القائمة الرئيسية

ما هي الثانية الكبيسة ولماذا يتجه العالم إلى إلغائها؟

ما هي الثانية الكبيسة ولماذا يتجه العالم إلى إلغائها؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة مفهوم "الثانية الكبيسة" التي استُخدمت منذ سبعينيات القرن الماضي لمواءمة التوقيت الذري مع دوران الأرض، وتوضح كيف تحولت ثانية واحدة إضافية إلى مصدر لمشكلات تقنية معقدة قد تعطل المواقع الإلكترونية والرحلات الجوية والشبكات وأنظمة التداول، كما تستعرض تأثير تغير المناخ في سرعة دوران الأرض، ولماذا يتجه خبراء قياس الوقت إلى التخلي نهائيًا عن هذا النظام وربما استبداله بحلول جديدة في المستقبل.

  • منذ سبعينيات القرن الماضي، كانت تُضاف ما تُعرف بـ"الثواني الكبيسة" بشكل دوري إلى التوقيت العالمي، بهدف إبقاء الوقت الفلكي التقليدي متوافقًا مع الوقت الذري عالي الدقة.
  • يمكن أن تؤدي إضافة ثانية واحدة فقط إلى اضطرابات خطيرة في البنية التحتية التكنولوجية العالمية، بما في ذلك تعطل مواقع إلكترونية، وتأخر رحلات جوية، وفشل بعض الشبكات.
  • وبسبب المشكلات التقنية التي تسببها هذه الثواني، إلى جانب تأثير تغير المناخ في سرعة دوران الأرض، صوّت خبراء قياس الوقت رسميًا لصالح التخلي عن الثانية الكبيسة بحلول عام 2035، وقد يحدث ذلك في وقت مبكر يصل إلى عام 2027.

يقول فورد بريفكت، أحد الشخصيات الرئيسية في رواية "دليل المسافر إلى المجرة" للكاتب دوغلاس آدامز: "الوقت مجرد وهم، أما وقت الغداء فهو وهم مضاعف."

وبمعنى ما، فإن بريفكت محق، فالوقت ليس قيمة مطلقة، بل هو مفهوم ابتكره الإنسان، وكان يُقاس تقليديًا بالاعتماد على دوران الأرض، ثم أصبح في العصر الحديث يعتمد بصورة متزايدة على الساعات الذرية. ولأن هاتين الطريقتين لقياس الوقت لا تتطابقان تمامًا، أُدخل مفهوم الثانية الكبيسة في سبعينيات القرن الماضي لمعالجة هذا الاختلاف.

لكن الأنظمة الإلكترونية لا تتعامل جيدًا مع الثواني الكبيسة، إذ تسببت في تعطل مواقع إلكترونية وتأخير رحلات جوية، كما دفعت شركات التكنولوجيا إلى تطوير طرق خاصة للتعامل معها من أجل تجنب أعطال تقنية واسعة النطاق تشبه في تأثيرها المخاوف التي صاحبت مشكلة عام 2000.

وبعد عقود من الأبحاث والنقاشات، صوّت أعضاء المكتب الدولي للأوزان والمقاييس في عام 2022 لصالح إلغاء الثواني الكبيسة نهائيًا اعتبارًا من عام 2035. ومع ذلك، قد يتم التخلي عنها في وقت أبكر، ربما اعتبارًا من عام 2027، في وقت يناقش فيه الخبراء إمكانية اعتماد ما يُسمى بـ"الساعة الكبيسة" بدلًا منها.

ما هي الثانية الكبيسة؟

لا توجد طريقة واحدة فقط لقياس الوقت. ففي حين كان الوقت الفلكي، أو الشمسي، هو الطريقة التقليدية لقياس الزمن، شهدت ستينيات القرن الماضي ظهور الساعات الذرية، التي تقيس الوقت بالاعتماد على خصائص ذرات السيزيوم-133، وهي التقنية المستخدمة في تحديد التوقيت العالمي المنسق، المعروف اختصارًا باسم UTC.

في البداية، كان الوقت القائم على دوران الأرض والوقت الذري متوافقين تقريبًا، إلا أن دوران الأرض تباطأ بمرور الزمن، ما أدى إلى اتساع الفارق تدريجيًا بين النظامين.

وكان الحل يتمثل في إضافة ثوانٍ كبيسة لسد هذا الفارق. ومنذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، تمت إضافة 37 ثانية كبيسة إلى التوقيت العالمي.

إلا أن تغير المناخ بدأ يؤثر بدوره في هذا الاتجاه. فالتغيرات التي تحدث في توزيع الكتل على سطح الأرض، نتيجة ذوبان الجليد في المناطق القطبية، تؤثر في سرعة دوران الكوكب، ما قد يغيّر طبيعة الفارق بين الوقت الفلكي والوقت الذري.

وقد يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى الحاجة إلى حذف ثانية من التوقيت بدلًا من إضافتها، فيما يُعرف بـ"الثانية الكبيسة السالبة".

