القائمة الرئيسية

السباق العالمي نحو الأمن السيبراني المقاوم للكمّ يدخل مرحلة جديدة... لماذا يهم ذلك؟

السباق العالمي نحو الأمن السيبراني المقاوم للكمّ يدخل مرحلة جديدة... لماذا يهم ذلك؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة التحول المتسارع نحو الأمن السيبراني المقاوم للحوسبة الكمية، في ظل تزايد المخاوف من قدرة الحواسيب الكمية مستقبلًا على اختراق أنظمة التشفير الحالية. وتستعرض تحركات الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وإفريقيا للاستعداد لهذا التهديد، موضحةً لماذا لم يعد الانتقال إلى التشفير ما بعد الكمي خيارًا بعيد المدى، بل ضرورة تتطلب من المؤسسات البدء منذ الآن في تطوير المرونة التشفيرية، وحصر أنظمة التشفير، وتعزيز العشوائية القابلة للتحقق لحماية البيانات والبنية التحتية الرقمية قبل وصول ما يُعرف بـ«اليوم الكمي».

  • تقلّصت الفجوة بين المخاطر المستقبلية للحوسبة الكمية وبين خطط الأمن السيبراني الحالية بشكل كبير خلال العام الماضي.
  • بدأ صانعو السياسات حول العالم بالفعل التحرك نحو الأمن السيبراني المقاوم للكمّ، ومن المتوقع أن يلحق بهم القطاع الخاص.
  • ينبغي للمؤسسات ألا تنتظر صدور التشريعات، بل أن تبدأ من الآن في دمج الاستعداد للعصر الكمي ضمن استراتيجياتها للأمن السيبراني.

أطلقت وزارة الخزانة الأمريكية في أغسطس فريق عمل للاستعداد للحوسبة الكمية مخصصًا للقطاع المالي، وجمعت من خلاله الجهات الحكومية والمؤسسات المالية ومزودي البنية التحتية التكنولوجية للعمل ضمن ثلاثة محاور رئيسية: الانتقال إلى التشفير ما بعد الكمي، والاستعداد لدى الأطراف الثالثة والموردين، ومخاطر الأصول الرقمية والتقنيات الناشئة.

وجاء إطلاق هذا الفريق بعد أشهر قليلة من تسريع الولايات المتحدة وتيرة السباق العالمي نحو الأمن السيبراني المقاوم للكمّ. ففي 22 يونيو، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرين تنفيذيين، يهدف الأول إلى تعزيز الحوسبة الكمية المتقدمة، بينما يوجّه الثاني الوكالات الفيدرالية إلى الانتقال إلى التشفير ما بعد الكمي بحلول عام 2030 لحماية الأصول الفيدرالية، وبحلول عام 2031 بالنسبة لأنظمة المصادقة. وتاريخيًا، عندما يتحرك القطاع العام أولًا، خصوصًا في الولايات المتحدة، غالبًا ما تلحق به الأسواق الخاصة.

ولا تتحرك الولايات المتحدة وحدها. ففي أوروبا، نشرت المفوضية الأوروبية بالفعل خارطة طريق منسقة تحث الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على بدء الانتقال إلى التشفير ما بعد الكمي بحلول نهاية عام 2026، مع توقع انتقال البنية التحتية الحيوية إليه بحلول عام 2030.

وفي الوقت نفسه، أعلنت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن السيبراني أنها ستتوقف اعتبارًا من عام 2027 عن اعتماد المنتجات الأمنية التي تفتقر إلى تشفير مقاوم للحوسبة الكمية، مع توقع أن تصبح جميع مشتريات الحكومة والبنية التحتية الحيوية مقاومة للكمّ بحلول عام 2030.

وتسير اليابان في مسار مماثل. فمن خلال برنامجها الوطني لمعايير التشفير، تعمل الحكومة اليابانية على دمج التشفير ما بعد الكمي ضمن المعايير الوطنية، ووضع الأسس اللازمة للانتقال إليه في مختلف الجهات الحكومية والبنى التحتية الحيوية.

ما معنى «أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا» في الأمن السيبراني خلال العصر الكمي؟

يبرز هنا سؤال مهم: ما المقصود اليوم بمفهوم «أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا» في مجال الأمن السيبراني؟ فرغم أن القوانين الأوروبية، مثل قانون المرونة التشغيلية الرقمية، والتوجيه الثاني لأمن الشبكات والمعلومات، وقانون المرونة السيبرانية، تضع معايير للأمن السيبراني، فإن أيًا منها لا يفرض صراحةً استخدام التشفير ما بعد الكمي. ومع ذلك، فإنها جميعًا تطالب المؤسسات بتطبيق تدابير تواكب «أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا».

وقد بدأت الجهات الرقابية المالية في توضيح ما يعنيه هذا المعيار عمليًا. ففي 7 يوليو، أبلغ البنك المركزي الأوروبي الرؤساء التنفيذيين للبنوك بأن التقدم في الحوسبة الكمية سيؤثر في الأمن السيبراني، وأن تبني التشفير ما بعد الكمي يجب أن يبدأ من الآن من خلال استثمارات استراتيجية، مضيفًا أنه سيتناول لاحقًا، في خطاب مخصص، المخاطر الناشئة التي تواجه أساليب التشفير التقليدية.

