القائمة الرئيسية

هل يستطيع العلم أن يصنع ورقة نبات أفضل؟

هل يستطيع العلم أن يصنع ورقة نبات أفضل؟
ملخص المقال

تُظهر الأبحاث الحديثة أن العلماء يحاولون تطوير «أوراق اصطناعية» و«أوراق حيوية» تتجاوز قدرات الأوراق النباتية الطبيعية في التقاط الطاقة الشمسية والاستفادة من كفاءتها الكيميائية. فالأوراق الطبيعية لا تستخدم سوى نحو 1% من الضوء الساقط عليها، بينما تستطيع أنظمة التمثيل الضوئي الاصطناعي الحديثة استخدام ما يصل إلى 10% من أشعة الشمس لفصل الماء وإنتاج الهيدروجين، الذي يمكن تحويله بواسطة البكتيريا إلى وقود وبلاستيك ومواد دوائية وأسمدة، بل والمساعدة في إزالة ثاني أكسيد الكربون. وفي اتجاه آخر، جرى تعديل نباتات مثل السبانخ لتعمل كمستشعرات قادرة على اكتشاف المتفجرات والسموم من خلال تغيرات يمكن رصدها بصريًا، كما يمكن توظيف النباتات المعدلة لامتصاص الملوثات والمعادن الثقيلة أو حتى تركيز المعادن الثمينة مثل الذهب. وتستند هذه التطبيقات إلى القدرات الكيميائية الطبيعية للنباتات في تحليل المواد المحيطة بها، مع توسيعها بالتقنيات الحيوية والهندسية، بما يفتح المجال أمام استخدام النباتات لإنتاج الطاقة والمواد الصناعية، ومراقبة البيئة، وتنظيف الملوثات، وربما استخراج الموارد، لتصبح الطبيعة والتكنولوجيا شريكين في بناء أنظمة أكثر كفاءة واستدامة.

من تعقيد الكائنات الحية الدقيقة إلى عظمة أشجار السيكويا الحمراء، من الواضح أن الطبيعة بارعة في الهندسة. لكن في بعض الحالات، يعتقد الكيميائيون أنهم قادرون على التفوق على الطبيعة. ولنأخذ الورقة النباتية الشائعة مثالاً على ذلك.

تُعد الورقة النباتية، من نواحٍ عديدة، أعجوبة حقيقية، فهي قادرة على إنتاج مئات المركبات الكيميائية الحيوية المصممة بدقة. كما تسمح الأوراق للنباتات، من خلال عملية التمثيل الضوئي، بأن «تتغذى» على ضوء الشمس، وذلك بتحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كيميائية، وهي العملية التي تشكل أساس السلسلة الغذائية بأكملها.

لكن حتى أسرع النباتات نمواً وأكثرها كفاءة، مثل قصب السكر والذرة، لا تستخدم سوى نحو 1% من الضوء الساقط عليها، بينما تعكس أو تهدر بقية الضوء. كما أن العديد من المركبات الكيميائية الحيوية التي تنتجها الأوراق ضارة أو منفرة، إذ تنتج مركبات مُرّة تساعد على إبعاد الحيوانات عن قضمها.

ولهذه الأسباب، يحاول العلماء إعادة تصور الورقة النباتية. وتحاول ما تسمى «الأوراق الاصطناعية» التفوق على عملية التمثيل الضوئي من خلال التقاط قدر أكبر من الطاقة الشمسية. وفي الوقت نفسه، يهدف العمل الموازي على «الأوراق الحيوية» إلى الاستفادة من الآلات الكيميائية الحيوية للنباتات في تصنيع الأسمدة، ومراقبة التهديدات البيئية، بل وحتى استخراج المعادن الثمينة.

في جوهر عملية التمثيل الضوئي، يجري فصل جزيئات الماء إلى الهيدروجين H2 والأكسجين O باستخدام الكلوروفيل. ثم تجمع النباتات الهيدروجين مع ثاني أكسيد الكربون بطرق مختلفة لإنتاج وقود كيميائي، مثل السكر. ومن بين هاتين الخطوتين، تُعد الخطوة الأولى أصعب بكثير وأكثر استهلاكاً للطاقة.

يمكن استخدام البلاتين في المختبر لفصل جزيئات الماء بسهولة نسبية، لكن ارتفاع تكلفة هذا المعدن يحد من إمكانية استخدامه على نطاق صناعي. ولم تصبح عملية التمثيل الضوئي الاصطناعي مجدية من حيث التكلفة إلا خلال العقد الماضي، مع ظهور محفزات رخيصة تعتمد على الكوبالت والفوسفور. وعند دمج هذه المحفزات مع الإلكترونيات المناسبة، يمكنها استخدام ما يصل إلى 10% من أشعة الشمس لفصل جزيئات الماء.

وللدقة، فإن تسمية هذه الأنظمة «أوراقاً اصطناعية» ليست وصفاً دقيقاً تماماً، فالمعدات تبدو أقل شبهاً بورقة خضراء رقيقة لشجرة القيقب أو البلوط، وأكثر شبهاً بطابع بريدي أسود. وفوق ذلك، لكي يتمكن العلماء فعلياً من إنتاج وقود كيميائي، يتعين عليهم تغذية البكتيريا بالهيدروجين H2 الذي جرى تحريره، لتتولى البكتيريا معالجته في مراحل إضافية.

