- يُعد النحاس عنصراً أساسياً في عملية التحول نحو الكهرباء، إذ يؤدي دوراً محورياً في تشغيل شبكات الكهرباء والمركبات الكهربائية وتوربينات الرياح ومراكز البيانات.
- لا يمكن تلبية الطلب المتزايد من خلال توسيع المناجم وزيادة إعادة التدوير وحدهما، بل يجب أن يكون استخلاص المزيد من النحاس من المواد الموجودة بالفعل جزءاً من الحل.
- يمكن للكائنات الدقيقة أن تساعد في الوصول إلى مخزونات النحاس العالقة والمسجلة بالفعل ضمن أصول شركات التعدين، وإدخالها إلى سلاسل الإمداد العالمية.
كل نقاش جاد حول التوسع في استخدام الكهرباء ينتهي، عاجلاً أم آجلاً، إلى الحديث عن النحاس. فهذا المعدن يؤدي دوراً في تشغيل شبكات الكهرباء والمركبات الكهربائية وتوربينات الرياح ومراكز البيانات، وحتى الجهاز الذي تستخدمه الآن لقراءة هذا المقال. وتقريباً كل تقنية تدفع مسار تحول الطاقة تحتاج إلى كميات أكبر من النحاس.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع الطلب العالمي على النحاس من 26.7 مليون طن في عام 2024 إلى 31.3 مليون طن بحلول عام 2030، في ظل السياسات الحالية. وعند مناقشة هذه الفجوة، يتركز الحوار داخل قطاع التعدين عادة على عمليات الاكتشاف، وبالتحديد على تحديد موقع المنجم التالي ومدى السرعة التي يمكن بها الحصول على التراخيص اللازمة له وبدء بنائه.
هذه أسئلة ضرورية، لكن هناك خياراً آخر. فقد استُخرجت بالفعل كميات هائلة من النحاس من باطن الأرض. وفي كل يوم، يجري استخراج صخور تحتوي على النحاس، إلا أن كميات ضخمة من هذا المعدن لا تصل أبداً إلى السوق، بل تظل محتجزة في مواد منخفضة التركيز أو معقدة التركيب لأن الطرق التقليدية لا تستطيع استخلاصها بصورة مجدية اقتصادياً.
العالم يواجه مشكلة في استخلاص النحاس.
ولمواجهة الطلب المتزايد، نحتاج إلى بناء مناجم جديدة وتوسيع المناجم القائمة. كما نحتاج إلى إعادة تدوير كميات أكبر بكثير من النحاس. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يوفر النحاس المعاد تدويره حصة متزايدة من الطلب حتى عام 2040، مع توفر المزيد من المواد التي وصلت إلى نهاية عمرها التشغيلي.
ويمكن أن يمثل استخلاص النحاس من العمليات القائمة حلاً ثالثاً. فهو لن يحل محل المناجم الجديدة أو إعادة التدوير، لكنه يستطيع إضافة إمدادات جديدة وفق جدول زمني مختلف، بالاعتماد على بنية تحتية تعمل بالفعل. كما يمكنه تحويل المواد التي تقع حالياً دون الحد المطلوب للجدوى الاقتصادية إلى مورد منتج ذي قيمة.
لماذا لا يكون النحاس قابلاً للاستخلاص دائماً؟
قد يكون هناك مكمن يحتوي على النحاس، ومع ذلك لا يحقق أي قيمة تجارية. فالنجاح يعتمد على قدرة المشغّل على استخلاص المعدن بطريقة آمنة وموثوقة ومجدية من حيث التكلفة.
ويزداد ذلك صعوبة مع مرور الوقت. فمع انخفاض تركيز النحاس في الخامات، تضطر المناجم إلى معالجة كميات أكبر من الصخور لإنتاج الكمية نفسها من النحاس. وقد لا تتحرك محاليل الاستخلاص المستخدمة بالتساوي عبر هذه الصخور، أو قد يكون النحاس محصوراً داخل معادن تقاوم أساليب المعالجة التقليدية. كما أن بعض الصخور تُستخرج من المنجم، لكنها تظل تحتوي على كميات قيّمة من النحاس غير المستخلص، في حين لا تُستخرج صخور أخرى أصلاً لأن الجدوى الاقتصادية لا تسمح بذلك.
