القائمة الرئيسية

لماذا اخترت تأسيس شركة للذكاء الاصطناعي في أوروبا؟

لماذا اخترت تأسيس شركة للذكاء الاصطناعي في أوروبا؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة أسباب اختيار أوروبا لتأسيس وبناء شركات الذكاء الاصطناعي الطموحة، مسلطةً الضوء على وفرة المواهب التقنية، والبيئة التي تفرض التفكير عالمياً منذ البداية، وقدرة الشركات الأوروبية على جذب استثمارات ضخمة من مختلف أنحاء العالم. كما تستعرض التحديات التي لا تزال تواجه القارة، مثل تعقيد التنظيمات ونقص تمويل النمو، وتوضح كيف يمكن لأوروبا، رغم ذلك، أن تتحول إلى مركز عالمي لبناء شركات تكنولوجية رائدة بمليارات الدولارات.

  • نحو 30% من شركات «اليونيكورن» الأوروبية، أي الشركات الناشئة الأعلى قيمة في المنطقة، تنتقل إلى دول أخرى.
  • يسلّط تقرير حديث صادر عن مبادرة «قادة من أجل النمو والقدرة التنافسية في أوروبا» التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي الضوء على مجموعة من التدخلات التي يمكن أن تساعد في إبقاء أكثر الشركات الشابة الواعدة داخل أوروبا.
  • يشرح المؤسس المشارك لشركة Parloa، إحدى شركات اليونيكورن الأوروبية، لماذا اختار تأسيس شركته في أوروبا والاستمرار فيها.

النصيحة التقليدية التي يتلقاها أي مؤسس طموح لشركة في مجال الذكاء الاصطناعي تبدو واضحة ومباشرة: انتقل إلى الولايات المتحدة.

توفر منطقة خليج سان فرانسيسكو على وجه الخصوص فرصاً استثنائية للوصول إلى رأس المال والمواهب، إلى جانب ثقافة تؤمن بأن الشركات الشابة قادرة على التحول إلى شركات عالمية رائدة في مجالاتها. وأنا أتفهم تماماً جاذبية ذلك. فقد عشت ودرست في الولايات المتحدة، واختار العديد من أصدقائي هذا المسار. كما أؤمن بأن أي شركة تكنولوجيا أوروبية تعمل في مجال التعامل بين الشركات ولديها طموحات عالمية تحتاج بالفعل إلى حضور قوي ومؤثر في السوق الأمريكية.

لكن عندما أسسنا شركة Parloa في ألمانيا، اخترنا مكاناً يوفر، من نواحٍ عديدة، أساساً قوياً بشكل استثنائي لبناء شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي الموجه للمؤسسات.

توفر أوروبا مخزوناً عميقاً من المواهب التقنية، وتجبر الشركات على تطوير القدرات التشغيلية اللازمة للوصول إلى نطاق عالمي، كما تتيح للمؤسسين الوصول إلى رؤوس الأموال من مختلف أنحاء العالم.

أوروبا تمتلك عمقاً تقنياً أكبر مما يُعتقد

الميزة الأولى التي تتمتع بها أوروبا هي عمق قاعدة المواهب التقنية لديها.

وفقاً للتقرير السنوي الصادر حديثاً عن مبادرة «قادة من أجل النمو والقدرة التنافسية في أوروبا» التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، يدرس 27% من طلاب الجامعات في الاتحاد الأوروبي تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، مقارنة بنحو 20% في الولايات المتحدة.

تضم أوروبا جامعات عالمية المستوى، ومؤسسات بحثية تحظى باحترام كبير، فضلاً عن إرث طويل من التميز العلمي والهندسي. وعلى مدى العقدين الماضيين، أنشأت العديد من أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية أيضاً مراكز هندسية وبحثية رئيسية في أنحاء المنطقة. واستثمرت هذه الشركات في فرق تقنية في مدن مثل زيورخ ولندن وميونيخ وباريس وبرلين ووارسو، مما ساهم في تكوين قاعدة واسعة من المهندسين الذين عملوا على منتجات وبنى تحتية على نطاق عالمي.

