القائمة الرئيسية

البنية التحتية الحيوية تتسابق لتبنّي الذكاء الاصطناعي… لماذا يجب أن تسبق الرؤية التشغيلية كل شيء؟

البنية التحتية الحيوية تتسابق لتبنّي الذكاء الاصطناعي… لماذا يجب أن تسبق الرؤية التشغيلية كل شيء؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة تسارع دمج الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية الحيوية مقابل ضعف قدرات المراقبة والأمن في البيئات التشغيلية، محذّرة من أن زيادة الاعتماد على الأنظمة الذكية قد تخلق ثغرات خطيرة تعيق فهم الحوادث واحتواءها، ومؤكدة أن حوكمة الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الرؤية التشغيلية، والاستعداد لفشل الأنظمة أو الموردين، يجب أن تسبق أي توسع سريع في تبنّي هذه التقنيات.

  • يتسارع تبنّي الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي بوتيرة تفوق تطور قدرات المراقبة الأمنية داخل البيئات التشغيلية.
  • بدأت جهات تهديد سيبراني مدعومة من دول بالفعل في رسم خرائط لحلقات التحكم المادية بهدف استهداف البنية التحتية الحيوية.
  • تحتاج المؤسسات إلى وضع ضوابط صارمة لحوكمة الذكاء الاصطناعي وتحقيق رؤية واضحة للبيئات التشغيلية قبل أن تتسع مناطق العمى الأمني.

في مختلف القطاعات الصناعية والبنى التحتية الحيوية، نتجه بسرعة نحو مستقبل مدعوم بالذكاء الاصطناعي يحمل وعوداً هائلة بتحسين الكفاءة ورفع مستوى الأداء وتعزيز القدرة التنافسية. لكننا في المقابل لا نتعامل بالجدية الكافية مع المخاطر التي يمكن أن يفرضها الذكاء الاصطناعي على الأنظمة الصناعية التي تقوم عليها الحياة الحديثة.

يحظى الأمن السيبراني لتقنيات المعلومات المؤسسية ولنماذج الذكاء الاصطناعي نفسها باهتمام متزايد، إلا أن التركيز على تأثير الذكاء الاصطناعي في سلامة البيئات التشغيلية وأمنها وقدرتها على الصمود لا يزال متأخراً بدرجة كبيرة. فلا يمكن تحقيق ثورة في الذكاء الاصطناعي من دون الطاقة والبنية التحتية، كما لا يمكن الحفاظ على الطاقة والبنية التحتية لفترة طويلة من دون أمن سيبراني فعال لتكنولوجيا التشغيل.

وتؤكد نتائج تقرير Dragos لعام 2026 حول الأمن السيبراني لأنظمة تكنولوجيا التشغيل وأنظمة التحكم الصناعية واقعاً مقلقاً، إذ إن الجهات المعادية تنشط بالفعل داخل بيئات صناعية لا تقوم بمراقبتها بالشكل الكافي. ومن شأن تبنّي الذكاء الاصطناعي أن يجعل مشكلة ضعف الرؤية هذه أكثر تعقيداً بكثير.

لماذا يتسارع التغيير مع تطور تكنولوجيا التشغيل؟

على مدى الأربعين عاماً الماضية، تطورت بيئات تكنولوجيا التشغيل من أنظمة تحكم ميكانيكية إلى أنظمة رقمية، ثم تحولت خلال الثلاثين عاماً الماضية من شبكات معزولة إلى بنى تحتية متصلة عبر بروتوكولات الإنترنت. وخلال العقدين الماضيين، أصبحت هذه البيئات أنظمة أتمتة معقدة تجمع بين تكنولوجيا التشغيل وتكنولوجيا المعلومات وأجهزة إنترنت الأشياء.

وقد تسارع هذا التحول بصورة كبيرة خلال العقد الأخير. فالتطور الرقمي حقق مكاسب هائلة في الكفاءة، لكنه في الوقت ذاته أنشأ مساحات جديدة للهجوم السيبراني وأوجد مستويات من الاعتماد المتبادل لم ننجح حتى الآن في تأمينها بالشكل المناسب.

واليوم ندخل المرحلة التالية، وهي دمج الذكاء الاصطناعي في بيئات تكنولوجيا التشغيل. لكن المشكلة أن وتيرة التبنّي تتقدم أسرع من قدرتنا على إدارة المخاطر المصاحبة لها.