وغالباً ما يُنظر إلى هذه المواد على أنها نفايات، لكن هذا تصور خاطئ ومكلف، لأنها تمثل في الواقع مخزوناً عالقاً غير مستغل. فقد أنفقت الصناعة بالفعل رأس المال والطاقة والجهد التشغيلي اللازم للعثور على هذه الصخور واستخراجها وسحقها ونقلها. وبعبارة أخرى، تم بالفعل تحمل تكلفة الوصول إلى هذا المعدن، وهو موجود في الموقع، لكنه يفتقر ببساطة إلى وسيلة اقتصادية لاستخلاصه.
إن ترك ملايين الأطنان من النحاس عالقة ضمن أصول الشركات يمثل تجميداً هائلاً لرأس المال. وفي الوقت نفسه، تضطر الشركات إلى ضخ مليارات إضافية في عمليات استكشاف جديدة، رغم وجود أصول عالية القيمة بالفعل أمام أعينها.
وقد يستغرق تطوير منجم جديد بالكامل أكثر من عقد من الزمن، منذ الاكتشاف الأولي وحتى بدء الإنتاج التجاري، بسبب متطلبات التراخيص وتطوير البنية التحتية والالتزامات الرأسمالية الضخمة. ولا يزال تطوير المناجم بصورة مسؤولة أمراً ضرورياً، لكن الجداول الزمنية الطويلة للمشروعات الجديدة لا تستطيع معالجة نقص الإمدادات على المدى القصير.
لقد نشأت في ألاسكا. وكان والدي جيولوجياً يعمل في قطاع النفط والغاز في منطقة نورث سلوب، كما كان العديد من آباء أصدقائي يعملون في قطاع التعدين. كنا نقضي عطلات نهاية الأسبوع في صيد الأسماك والتنزه سيراً على الأقدام والاستمتاع بالطبيعة، في الوقت الذي كانت فيه عائلاتنا تعتمد في معيشتها على الصناعات الاستخراجية. وتعلمت في سن مبكرة أن التعدين والحفاظ على البيئة ليسا فكرتين متعارضتين بشكل مطلق، بل يمثلان حالة من التوازن والتوتر الذي يتعين على الناس والمجتمعات التعامل معه في حياتهم اليومية.
أقدم عمال المناجم في العالم هم الكائنات الدقيقة
تعمل الكائنات الدقيقة منذ مليارات السنين على تفكيك الصخور وتحريك المعادن وتحريرها منها. وقبل ظهور عمليات الاستخراج الصناعية بوقت طويل، كانت العمليات البيولوجية الطبيعية تعمل بالفعل على إذابة المعادن. واليوم، أصبحت هذه العملية، المعروفة باسم الاستخلاص الحيوي، طريقة تجارية مثبتة لاستخراج القيمة من الخامات منخفضة التركيز.
ويُعرف الرشح بالكومات بأنه عملية تُكدس فيها كميات كبيرة من الصخور المكسرة، ثم يُمرر خلالها محلول حمضي يتدفق ببطء داخل الكومة ويعمل على إذابة النحاس. وفي الاستخلاص الحيوي، تقوم الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل هذه الكومة بتحفيز التفاعلات الكيميائية التي تحرر المعدن وتنقله إلى المحلول، بحيث يمكن بعد ذلك استخلاصه.
ورغم أن كومة الرشح قد تبدو ظاهرياً مجرد كتلة ضخمة من الصخور، فإنها في الواقع بيئة حية ومتغيرة باستمرار. إذ تختلف الظروف داخلها من منطقة إلى أخرى، بما في ذلك التركيب المعدني ودرجة الحرارة والحموضة ومستويات الأكسجين والنفاذية والنشاط الميكروبي. وقد تعمل مجموعة من الكائنات الدقيقة بكفاءة في منطقة معينة أو في وقت محدد، ثم تتصرف بصورة مختلفة في منطقة أو وقت آخر، وهو ما يجعل القياس المستمر للظروف أمراً مهماً.
