القائمة الرئيسية

عالم السكريات الخفي داخل الخلايا

عالم السكريات الخفي داخل الخلايا
ملخص المقال

يسلط المقال الضوء على الدور المحوري للغليكانات، وهي بنى سكرية معقدة تشكل "وجه الخلية" على أسطحها، والتي ظلت طويلاً أقل استكشافًا مقارنة بالبروتينات والأحماض النووية. بفضل التقنيات الحديثة، بما في ذلك تلك الحائزة على جائزة نوبل، بدأ العلماء في رسم خريطة للغليكانوم، ليكتشفوا أن هذه الشبكات السكرية الكثيفة ضرورية للتواصل بين الخلايا، وتوجيه الاستجابات المناعية، والتأثير في نمو الخلية ووظائفها، وحتى استغلالها من قبل مسببات الأمراض. تظهر الأبحاث الحديثة أن الغليكانات تلعب دورًا حيويًا في كل شيء بدءًا من تطور السرطان وحماية الحاجز الدموي الدماغي إلى تعزيز المناعة ضد البكتيريا، مما يشير إلى أنها عناصر فاعلة رئيسية في الدراما البيولوجية للحياة وتوفر آفاقًا جديدة لفهم الصحة والمرض.

في الدراما البيولوجية التي تمثلها حياة الخلية، قد يخطر ببالك أن الحمض النووي هو كاتب السيناريو، والحمض النووي الريبوزي هو المخرج، والبروتينات هي نجوم العرض. لكن الحياة والكائنات الحية نادرًا ما تكون بهذه البساطة. فقد اتضح أن مجموعة أقل فهمًا من العناصر الفاعلة، وهي مجموعة من البنى السكرية المعروفة باسم الغليكانات، تضيف مزيدًا من التفاصيل والمعاني إلى الأحداث التي تجري على المسرح الخلوي.

وعلى مدى عقود، ظلت هذه الأغلفة السكرية للخلايا أقل استكشافًا مقارنة بالجزيئات الحيوية الأخرى مثل البروتينات والأحماض النووية. لكن مع ظهور تقنيات جديدة، من بينها تقنية تحليل حازت جائزة نوبل، بدأ العلماء في رسم خريطة لما أصبح يُعرف باسم «الغليكانوم»، أي مجموعة الغليكانات الموجودة في الكائن الحي.

ويكتشف العلماء أن لهذه الشبكات السكرية الكثيفة آثارًا بيولوجية كبيرة. فالغليكانات، المرتبطة كيميائيًا بالبروتينات والدهون الموجودة على سطح الخلية، توجه عملية التواصل وتبادل المواد بين الخلايا، وتوجه الاستجابات المناعية وتؤثر بدرجة كبيرة في وظائف الخلية ونموها، كما تستغلها الفيروسات المسببة للأمراض وغيرها من مسببات الأمراض للدخول إلى الخلايا. وترتبط الغليكانات بالجزيئات الحيوية لدى كل الكائنات الحية، بدءًا من الكائنات وحيدة الخلية وصولًا إلى الحيتان الزرقاء العملاقة، وكذلك لدى جميع العلماء الذين يدرسون كيفية عملها.

وكما هو الحال مع البروتينات التي تتكون من ربط الأحماض الأمينية الفردية بعضها ببعض، تتكون الغليكانات من مكونات كيميائية أصغر تحدد وظائفها. لكن على عكس الحمض النووي والحمض النووي الريبوزي والبروتينات، التي تتجمع وحداتها الأساسية في جزيئات خطية ذات خصائص يمكن التنبؤ بها، ترتبط الغليكانات بالبروتينات والدهون الموجودة على سطح الخلية في صورة أكثر تعقيدًا وفوضوية، تضم العديد من التفرعات المكونة من سكريات مثل الغلوكوز والغالاكتوز والمانوز والزيلوز.

تقول لورا كيسلينغ، عالمة الأحياء الكيميائية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «الغليكانات هي وجه الخلية. إنها الطريقة التي تستطيع بها الخلايا التعرف إلى بعضها بعضًا». فعلى سبيل المثال، تؤثر هذه السكريات الموجودة على سطح الخلية في نشاط وكثافة بروتين يُعرف باسم مستقبل عامل نمو البشرة، أو EGFR، وهو بروتين أساسي لنمو الخلايا وتكاثرها. ويؤثر ذلك بدوره في مدى حساسية الخلية للرسائل القادمة من خارجها، وفي سرعة انقسامها. ومع مرور الوقت، يمكن للتغيرات التي تطرأ على نمط الغليكانات أن تدفع الخلية السليمة تدريجيًا نحو مسار يؤدي إلى الإصابة بالسرطان.