الذكاء الاصطناعي يدخل إلى حلقات التحكم

بدأت المصانع وشبكات الكهرباء ومراكز البيانات وغيرها من المؤسسات التي تعتمد على عمليات مادية في نقل الذكاء الاصطناعي من الأدوار المساندة إلى داخل حلقات التحكم نفسها، مستفيدة من القدرة الأساسية لهذه الأنظمة على التأثير مباشرة في العالم المادي.

ويعمل بعض الرواد في هذا المجال بالفعل على نشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي ووحدات التحكم والبرمجيات ضمن العمليات التشغيلية. كما تستكشف بعض المؤسسات إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء في مزارع البطاريات والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وقطاع التعدين وغيرها من مجالات البنية التحتية الحيوية.

وتدفع مجالس الإدارة والمديرون التنفيذيون والمستثمرون باتجاه تسريع هذا التبنّي. وينتج عن ذلك ضغوط لتقليص فترات الاختبار والتحقق، وتراجع مستوى التدقيق في الموردين الجدد، إضافة إلى ارتفاع درجة التعقيد داخل هذه البيئات إلى مستويات غير مسبوقة.

مشهد التهديدات لا ينتظر

كشف تقرير عام 2026 حول الأمن السيبراني لتكنولوجيا التشغيل وأنظمة التحكم الصناعية أن الجهات التي تستهدف هذه البيئات تجاوزت مرحلة خطيرة جديدة.

فقد انتقلت عدة مجموعات تهديد مرتبطة بجهات حكومية ومنظمات إجرامية حول العالم إلى مرحلة رسم خرائط فعلية لحلقات التحكم. ويتضمن ذلك تحديد محطات العمل الهندسية، واستخراج ملفات الإعداد وبيانات الإنذارات، وتعلم كيفية عمل العمليات المادية بدرجة تسمح لاحقاً بتعطيلها. ومن بين هذه المجموعات ELECTRUM وKAMACITE.

وقضت مجموعة KAMACITE أشهراً في رسم خرائط منهجية لحلقات التحكم داخل بنى تحتية في الولايات المتحدة. أما مجموعة ELECTRUM، المسؤولة عن الهجمات التي استهدفت شبكة الكهرباء الأوكرانية في عامي 2015 و2016، فقد أمضت عقداً كاملاً في تطوير قدراتها ضد الأهداف الأوكرانية.

ومثل هذه الخبرة، بمجرد اكتسابها، لا تبقى محصورة في منطقة جغرافية واحدة. ففي ديسمبر 2025، استهدفت ELECTRUM بولندا ونفذت أول هجوم سيبراني كبير ومنسق في العالم ضد موارد الطاقة الموزعة، بما في ذلك أنظمة إدارة الطاقة المتجددة، وهي تحديداً من بين أنواع البنية التحتية التي يجري حالياً توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين أدائها.

وعندما يحدث خلل ما داخل بيئة لتكنولوجيا التشغيل، سواء بسبب هجوم سيبراني أو عطل تقني أو خطأ تشغيلي، تحتاج المؤسسات إلى القدرة على إجراء تحليل دقيق للسبب الجذري للمشكلة.

لكن عدداً كبيراً من المؤسسات لا يستطيع القيام بذلك. فإما أنها تعتمد على أنظمة مراقبة خاصة بتكنولوجيا المعلومات لا تغطي بيئات تكنولوجيا التشغيل، أو أنها استثمرت بدرجة محدودة جداً في الرؤية التشغيلية، بحيث تصبح عند وقوع حادث عاجزة عن معرفة ما حدث، أو متى وقع، أو لماذا.

ويزيد تبنّي الذكاء الاصطناعي هذه المشكلة سوءاً، لأنه يضيف طبقات جديدة من القرارات المستقلة إلى بيئات تعاني أصلاً من نقص في الرؤية والمراقبة.

سيناريوهان للفشل يستدعيان الاهتمام الآن

مع دمج المؤسسات لقدرات اتخاذ القرار المستقل في البنية التحتية الحيوية، تبرز حالتان محتملتان للمخاطر توضحان لماذا يجب إعطاء الأولوية للرؤية التشغيلية والقدرة على الصمود قبل التوسع السريع في النشر.