وسيساعد قرار المكتب الدولي للأوزان والمقاييس الصادر في عام 2022 بالتخلي عن الثواني الكبيسة على تجنب هذا السيناريو، كما سيخفف المشكلات الكبيرة التي تسببت فيها هذه الثواني للعاملين في مجالات الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات.

لماذا تواجه الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات ومتداولو الأسهم صعوبة مع الثواني الكبيسة؟

وفقًا لمهندسي شركة ميتا، فإن "كل ثانية كبيسة تمثل مصدرًا كبيرًا للمشكلات بالنسبة إلى الأشخاص المسؤولين عن إدارة البنى التحتية للأجهزة".

فعلى سبيل المثال، في عام 2012، أدت إضافة ثانية كبيسة إلى أعطال واسعة النطاق في نواة نظام لينكس، وهي الجزء الأساسي من نظام التشغيل الذي يعمل كحلقة وصل بين مكونات الحاسوب المادية والبرمجيات، وذلك لأن النظام لم يتمكن من التعامل بشكل صحيح مع دقيقة تتكون من 61 ثانية.

وتعطلت نتيجة لذلك مجموعة من المواقع الإلكترونية، من بينها لينكدإن وريديت، كما علق عدد من ركاب شركة كانتاس للطيران بعد تعطل نظام تسجيل الرحلات لديها بسبب المشكلة نفسها.

وتُعد الثانية الواحدة فترة زمنية طويلة نسبيًا بالنسبة إلى أنظمة الاتصالات المحمولة وشبكات الكهرباء وشبكات الحاسوب بشكل عام، إذ تعتمد جميعها على التزامن بدقة تصل إلى أجزاء صغيرة جدًا من الثانية.

كما تحدث عمليات التداول عالي التردد في أسواق الأسهم خلال أجزاء من الألف أو حتى أجزاء من المليار من الثانية، ما يجعل أي تغيير مفاجئ بمقدار ثانية كاملة أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى هذه الأنظمة.

وقد طورت العديد من الشركات المتأثرة بالثواني الكبيسة حلولها الخاصة للتعامل معها.

فعلى سبيل المثال، تستخدم غوغل تقنية تعرف باسم "تمويه الثانية الكبيسة"، حيث يتم توزيع الثانية الإضافية تدريجيًا على عدة ساعات قبل موعدها وبعده، بدلًا من إضافتها دفعة واحدة.

وتتبع شركات أخرى، من بينها أمازون وميتا ومايكروسوفت، استراتيجيات مشابهة تهدف إلى جعل الانتقال أكثر سلاسة وتقليل المشكلات التي قد تنتج عن اختلاف أنظمة قياس الوقت.

لماذا يتم التخلي عن الثانية الكبيسة؟

أصبح الحفاظ على التوافق بين الوقت الفلكي والتوقيت العالمي المنسق أكثر صعوبة مع مرور الوقت، خصوصًا مع ازدياد عدم انتظام سرعة دوران الأرض.

ويرجع ذلك جزئيًا إلى التغيرات المناخية التي تؤثر في المناطق القطبية. فعندما يذوب الجليد، يُعاد توزيع كتلة المياه على سطح الأرض، بما في ذلك انتقال جزء منها نحو المناطق الأقرب إلى خط الاستواء، وهو ما يؤثر بدوره في سرعة دوران الكوكب.

وقد جعلت هذه التغيرات الحفاظ على التوافق الدقيق بين الوقت الفلكي والتوقيت العالمي المنسق أكثر تعقيدًا.

وعلى المدى الطويل، قد تصبح هناك حاجة إلى تطبيق ثانية كبيسة سالبة لتصحيح هذا الاختلاف، أي حذف ثانية كاملة بدلًا من إضافتها.

وقد دفع احتمال حدوث ذلك الهيئات الدولية المسؤولة عن وضع معايير قياس الوقت إلى التفكير في تقديم موعد التخلي عن نظام الثواني الكبيسة، بحيث يبدأ تطبيق التغيير في وقت أبكر مما كان مقررًا.

وقد يتم اتخاذ قرار بهذا الشأن في وقت قريب، عندما يجتمع المندوبون الوطنيون المشاركون في المؤتمر العام للأوزان والمقاييس في مدينة فرساي.

وبدلًا من الاستمرار في التعامل مع ثوانٍ كبيسة موجبة أو سالبة، سيُسمح للوقت الذري بالابتعاد تدريجيًا عن الوقت الفلكي، ما سيجعل نظام قياس الوقت العالمي أقل اعتمادًا على دوران الأرض.

ويقترح بعض الخبراء السماح لهذا الفارق بأن يزداد تدريجيًا حتى يصل يومًا ما إلى نحو 60 دقيقة، إلا أن العلماء يؤكدون أن وصول الفرق بين الوقت الفلكي والوقت الذري إلى ساعة كاملة سيستغرق على الأرجح آلاف السنين.

المصدر

مقالات ذات صلة