كما تمتلك أوروبا منظومة متنامية من الشركات الناشئة التي تزداد طموحاً باستمرار. ففي كل عام، يتم تأسيس نحو 900 شركة جديدة مدعومة برأس المال الاستثماري تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو عدد مماثل تقريباً لما يتم تأسيسه في الولايات المتحدة. وبشكل عام، تضم القارة أكثر من 35 ألف شركة في مراحلها المبكرة، ما يمنح المهندسين الموهوبين عدداً هائلاً من الفرص لتطوير منتجات وخدمات جديدة.

أوروبا تدفعك إلى التفكير عالمياً منذ البداية

الميزة الثانية لأوروبا تفرض في البداية عملاً إضافياً على المؤسس.

يمكن لشركة تنطلق في الولايات المتحدة أن تطور منتجاتها لسوق محلية واحدة ضخمة وبلغة واحدة، ثم تبدأ التوسع الدولي لاحقاً. أما الشركة التي تبدأ في أوروبا، فتجد نفسها بسرعة أمام متطلبات لغوية جديدة، وتوقعات مختلفة من العملاء، وأطر قانونية متعددة، وأساليب متباينة في ممارسة الأعمال عبر الحدود. وهذا التعقيد يجبر المؤسسين على تصميم منتجاتهم ومؤسساتهم لتكون قابلة للتوسع الدولي في مرحلة مبكرة جداً.

تعمل Parloa على تطوير وكلاء ذكاء اصطناعي لخدمة تجربة العملاء، ويُعد الصوت أحد أصعب أشكال الذكاء الاصطناعي من حيث إتقانه. واللغة ليست سوى البداية. فالنبرة، وأنماط المقاطعة أثناء الحديث، واللهجات، والتوقعات تختلف من بلد إلى آخر، بل وحتى من منطقة إلى أخرى داخل البلد نفسه. وما قد يبدو طبيعياً تماماً باللغة الإنجليزية يمكن أن يبدو غير ملائم إطلاقاً بالألمانية أو الفرنسية أو الإسبانية أو الإيطالية. ولذلك، فإن بناء الشركة في أوروبا جعل القدرة على دعم لغات متعددة جزءاً أساسياً من بنيتنا التقنية منذ البداية، بدلاً من إضافتها لاحقاً إلى منتج صُمم أساساً لسوق واحدة.

وينطبق المبدأ نفسه على هيكل الشركة. فالمؤسسون الأوروبيون يتعلمون في وقت مبكر كيفية دخول أسواق جديدة، وتوظيف أشخاص في ولايات قضائية مختلفة، وخدمة عملاء لديهم متطلبات تنظيمية ومتطلبات شراء متباينة. وفي مجال برمجيات المؤسسات، يتعلمون أيضاً التعامل مع الحوكمة والأمن وخصوصية البيانات باعتبارها قدرات أساسية في المنتج منذ البداية.

ورغم أن هذه المرحلة الأولى في أوروبا تتطلب جهداً أكبر، فإن العائد منها يتمثل في بناء أساس أقوى بكثير. فعندما تنجح التكنولوجيا والأنظمة التشغيلية في العمل عبر لغات متعددة وولايات قضائية مختلفة وبيئات مؤسسية شديدة المتطلبات، يصبح التوسع الدولي لاحقاً أكثر سهولة وقابلية للتكرار.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي الموجه للشركات. فالمؤسسات الكبرى تتوقع من التكنولوجيا أن تعمل في دول متعددة، وأن تتكامل مع أنظمة معقدة، وأن تلتزم بمعايير عالية فيما يتعلق بالأمن والحوكمة والموثوقية.

إن تعقيد السوق الأوروبية يمثل تدريباً عملياً على كيفية تحقيق التوسع العالمي.

«وجود المقر الرئيسي لشركة في أوروبا لا يضع سقفاً لرأس المال الذي يمكن لشركة استثنائية الوصول إليه.»

الطموح العالمي قادر على جذب رأس المال العالمي

الحجة الثالثة التي كثيراً ما يسمعها المؤسسون تتعلق بالتمويل.

صحيح أن الولايات المتحدة تمتلك أسواقاً رأسمالية أكثر عمقاً بكثير، خصوصاً في مرحلة النمو، وهي المرحلة الحاسمة بين تطوير المنتج والتوسع الكامل في العمليات. وقد حددت مبادرة «قادة من أجل النمو والقدرة التنافسية في أوروبا» هذه الفجوة بشكل صحيح. وتحتاج أوروبا إلى بذل جهود أكبر بكثير لتوجيه رؤوس أموالها نحو التكنولوجيا والابتكار.