وبعد يومين، أصدرت هيئة الإشراف على الأسواق المالية في سويسرا توجيهات تطالب المؤسسات بوضع خطة انتقال، وإجراء تحليل للمخاطر، وإنشاء جرد شامل لأنظمة التشفير، والحماية من هجمات «الحصاد الآن وفك التشفير لاحقًا»، والتعاون مع مزودي الخدمات الخارجيين، والانتقال نحو المرونة التشفيرية.

والرسالة واضحة: يجب أن يصبح الاستعداد للعصر الكمي جزءًا من تخطيط الأمن السيبراني الحالي، لا مجرد طموح بعيد المدى.

ويتزايد الزخم أيضًا في مختلف أنحاء إفريقيا، رغم أن معظم الدول لم تعتمد بعد استراتيجيات مخصصة للتشفير ما بعد الكمي. ومع ذلك، تعمل الحكومات في القارة بسرعة على توسيع مجالات ستحتاج حتمًا إلى الاستعداد للعصر الكمي، بما في ذلك البنية التحتية الرقمية، وأنظمة الهوية، والتكنولوجيا المالية.

وتدعم مبادرة «Quantum Leap Africa» في رواندا أبحاث الحوسبة الكمية والتعليم في هذا المجال، بينما تناولت الورقة البيضاء التي أصدرها اتحاد إفريقيا للحوسبة الكمية عام 2026، تحت عنوان «تأمين العمود الفقري الرقمي لإفريقيا»، مسألة الانتقال إلى أنظمة التشفير ما بعد الكمي.

ويمكن لبناء أنظمة أمنية مقاومة للحوسبة الكمية في مرحلة مبكرة أن يمنع عمليات انتقال مكلفة في المستقبل، وأن يعزز المرونة السيبرانية. كما ستحتاج المؤسسات حول العالم إلى الامتثال للمعايير الدولية للأمن السيبراني التي تحددها أوروبا والولايات المتحدة، إضافة إلى المتطلبات التي تفرضها سلاسل التوريد في الأسواق المستهدفة.

ما هو التهديد الكمي؟

يحمي التشفير الحديث كل شيء تقريبًا، من الرسائل الخاصة والخدمات المصرفية عبر الإنترنت إلى السجلات الصحية والاتصالات الحكومية والبنية التحتية الحيوية، وذلك تحديدًا لأن اختراقه باستخدام أسرع الحواسيب الفائقة المتاحة اليوم سيستغرق وقتًا لا يمكن تصوره.

لكن حاسوبًا كميًا يتمتع بقدرات كافية قد يتمكن من تنفيذ المهمة نفسها خلال فترة زمنية أقصر بكثير، ما قد يجعل عددًا كبيرًا من أنظمة الأمن الرقمي المستخدمة حاليًا عرضة للخطر.

ولا تشكل الحواسيب الكمية المتوفرة حاليًا تهديدًا مباشرًا بعد، إلا أن التطورات الأخيرة في الأجهزة والخوارزميات تشير إلى أن الجدول الزمني للوصول إلى هذه القدرات قد يكون أقصر مما كان متوقعًا. ففي عام 2025، أشارت أبحاث أجرتها غوغل إلى أن عدد البتات الكمية اللازمة لكسر تشفير RSA قد ينخفض بنحو 20 ضعفًا، من 20 مليون بت كمي إلى أقل من مليون، وهو ما يقلص الفجوة بين المتطلبات النظرية وإمكانات الأجهزة الفعلية.

وفي مارس 2026، قدّرت دراسة لاحقة أُجريت بالتعاون مع إيثيريوم وجامعة ستانفورد أن كسر تشفير المنحنى الإهليلجي المستخدم في التوقيعات الرقمية قد يتطلب أقل من 500 ألف بت كمي، وهو أيضًا انخفاض يُقدَّر بنحو 20 ضعفًا.

وبصرف النظر عن مدى دقة هذا الجدول الزمني، هناك استنتاج واحد أصبح من الصعب تجاهله بشكل متزايد: على غرار ما حدث خلال جائحة عام 2020، لا يمكننا الانتظار حتى تحل لحظة «اليوم الكمي» حتى نبدأ الاستعداد لها.

ويوصي مركز الأمن السيبراني التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي بثلاث خطوات ينبغي للمؤسسات اتخاذها استعدادًا لعملية الانتقال في مجال التشفير:

  • إجراء جرد شامل لأنظمة التشفير لتحديد الأماكن التي يُستخدم فيها التشفير داخل المؤسسة.
  • تطوير المرونة التشفيرية بما يسمح بتحديث الخوارزميات دون الحاجة إلى عمليات إعادة تصميم مكلفة.
  • تطبيق مفهوم الدفاع متعدد الطبقات من خلال الجمع بين عدة مستويات من الحماية، مثل استخدام التشفير التقليدي إلى جانب التشفير ما بعد الكمي.

