسام الأشخاص الذين يعانون النحافة التكوينية «تهدر» السعرات الحرارية. فعلى سبيل المثال، تشير بعض الدراسات إلى أنه رغم أن الأشخاص النحيفين يمارسون الرياضة بمعدل أقل، فإنهم يتحركون ويتململون أكثر.
وقد يطرحون أيضًا سعرات حرارية أكثر من غيرهم. ورغم أن هذا الأمر لم يُدرس تحديدًا لدى الأشخاص النحيفين، فمن المعروف أن بعض الأشخاص يفقدون ما يصل إلى 10 في المئة من السعرات الحرارية التي يتناولونها عبر البراز، وبدرجة أقل عبر البول، مقارنة بنسبة لا تتجاوز 2 في المئة لدى أشخاص آخرين. وفي إحدى الدراسات، كانت امرأة تطرح 200 سعرة حرارية يوميًا عبر الفضلات، أي ما يعادل نحو نصف لتر من المشروبات الغازية.
ولا تزال هناك خصائص استقلابية أخرى مميزة للأشخاص الذين يعانون النحافة التكوينية قد تنتظر اكتشافها. وتقول بيلي: «اكتشفنا مؤخرًا بعض المؤشرات التي قد تشير إلى وجود نشاط استقلابي أكبر في أنسجة الكتلة الدهنية لديهم. وهذا أمر مفاجئ حقًا». وكانت دراسات أخرى قد أشارت بالفعل إلى أن الأشخاص النحيفين طبيعيًا يمتلكون كميات أكبر من «الدهون البنية»، وهي أنسجة تحرق السعرات الحرارية وتنتج حرارة الجسم.
وللحصول على إجابات أكثر تحديدًا، يخطط لوند لإطلاق دراسة داخلية في جامعة كوبنهاغن. وستستخدم الدراسة غرفة استقلابية لتتبع كمية الطاقة التي يتناولها الأشخاص الذين يعانون النحافة التكوينية، وكمية الطاقة التي يستهلكونها، وجميع مسارات فقدان الطاقة، بما في ذلك البراز والبول والغازات التي يزفرونها. ومنذ عام 2020، أنشأ فريق لوند شبكة من الدنماركيين الذين يصفون أنفسهم بأنهم نحيفون طبيعيًا، ما يوفر مجموعة فريدة يمكن الاستفادة منها في الأبحاث المستقبلية.
وكما أظهرت دراسة التوائم التي أجريت عام 1990، فإن النحافة التكوينية لها مكوّن وراثي قوي. وتشير الأبحاث إلى أن 74 في المئة من الأشخاص شديدي النحافة لديهم أقارب يتمتعون ببنية جسم مماثلة. ومع تحديد الباحثين لمتغيرات جينية معينة، أدركوا أن كثيرًا منها، مثل FTO وMC4R وFAIM2، تشارك أيضًا في العمليات التي تؤدي إلى السمنة. ورغم أنهم لا يفهمون التفاصيل بعد، يشتبه العلماء في أن الأشخاص الذين يعانون النحافة التكوينية قد يمتلكون أنماطًا فريدة من نشاط الجينات المرتبطة بإنتاج الطاقة.
ومن بين هذه الجينات التي جذبت اهتمام الباحثين جين ALK، المعروف باسم كيناز الورم اللمفاوي الكشمي. وعندما حذف العلماء هذا الجين لدى الفئران، أصبحت الحيوانات أكثر مقاومة لزيادة الوزن عند إطعامها أنظمة غذائية غنية بالدهون، حتى في سلالات الفئران التي لديها استعداد وراثي للسمنة. ويبدو أن جين ALK يعمل في الدماغ، الذي يرسل بدوره إشارات تؤثر في معدل حرق الخلايا الدهنية للطاقة.
ويقول لوند إن فهم الآليات الوراثية من هذا النوع يمكن أن يؤدي إلى تطوير علاجات جديدة لكل من الأشخاص النحيفين والأشخاص الذين يعانون السمنة ويشعرون بعدم الرضا عن أوزانهم. ويضيف: «إذا تمكنت من معرفة ما الذي يحميهم من الإصابة بزيادة الوزن، فمهما كانت تلك الآلية، يمكنك بعد ذلك محاولة تحويلها إلى دواء. هناك الكثير من جزيئات الإشارة في الجسم التي لا نعرف حتى أنها موجودة». ويتمثل الحلم في الوصول إلى اختراق علمي يحدث تحولًا مماثلًا لما أحدثته أحدث أدوية علاج السمنة.
وفي الوقت الذي يبحث فيه الباحثون عن أدلة بيولوجية، تواصل بيلا بارنز التعامل بنفسها مع تعقيدات زيادة الوزن. وبعد سنوات من التجربة والخطأ، تمكنت تدريجيًا من اكتساب نحو 40 رطلًا من خلال الجمع بين تمارين القوة وتناول الطعام بعناية وبصورة مقصودة. وفي البداية، إذا لم تكن قد وصلت إلى كمية السعرات الحرارية المستهدفة لذلك اليوم، كانت تلتقط ببساطة عبوة من البسكويت، أي شيء يساعدها على رفع الرقم. لكنها وجدت مع مرور الوقت توازنًا أكبر.
وتقول: «ليست كل السعرات الحرارية متساوية. يجب أن تتناول الأطعمة الكاملة». وتضيف أن عليك تناول الكثير منها.
واليوم، دربت بارنز أكثر من مئة امرأة على أساليبها لزيادة الوزن، ولديها عدد كبير من المتابعين على تيك توك. وتقول إنها فخورة بالجسم القوي الذي بنته.
وربما تضيف: «خمسة أرطال أخرى ستجعلني في أسعد حالاتي».