سيناريو الخطر الأول: اختفاء تقنيات الذكاء الاصطناعي وبياناتها بسبب تصحيح في السوق

من المرجح أن يشهد سوق الذكاء الاصطناعي مرحلة تصحيح في وقت ما. والسؤال هنا هو: ماذا سيحدث لعملياتك إذا أصبح أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي أو البيانات المرتبطة به غير متاح بشكل مفاجئ بين ليلة وضحاها؟

يجب على المؤسسات أن تسأل منذ الآن: ما الضمانات والتزامات الاستمرارية التي يقدمها موردو حلول الذكاء الاصطناعي؟ وهل يمكن للمؤسسة مواصلة العمل يدوياً أو باستخدام الأنظمة القديمة إذا أصبح الذكاء الاصطناعي غير متاح؟

فوتيرة التبنّي الحالية قد تجعل بعض المؤسسات تعتمد على أنظمة يمكن أن تختفي فجأة أو تتوقف عن العمل.

سيناريو الخطر الثاني: مناطق العمى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تعيق تحليل الأسباب الجذرية

كلما جعل الذكاء الاصطناعي البيئات التشغيلية أكثر تعقيداً، أصبح من الصعب بدرجة أكبر فهم ما يحدث داخل الأنظمة.

وسواء كان السبب هجوماً سيبرانياً أو عطلاً تقنياً أو خطأً تشغيلياً، تحتاج المؤسسات إلى بيانات يتم جمعها باستمرار من البيئات التشغيلية حتى تتمكن من إجراء تحليل للسبب الجذري بعد وقوع أي حادث.

ونحن نرى هذه الفجوة بالفعل في البيئات الحالية. لكن اعتماد الذكاء الاصطناعي سيجعلها أكثر خطورة بكثير بالنسبة إلى المؤسسات التي لا تمتلك قدرات مراقبة كافية.

ما الذي يجب على المؤسسات فعله الآن؟

أولاً، يجب على المؤسسات وضع حوكمة واضحة لتبنّي الذكاء الاصطناعي، بحيث تخضع هذه التقنيات للمستوى نفسه من الاختبار والتحقق والتقييم المستمر الذي طُبق تاريخياً على أنظمة التحكم.

ويجب على القادة إدراك مخاطر السماح للضغوط التنافسية بالتفوق على الانضباط الهندسي الذي ساهم طوال سنوات في الحفاظ على سلامة العمليات التشغيلية.

ثانياً، يجب على المؤسسات نشر قدرات رؤية ومراقبة مصممة خصيصاً لتكنولوجيا التشغيل منذ الآن، قبل أن يؤدي توسع استخدام الذكاء الاصطناعي إلى زيادة التعقيد بصورة أكبر.

وأظهرت بيانات التقرير أن المؤسسات الصناعية التي تمتلك رؤية شاملة لبيئات تكنولوجيا التشغيل استطاعت اكتشاف حوادث برامج الفدية واحتواءها خلال خمسة أيام في المتوسط، مقارنة بمتوسط يبلغ 42 يوماً على مستوى القطاع ككل.

فلا يمكن للمدافعين مواجهة التهديدات التي لا يستطيعون رؤيتها بالشكل المناسب، كما لا يمكن لفرق الأمن التحقيق في حوادث لم يتم تسجيلها أصلاً. ومع زيادة التعقيد بفعل الذكاء الاصطناعي، ستتسع فجوات الرؤية بدرجة أكبر.

ثالثاً، يجب التخطيط لاحتمالات الفشل من خلال فهم سيناريوهات التهديدات التي تحدث بالفعل.

وينبغي توثيق جميع أوجه اعتماد المؤسسة على الذكاء الاصطناعي، وفهم ما سيحدث إذا فشل أحد الأنظمة أو أحد الموردين، مع الحفاظ على القدرة على مواصلة العمليات من دون الذكاء الاصطناعي عندما تقتضي الحاجة ذلك.

الدفاع ممكن وقابل للتنفيذ

نحن نعرف بالفعل كيفية تأمين الأنظمة الصناعية المعقدة، كما أن المواهب والتقنيات المطلوبة موجودة.

ويمكن للدول أن تتعاون وتوحد جهودها حول هدف حماية المدنيين والأسر والبنية التحتية المشتركة.

لكن المطلوب أولاً هو إدراك وجود هذه المشكلة، وفتح حوار لمعالجتها بين المؤسسات والقطاعات المختلفة، ثم الانتقال إلى التنفيذ وتطبيق الإجراءات الوقائية المناسبة.

إن الضغوط من أجل الابتكار باستخدام الذكاء الاصطناعي حقيقية، وسوف تستمر في التزايد. لكن المؤسسات التي ستنجح على المدى الطويل ستكون تلك التي تستعد للمخاطر قبل وقوعها.

المصدر

مقالات ذات صلة