وقد حولت التطورات الحديثة في تحليل الكائنات الدقيقة والاستشعار في الوقت الفعلي والحوسبة السحابية الاستخلاص الحيوي إلى أداة عملية قابلة للاستخدام في استعادة النحاس. وأصبح بإمكان المشغلين قياس المجتمعات الميكروبية المستهدفة ونمذجتها وتحسين أدائها بشكل مستمر، بما يسمح لها بالتكيف بصورة ديناميكية مع الظروف المتغيرة.
منجم النحاس ليس مختبراً
غالباً ما تتعامل شركات التعدين بحذر مع التقنيات الجديدة، ولديها أسباب وجيهة لذلك. فقد تمثل منشأة الرشح بالكومات أصلاً تبلغ قيمته مليارات الدولارات ويجب أن يواصل العمل يومياً دون انقطاع. وإذا نجح تدخل جديد في إضافة بضع نقاط مئوية إلى معدل الاستخلاص، فقد يولد ذلك قيمة كبيرة. أما إذا أدى إلى تعطيل الإنتاج، فقد تكون العواقب أكبر بكثير.
لذلك، يتعين على المبتكرين تصميم تقنياتهم بما يتناسب مع الواقع الصناعي. فالنجاح داخل المختبر ليس سوى نقطة البداية. ويجب أن تندمج الأدوات البيولوجية بسلاسة مع العمليات التشغيلية، وأن تقلل المخاطر المحتملة على التشغيل إلى أدنى حد، وأن تقدم دليلاً قابلاً للتحقق على أدائها على نطاق واسع من خلال التطبيق المنضبط والمراقبة في الوقت الفعلي.
ومن خلال استخدام الاستشعار المستمر والإدارة الحيوية التكيفية للعمليات، يمكن تعديل جرعات الكائنات الدقيقة المستهدفة بما يمنع الاختلالات الكيميائية أو مخاطر التصريف الحمضي. ويساعد ذلك على حماية العمليات الأساسية للرشح بالكومات مع تعظيم كمية النحاس المستخلصة. وفي النهاية، يتمثل الاختبار التجاري الحقيقي في قدرة هذه التقنيات على استخلاص المزيد من النحاس بأمان وموثوقية وجدوى اقتصادية في الظروف الفعلية للمناجم.
استخلاص النحاس يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية الإمدادات
قد يأتي الطن التالي من النحاس الذي يحتاجه العالم من مكمن جديد. وقد يأتي من كابل قديم يُعاد إلى سلسلة الإمداد عبر التدوير. أو ربما يأتي من صخور استُخرجت بالفعل من الأرض وتقع حالياً داخل أحد المناجم العاملة.
إن دمج عمليات استخلاص النحاس ضمن التخطيط الأساسي للإمدادات يغير الطريقة التي ينظر بها مشغلو المناجم إلى مخزوناتهم من المواد. فالمواد التي كانت تُعتبر في السابق نفايات يمكن أن تتحول إلى مخزون قابل للاستخلاص. كما يمكن للمستثمرين قياس القيمة استناداً إلى الكميات الاقتصادية من النحاس التي أصبح من الممكن استغلالها، في حين تستطيع الحكومات تسريع برامج اختبار هذه التقنيات واعتمادها إلى جانب إجراءات التراخيص التقليدية ومبادرات إعادة التدوير.
إن تلبية الطلب العالمي المتزايد على النحاس ستتطلب استخدام جميع الأدوات الاستراتيجية المتاحة، بما في ذلك اكتشاف مناجم جديدة، وتوسيع نطاق إعادة التدوير، وتعظيم كميات النحاس المستخلصة من المواد الموجودة بالفعل.
أما الخياران الأولان، فهما مدرجان بالفعل ضمن معظم استراتيجيات الإمداد. في حين أن الخيار الثالث موجود بالفعل في مواقع المناجم، وقد دُفعت تكلفته مسبقاً، وهو ينتظر فقط أن يتم إدراجه ضمن الموارد القابلة للاستغلال.
