- تشير أبحاث جديدة إلى أن سرطان الثدي الإيجابي لمستقبل HER2 ومرضين يصيبان شبكية العين قد يكلفان 11 اقتصاداً في منطقة آسيا والمحيط الهادئ نحو 180 مليار دولار من خسائر الإنتاجية خلال العقد المنتهي في عام 2027.
- عادة ما يتم احتساب الإنفاق الصحي، لكن القيمة التي تحميها الصحة من خلال العمل والدخل والاستقلالية والرعاية غير المدفوعة تظل أقل وضوحاً بكثير.
- يمكن لثلاثة تحولات رئيسية أن تساعد على سد هذه الفجوة: الاعتراف بالقيمة الكاملة التي تخلقها الصحة، وتوسيع نطاق تقييم التدخلات الصحية، وجعل الرعاية غير المدفوعة أكثر وضوحاً ضمن المؤشرات الوطنية.
ما القيمة الحقيقية للصحة؟ تشهد منطقة آسيا والمحيط الهادئ شيخوخة سكانية متسارعة، لكن العيش لفترة أطول لا يعني دائماً التمتع بصحة أفضل. وهذا يترك آثاراً لا تقتصر على الأنظمة الصحية، بل تمتد إلى قدرة الأشخاص على الاستمرار في العمل، والعيش باستقلالية، ورعاية من حولهم. ومع ذلك، تُتخذ القرارات بناءً على جزء فقط من هذه الصورة، إذ يُحتسب الإنفاق الصحي بصورة منتظمة، بينما تظل نسبة كبيرة من القيمة التي تحافظ عليها الصحة الجيدة غير مرئية.
وما لا يتم قياسه يصبح أصعب في الحماية وتحديد الأولويات والاستثمار فيه. وتسعى أبحاث جديدة أجراها معهد WifOR بالتعاون مع شركة روش إلى وضع قيمة رقمية لهذا الجانب المفقود.
مجالان مرضيان وعبء بقيمة 180 مليار دولار
تبحث الدراسة في مجالين مرضيين عبر 11 اقتصاداً في منطقة آسيا والمحيط الهادئ: سرطان الثدي الإيجابي لمستقبل HER2، الذي غالباً ما يتم تشخيصه لدى النساء في مرحلة ما زلن خلالها يعملن ويربين أسرهن، ومرضين يصيبان شبكية العين هما التنكس البقعي المرتبط بالعمر من النوع الوعائي الحديث والوذمة البقعية السكرية، وكلاهما يهدد القدرة على الإبصار التي يحتاج إليها الأشخاص للعمل والعيش باستقلالية ورعاية الآخرين.
عندما يتم تشخيص امرأة، غالباً في ذروة سنوات حياتها العملية والعائلية، بسرطان الثدي، تكون التداعيات المباشرة إنسانية في المقام الأول: الخوف، والعلاج، وتحرك أفراد الأسرة لدعمها. لكن التداعيات الاقتصادية تظهر لاحقاً وفي أماكن أخرى، من خلال انقطاع العمل، وفقدان الدخل، والحاجة إلى تولي شخص آخر مسؤوليات الرعاية. وعندما يبدأ شخص مسن في فقدان بصره، غالباً ما يتكرر النمط نفسه، إذ يتحمل الزوج أو الزوجة أو الأبناء مسؤوليات إضافية، وقد يضطرون إلى تقليص ساعات عملهم.
إنها أمراض مختلفة ومراحل مختلفة من الحياة، لكن النمط واحد: ينتقل أثر تدهور الصحة عبر أفراد الأسرة، فيغير من يعمل، ومن يكسب دخلاً، ومن يقدم الرعاية، ومن يستطيع الحفاظ على استقلاليته. نحن ندرك هذه التداعيات بصورة بديهية، لكننا لا نقيسها بالقدر نفسه من الانتظام.
وتشير أبحاث معهد WifOR إلى أن سرطان الثدي الإيجابي لمستقبل HER2 وأمراض شبكية العين ستكون قد كلفت 11 اقتصاداً في منطقة آسيا والمحيط الهادئ نحو 180 مليار دولار من الإنتاجية المفقودة خلال العقد الممتد حتى عام 2027. والتكلفة الإجمالية الحقيقية أكبر من ذلك، إذ لا تشمل هذه التقديرات الوقت والدخل اللذين يخسرهما مقدمو الرعاية، أو فقدان الاستقلالية، أو الاضطرابات التي تتحملها الأسر. كما أن الخسائر مستمرة في الارتفاع، إذ يُتوقع أن تزيد التكلفة السنوية لكل حالة مرضية بنحو الثلث بين عامي 2023 و2027.
تكاليف لا يقوم أحد بجمعها
تتوزع التداعيات الأوسع لتدهور الصحة بين الأسر وأصحاب العمل والإيرادات العامة، ولا يوجد حساب واحد يسجلها جميعاً.
وفي استطلاع شمل أكثر من 4,300 شخص فوق سن الأربعين في ثمانية أسواق بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، توقع 46% من المشاركين أن يؤدي فقدان البصر إلى الحد من قدرتهم على مواصلة العمل. ومن بين الأشخاص الذين يقدمون الرعاية لشخص يعاني ضعف البصر، أفاد 95% بأنهم يواجهون تحديات كبيرة، بينما أشار واحد من كل أربعة إلى خسارة جزء من دخله.
ومن أكبر الجوانب التي لا تحظى بالاهتمام الكافي العمل غير المدفوع الأجر. فالطهي ورعاية الأطفال وكبار السن أنشطة تدعم الأسر وتمكّن الاقتصاد الرسمي من الاستمرار. وعندما يتعذر القيام بهذا العمل، يتحمل شخص آخر المسؤولية أو يضطر إلى تقليص عمله المدفوع الأجر.