ولا تكمن المشكلة في نقص الوعي بقدر ما تكمن في نقص التخطيط. فقد أظهر استطلاع أجرته هيئة الإشراف على الأسواق المالية في سويسرا وشمل 60 مؤسسة مالية سويسرية أنها تدرك المخاطر السيبرانية التي قد تفرضها الحواسيب الكمية، لكنها تفتقر إلى خرائط طريق واضحة للانتقال أو خطط استشرافية للمستقبل.

لماذا يشير مفهوم «أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا» بالفعل إلى هذا الاتجاه؟

يتقاطع الابتكار مع التنظيم في تشريعات مثل قانون المرونة التشغيلية الرقمية، والتوجيه الثاني لأمن الشبكات والمعلومات، وقانون المرونة السيبرانية، وهي جميعها تشريعات صُممت لتكون محايدة من الناحية التكنولوجية. فهي تطالب المؤسسات بتبني تدابير للأمن السيبراني تواكب «أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا»، ما يتيح قدرًا من المرونة مع تطور التقنيات.

ولا يمكن للمؤسسات أن تفترض أنها ملتزمة بالمتطلبات لمجرد أن تقنيات محددة لم تُذكر بالاسم بعد، خصوصًا في ظل تطوير الاتحاد الأوروبي معايير للتشفير ما بعد الكمي، وهو ما يسهم تدريجيًا في تشكيل معنى مفهوم «أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا».

ويمتد الأمر إلى ما هو أبعد من مجرد اختيار الخوارزمية. فالتشفير الآمن يعتمد على مصادر عالية الجودة من العشوائية أو ما يُعرف بـ«الإنتروبيا»، وهي العشوائية الحقيقية المستخدمة في توليد المفاتيح.

ويمكن للعشوائية الضعيفة أن تقوض حتى أقوى الخوارزميات. فإذا تمكن مهاجم من تضييق نطاق المفاتيح المحتملة، فقد يتمكن من العثور على المفتاح الصحيح من دون الحاجة إلى كسر الأسس الرياضية للخوارزمية نفسها.

ولا يؤدي الانتقال إلى خوارزميات ما بعد الحوسبة الكمية إلى إلغاء هذا الاعتماد، إذ تعتمد مفاتيح التشفير ما بعد الكمي أيضًا على مصادر العشوائية نفسها. وبالتالي، فإن استخدام خوارزمية مقاومة للحوسبة الكمية مع عشوائية ضعيفة لا يجعل النظام آمنًا حقًا.

والعنصر الأساسي هنا هو العشوائية القابلة للتحقق، أي العشوائية التي يمكن قياسها وإثباتها بشكل مستمر بدلًا من افتراض وجودها فحسب. ويضمن التحقق القدرة الفعلية على إثبات عدم إمكانية التنبؤ بالمخرجات، ما يجعل العشوائية خاصية أمنية قابلة للقياس.

وتشدد جهات الاعتماد على أهمية التقييم والأدلة، وستفحص بدقة الفارق بين العشوائية المعلنة والعشوائية الفعلية. وتساعد مصادر العشوائية الكمية على سد هذه الفجوة، لأن عدم القدرة على التنبؤ بها ناتج عن عمليات فيزيائية يمكن قياسها واعتمادها. والنقطة الأساسية هنا هي قابلية التحقق، بينما تعمل الفيزياء كوسيلة لتحقيق ذلك.

لماذا يجب دمج الاستعداد للعصر الكمي في الأمن السيبراني؟

تقلصت الفجوة بين المخاطر المستقبلية للحوسبة الكمية وبين خطط الأمن السيبراني الحالية بشكل كبير خلال العام الماضي. ولا تحتاج المؤسسات إلى التنبؤ بالموعد الدقيق لوصول الحواسيب الكمية إلى قدراتها الكاملة، بل يكفي أن تدرك أن التوقعات والمعايير المتعلقة بالأمن السيبراني آخذة في التغير.

والاتجاه العالمي بات واضحًا: الولايات المتحدة تتحرك من خلال إجراءات فيدرالية، وأوروبا من خلال التشريعات والمعايير، واليابان عبر معاييرها الوطنية، بينما تمتلك إفريقيا فرصة لدمج المرونة أمام الحوسبة الكمية في الأنظمة الجديدة منذ مراحل إنشائها.

وغالبًا ما تحدد الحكومات توجهات الأسواق في مراحل مبكرة، بما يؤثر في تبني التكنولوجيا من قبل القطاعات المختلفة. وقد أظهر التاريخ أن أولويات القطاع العام تساهم في تشكيل استخدام التكنولوجيا على نطاق واسع. وبمجرد أن تبدأ الحكومات في اشتراط أن تكون الأنظمة المستخدمة في القطاع العام والبنية التحتية الحيوية مقاومة للحوسبة الكمية، ستلحق بها حوافز القطاع الخاص والأسواق.

وبالنسبة للمؤسسات، فإن النهج الأفضل لا يتمثل في انتظار التشريعات، بل في دمج الاستعداد للحوسبة الكمية، والمرونة التشفيرية، والعشوائية القابلة للتحقق ضمن استراتيجيات الأمن السيبراني الحديثة منذ الآن.

المصدر

مقالات ذات صلة