وهذا لا يمثل سوى بروتين واحد من البروتينات العديدة الموجودة على سطح الخلية. إذ يمكن لتفاعلات الغليكان الأخرى أن تعزز الاستجابات المناعية المضادة للأورام، وتحارب مسببات الأمراض البكتيرية، وربما تساعد في الوقاية من شيخوخة الدماغ من خلال الحفاظ على سلامة الحاجز الدموي الدماغي.

يقول هانز فاندال، عالم الغليكانات في جامعة كوبنهاغن: «يمكن أن تكون الغليكانات وسيلة قوية حقًا لدفع العمليات البيولوجية». وفي مقال نُشر عام 2024 في «المراجعة السنوية للكيمياء الحيوية»، صنّف فاندال وباحثون آخرون العمليات المتنوعة التي تكتب «شفرة الغليكان»، وذلك من خلال إرفاق السكريات بالجزيئات الحيوية الموجودة على سطح الخلية باستخدام الإنزيمات، إلى جانب العدد الكبير من البروتينات المرتبطة بالغليكانات التي تقرأ هذه الشفرة.

عالم خفي

إن التعقيد الهائل لهذه البنى يجعل من المستحيل تحديد تسلسل الغليكانوم، أي المجموعة الكاملة من الغليكانات الموجودة في الكائن الحي، باستخدام تقنيات مماثلة لتلك المستخدمة بصورة روتينية لتحديد تسلسل المادة الوراثية والبروتينات. وإضافة إلى ذلك، لا تتجمع الغليكانات في بنى كبيرة ومعقدة مثل الكروموسومات يمكن رؤيتها باستخدام تقنيات المختبر الشائعة، بحسب عالم الكيمياء الحيوية ريتشارد كامينغز، الذي يدير مركز هارفارد الطبي لعلوم الغليكانات في بوسطن.

وفي الواقع، رغم أن العلماء كانوا قد رصدوا الغليكانات بحلول ستينيات القرن الماضي، عندما شاهدوا غلافًا سكريًا ضبابيًا يحيط بالخلايا في صور المجهر الإلكتروني، فقد استغرق الأمر عقودًا حتى أصبح من السهل تحديد الغليكانات المحددة الموجودة على أسطح الخلايا الحية. ومن بين التقنيات المهمة في هذا المجال تقنية تضع علامات فلورية على السكريات أثناء ارتباطها بالجزيئات داخل الخلايا، وقد حازت هذه التقنية تقديرًا من خلال جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2022.

ويعمل الباحثون الآن على دراسة الوظائف البيولوجية للجزيئات السكرية بطريقة أكثر منهجية وشمولًا، باستخدام أدوات مثل المصفوفات الدقيقة للغليكانات، التي تُحتضن فيها العينات البيولوجية مع شرائح تحتوي على نقاط صغيرة من الغليكانات. ثم تقيس المجسات الفلورية تفاعلات هذه النقاط مع البروتينات المرتبطة بالغليكانات أو الأجسام المضادة أو مسببات الأمراض أو الخلايا.

تعزيز المناعة وحماية الدماغ

استخدم كامينغز وزملاؤه في سويسرا مثل هذه المصفوفات الدقيقة للغليكانات لاكتشاف أن نسبة كبيرة، تزيد على ربع، من أكثر الأجسام المضادة شيوعًا في الجهاز المناعي، وهي الغلوبولين المناعي G، ترتبط بالسكريات والكربوهيدرات الأخرى، وليس بالبروتينات. وساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب تعرض الأطفال الذين يفتقرون إلى هذه الأجسام المضادة تحديدًا للإصابات البكتيرية المستمرة. فمن دون وجود وسيلة لاكتشاف السكريات الموجودة على أسطح البكتيريا، لا تستطيع أجهزتهم المناعية تكوين دفاع فعال ضد مسببات الأمراض هذه، رغم امتلاكهم استجابات طبيعية للأجسام المضادة الموجهة ضد البروتينات.

يقول كامينغز: «كان ذلك إنجازًا مهمًا في فهم الجهاز المناعي. فهو يرى الكربوهيدرات بطريقة مختلفة عن الطريقة التي يرى بها البروتينات».