وفي العديد من المنازل بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، تمثل الأسرة متعددة الأجيال شبكة الأمان الأولى، وهي تعتمد على أعمال لا تظهر في الحسابات الاقتصادية الرسمية: أجداد يعتنون بالأحفاد بينما يعمل الوالدان، وأزواج يعتنون بشركائهم، وأبناء بالغون يقدمون الدعم لوالديهم المتقدمين في السن. والعمل غير المدفوع لا يختفي لمجرد أنه غير مُقاس، بل تتحمله الأسر، وغالباً ما يقع العبء الأكبر منه على النساء.
في المقابل، توجد أدلة موثقة جيداً على الجدوى الاقتصادية للاستثمار في الصحة. فكل دولار واحد يُستثمر في صحة العيون في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل يمكن أن يحقق عائداً تقديرياً بقيمة 28 دولاراً. كما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن التشخيص المبكر والعلاج الشامل لسرطان الثدي قد يحقق عائداً يصل إلى 7.80 دولار مقابل كل دولار يتم استثماره. وتعتمد نسبة كبيرة من هذه العوائد، جزئياً، على الابتكار من خلال تطوير وسائل أفضل للوقاية من الأمراض وتشخيصها وعلاجها وتقديم الرعاية الصحية.
كيف يمكن لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ سد هذه الفجوة؟
تعمل الحكومات في مختلف أنحاء المنطقة بالفعل على التكيف مع تحديات المجتمعات المتقدمة في السن. ومن شأن قياس ما تعيده الصحة إلى المجتمع والاقتصاد بالجدية نفسها التي يتم بها احتساب الإنفاق الصحي أن يشكل امتداداً طبيعياً لهذه الجهود. وهناك ثلاثة تحولات يمكن أن تساعد على تحقيق ذلك.
1. الاعتراف بالقيمة الكاملة التي تخلقها الصحة
عندما يحافظ الناس على صحتهم، تتراكم الفوائد على مدار سنوات من خلال استمرارهم في العمل، وتمتعهم بالاستقلالية، وانخفاض حاجتهم إلى الرعاية. وتلتقط الميزانيات السنوية النفقات المباشرة، لكنها قد تغفل هذه المكاسب طويلة الأجل. ويمكن للأطر التي تتبنى رؤية زمنية أطول أن تتيح لصناع القرار التخطيط لهذه الفوائد والاستفادة منها.
2. توسيع نطاق تقييم التدخلات الصحية
تعتمد عمليات التقييم الحالية عادة على الموازنة بين الفائدة السريرية والسلامة والتكلفة التي يتحملها النظام الصحي، وهي عوامل ستظل أساسية. غير أن إضافة منظور مجتمعي يشمل التأثير على الإنتاجية، ووقت مقدمي الرعاية، والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية، عندما تتوافر أدلة موثوقة، من شأنه أن يمنح صناع القرار أساساً أشمل لتقييم القيمة الحقيقية للتدخلات الصحية.
3. جعل الرعاية غير المدفوعة أكثر وضوحاً
توثق الإحصاءات الوطنية العمل المدفوع بصورة أكثر انتظاماً بكثير من الرعاية غير المدفوعة التي تحدث إلى جانبه، مثل رعاية الأطفال وكبار السن والدعم المنزلي الذي يسمح للآخرين بالاستمرار في وظائفهم المدفوعة.
ومن شأن إدراج هذه المساهمات ضمن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية أن يجعل جانباً كبيراً من القيمة الخفية أكثر وضوحاً، وأن يعزز جودة القرارات المتعلقة بالشيخوخة والأمراض المزمنة وقدرة الأنظمة الصحية على الصمود.
وقد يبدو التدخل الصحي مختلفاً تماماً عند تقييمه بما يتجاوز ميزانية الصحة لسنة واحدة، بحيث يؤخذ في الاعتبار استمرار الأشخاص في العمل، ووقت مقدمي الرعاية، والاستقلالية، إلى جانب النتائج السريرية.
وهنا تصبح القيمة الأوسع للابتكار الصحي أكثر وضوحاً، إذ يمكن للتطورات التي تحافظ على قدرة الأشخاص على العمل والاستقلالية وتقلل الأعباء التي تتحملها الأسر أن تخلق قيمة تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من القطاع الصحي نفسه.
لماذا نحتاج إلى شراكات داخل قطاع الرعاية الصحية وخارجه؟
لا تستطيع مؤسسة واحدة تحقيق ذلك بمفردها، لأن قيمة الصحة تنشأ في مجالات تتجاوز القطاع الصحي نفسه، كما أن عوائدها تمتد بدورها إلى قطاعات أخرى.
ولهذا يتطلب الأمر شراكات واسعة عبر منظومة الرعاية الصحية وخارجها، بحيث يؤدي الباحثون والأنظمة الصحية وأصحاب العمل والمجتمع المدني والقطاع الصناعي أدواراً أساسية ومتكاملة.
لا تحتاج الصحة إلى عائد اقتصادي حتى تكون لها قيمة إنسانية. لكن قيمتها الاقتصادية والمجتمعية حقيقية أيضاً، وتجاهل قياسها يؤدي إلى اتخاذ قرارات تستند إلى صورة غير مكتملة.
أما الأنظمة التي تدرك ما يكسبه المجتمع عندما يحافظ الناس على صحتهم، وما تتحمله الأسر عندما تتدهور صحتهم، فستكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات أفضل بشأن الشيخوخة والأمراض المزمنة والاستثمار الصحي.
القيمة موجودة بالفعل. والمهمة الآن هي قياسها.