لكن بالنسبة إلى كل شركة على حدة، فإن السؤال الحاسم هو ما إذا كان المستثمرون العالميون يؤمنون بقدرتها على قيادة فئتها في السوق.

وتوضح شركات الذكاء الاصطناعي الأوروبية بالفعل مدى حرية حركة رأس المال حول العالم. ففي وقت سابق من هذا العام، أعلنت شركة Legora، التي يقع مقرها في ستوكهولم، عن جولة تمويل من الفئة D بقيمة 550 مليون دولار، بقيادة مستثمر أمريكي بارز.

كما جمعت شركة Lovable، التي تأسست هي الأخرى في ستوكهولم، في وقت أحدث 400 مليون دولار في جولة تمويل شارك في قيادتها مستثمر أمريكي، مما رفع تقييم الشركة إلى 13.3 مليار دولار، مع استمرار مركز ثقل عملياتها في أوروبا.

أما Parloa، فقد جمعت أكثر من 560 مليون دولار من مستثمرين على جانبي المحيط الأطلسي.

كما يهدف صندوق Scaleup Europe، الذي أُطلق حديثاً، إلى المساهمة في معالجة فجوة التمويل بين الولايات المتحدة وأوروبا، وكان من بين المستثمرين في جولة تمويل لشركة Mistral بلغت قيمتها 3.5 مليار دولار وأُعلن عنها هذا الأسبوع.

تختلف هذه الشركات في منتجاتها وأسواقها وتاريخها، لكنها جميعاً تثبت الفكرة الأساسية نفسها: وجود المقر الرئيسي لشركة في أوروبا لا يضع سقفاً لرأس المال الذي يمكن لشركة استثنائية الوصول إليه.

فالمستثمرون الأمريكيون يبحثون بشكل متزايد عن أقوى شركات الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء العالم. وهذا يعني أن بإمكان الشركة بناء أسسها في أوروبا، ثم التوسع بقوة في الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه جذب أفضل المستثمرين من القارتين.

الجيل القادم من المؤسسين الأوروبيين

لا يزال أمام أوروبا الكثير من العمل.

فنحن بحاجة إلى اتخاذ قرارات أسرع، وتنظيمات أبسط، وسوق أكثر توحيداً. كما تحتاج القارة إلى المزيد من رؤوس الأموال المحلية المخصصة للنمو، وإلى ثقافة أقوى تدعم الشركات على المدى الطويل. وهذه السلبيات حقيقية، لكنها تظل محدودة إلى درجة لا تجعلها قادرة فعلياً على تقييد طموحات شركة عظيمة أو تحديد مصيرها.

ومع وجود الأشخاص المناسبين، والعقلية الصحيحة، والاستعداد للتحرك بسرعة وحزم، يستطيع المؤسسون بناء شركات سريعة النمو انطلاقاً من أوروبا.

فقد أسس دانيال إيك Spotify انطلاقاً من السويد، وبنى روبرت غينتز Zalando من ألمانيا، وأسس نيكولاي ستورونسكي Revolut من المملكة المتحدة. وكل نجاح من هذه النجاحات جذب المزيد من المواهب ورؤوس الأموال والثقة إلى المنظومة، وألهم الجيل التالي من المؤسسين لمواصلة رفع سقف الطموحات.

ويمتلك الجيل الحالي من شركات الذكاء الاصطناعي فرصة لمواصلة وتعزيز هذا التأثير التراكمي.

فما الهدف النهائي الذي ينبغي السعي إليه؟

يجب أن يصبح القول: «أريد أن أبني شركة بقيمة 100 مليار دولار في أوروبا» أمراً طبيعياً، لا استثناءً.

لقد اخترت بناء Parloa في أوروبا، ليس لأنها المكان الأسهل لبدء شركة، بل لأنني أؤمن بأنها واحدة من أفضل الأماكن لبناء شركة قادرة على ترك أثر يمتد عبر الأجيال، وبأنها قادرة على الاستمرار في أداء هذا الدور مستقبلاً.

المصدر

مقالات ذات صلة