واستخدم مختبر كيسلينغ المصفوفات الدقيقة للغليكانات لدراسة البروتينات التي ترتبط بالمخاط الذي يبطن الأمعاء البشرية. ومن بين هذه البروتينات بروتين «إنتلكتين 2»، الذي يستطيع الارتباط بالغليكانات البشرية والبكتيرية على حد سواء. ووفقًا لبحث نشره فريق كيسلينغ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في يناير، فإن ذلك يمثل تأثيرًا مزدوجًا. فإنتلكتين 2 لا يستطيع تثبيت الحاجز المخاطي للأمعاء من خلال التصاقه بالغليكانات البشرية فحسب، بل يستطيع أيضًا الارتباط بالغليكانات الموجودة على البكتيريا المسببة للأمراض، مما يوفر الحماية منها. وتتوافق هذه النتائج جيدًا مع تحليلات سابقة أجرتها كيسلينغ وزملاؤها الآخرون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أشارت إلى وجود دور مزدوج مشابه للغليكانات في مخاط الفم.

تقول كيسلينغ: «إن الربط بين هاتين الوظيفتين، اللتين ستتبين لاحقًا أنهما شائعتان في الكثير من هذه البروتينات، أمر رائع حقًا».

وركزت أبحاث أخرى على الغلاف السكري، أو «الغليكوكاليكس»، وهو غلاف سكري يتكون من غليكانات مرتبطة بالبروتينات والدهون، ويوجد على سطح الخلايا. وأظهرت دراسة أجريت عام 2018 على الفئران أن هذه الطبقة من الغليكانات سميكة بشكل خاص في الحاجز الدموي الدماغي، الذي يتكون من خلايا متراصة بإحكام وتنظم ما يدخل إلى الدماغ وما يخرج منه.

ويتفكك الحاجز الدموي الدماغي مع تقدم الإنسان في العمر أو عند الإصابة بأمراض التنكس العصبي. وتساءلت صوفيا شي، عالمة الأحياء العصبية في معهد رولاند بجامعة هارفارد، عما إذا كان الغليكوكاليكس يؤدي دورًا في هذا التدهور.

واتضح أن حدسها كان صحيحًا. فبإشراف عالمة الكيمياء في جامعة ستانفورد كارولين بيرتوزي، وعالم الأعصاب توني ويس كوراي، فحصت شي وزملاؤها أدمغة فئران صغيرة وأخرى مسنة باستخدام التصوير القائم على المجهر الإلكتروني، ووجدوا أن الغليكوكاليكس كان رقيقًا بصورة غير معتادة في الأوعية الدموية لدى الحيوانات الأكبر سنًا. وربطت شي هذا التغير بفئة معينة من السكريات تُعرف باسم الغليكانات المرتبطة بالأكسجين.

وفي الفئران التي تفتقر إلى الإنزيمات المسؤولة عن تجميع هذه الغليكانات، أصبح الحاجز الدموي الدماغي أكثر نفاذية وتسربًا. لكن عندما أعادت شي وزملاؤها إنتاج الغليكانات المرتبطة بالأكسجين في الحيوانات المتقدمة في العمر باستخدام تقنية فيروسية، أصبح الحاجز الدموي الدماغي أكثر قوة وتماسكًا.

وتجمع هذه النتائج بين علم الغليكانات وأبحاث الدماغ، وهما مجالان نادرًا ما يتقاطعان، بحسب شي. وتوضح: «في علم الأحياء السكري، يدرس الناس الغليكانات في الكثير من المجالات المختلفة، لكن ليس بالقدر نفسه في الدماغ، لأنه عضو معقد بحد ذاته». وبعد أن بدأت تقدم عروضها حول الغليكوكاليكس الموجود في الحاجز الدموي الدماغي، أصبح رد فعل الباحثين: «لم تكن لدي أي فكرة عن وجود هذا التركيب أصلًا!».

ولم يبدأ الباحثون سوى حديثًا في اكتشاف الدور الذي يؤديه الغليكانوم في العرض الخلوي للحياة. لكن من الواضح بالفعل أن هذه العناصر الفاعلة التي بدأت تظهر إلى الواجهة ستتاح لها فرص كثيرة لسرقة الأضواء، مع استمرار العلماء في استكشاف جذور الصحة والمرض.

المصدر

مقالات ذات صلة