لكن أياً كان الاسم الذي نطلقه عليها، فإن الأوراق الاصطناعية تحمل آفاقاً هائلة لمستقبل كوكبنا. فهي لن تتيح لنا فقط تخزين الطاقة الشمسية المتاحة لفترة قصيرة لاستخدامها في وقت لاحق، وهو أحد أوجه القصور الكبيرة في ألواح الطاقة الشمسية الحالية، بل يمكنها أيضاً المساعدة في إزالة ثاني أكسيد الكربون من الهواء، وبالتالي خفض مستويات هذا الغاز المسبب للاحتباس الحراري ولو بدرجة محدودة.

ولا يوجد ما يدعو إلى التوقف عند الوقود الحيوي. فبعض البكتيريا تستطيع استخدام الهيدروجين H2 الناتج عن التمثيل الضوئي الاصطناعي لإنتاج أنواع رخيصة من البلاستيك أو المواد الأولية اللازمة لصناعة الأدوية. ويمكن لبكتيريا أخرى دمج الهيدروجين مع النيتروجين الموجود في الهواء لإنتاج أسمدة قائمة على الأمونيا، ثم إيصال هذه الأسمدة مباشرة وبكفاءة إلى جذور النباتات. وفي الاختبارات الأولية، تجاوز وزن الفجل المزروع باستخدام الأسمدة التي أنتجتها البكتيريا وزن مجموعة المقارنة بنسبة 50%.

واتخذ بعض العلماء نهجاً مختلفاً. فبدلاً من ابتكار أوراق اصطناعية بالكامل، يعمل الباحثون على تعديل الأوراق بطرق حيوية لمنحها قدرات خارقة. فعلى سبيل المثال، تمكن فريق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا من هندسة نباتات السبانخ بحيث تستطيع اكتشاف القنابل.

بدأ العلماء بحقن أنابيب نانوية كربونية داخل أوراق نباتات السبانخ. وكانت هذه الأنابيب النانوية مغطاة ببوليمر حساس لحمض البيكريك، وهو مكون شائع في المتفجرات. وإذا كان هناك أي حمض بيكريك في التربة، نتيجة وجود لغم أرضي منسي مثلاً، فإن هذه النباتات تمتصه وتنقله إلى الأوراق، حيث يرتبط بالبوليمر. ويؤدي ذلك إلى تغيير الخصائص البصرية للبوليمر، مما يسمح له بإصدار توهج فلوري. وبمجرد تسليط أشعة ليزر على الورقة، فإنها تتوهج بالأشعة تحت الحمراء، وهو أمر يمكن رصده بسهولة باستخدام أجهزة الكشف. ومن خلال استبدال البوليمرات بأنواع مختلفة، يستطيع العلماء أيضاً تهيئة الأوراق للكشف عن مادة TNT، وغاز الأعصاب السارين، وغيرهما من السموم.

وبما أن عملية ارتباط البوليمرات بالمواد الكيميائية المستهدفة تحدث بسرعة شديدة، وفي غضون 10 دقائق فقط في بعض الحالات، فقد تجد النباتات الحيوية استخدامات صناعية في المستقبل، باعتبارها وسيلة سريعة ورخيصة لمراقبة التسربات بالقرب من خزانات التخزين وغيرها من المعدات. ويمكن للمزارعين حتى استخدامها للتنبؤ بالجفاف، لأن فترات الجفاف تسبب تغيرات كيميائية في التربة تستطيع النباتات ملاحظتها قبل البشر بفترة طويلة.

لكن لماذا نتوقف عند مجرد اكتشاف الأشياء الضارة؟ لماذا لا نستخدم النباتات لتنظيفها أيضاً؟ تمتص نباتات التبغ بصورة طبيعية عناصر مشعة مثل البولونيوم، ويمكن لبعض التعديلات الجينية أن توسع مهامها في التنظيف لتشمل الزئبق وغيره من المعادن الثقيلة. والأفضل من ذلك أن بعض العلماء اقترحوا تحويل النباتات إلى عمال مناجم يستخرجون المعادن الثمينة. بل يمكننا أن نبدأ حتى في «التنقيب» في البحر، إذ تحتوي المحيطات على 20 مليون طن من الذهب المذاب، ويمكن للأعشاب البحرية أو عشب البحر الذي جرى تعديله بصورة مناسبة أن يقوم بترشيح الذهب وتركيزه بحيث يصبح استخراجه أكثر سهولة.

ومهما بدت النباتات ساكنة وغير نشطة، فإنها في الواقع كيميائيون بارعون، إذ تقوم باستمرار بأخذ عينات من المواد الصلبة والسائلة والغازية المحيطة بها وتحليلها. أما الأوراق الحيوية والأوراق الاصطناعية، فما هي إلا استخدام للعلم من أجل توسيع هذه القدرات الطبيعية قليلاً إلى أبعد مما وصلت إليه، بحيث تعمل الطبيعة والطبيعة البشرية جنباً إلى جنب.

المصدر

مقالات ذات صلة